الغربة
0

في البداية، وبغض النظر عن السياحة، ما الذي يدفع الإنسان للابتعاد عن وطنه؟

الأسباب التي تصنع غربة الإنسان كثيرة جدًا، ولن أقول أن الحروب أبرزها، بل الأبرز هي غربة الإنسان في بلده، هي شعوره بعدم التقدير وعدم القدرة على الاندماج في مجتمع وُلد فيه وتحدث لغته الأم!

قد تكون هنالك أسباب سياسية أو اقتصادية واجتماعية كثيرة تضغط على الإنسان حد الانفجار، وتجعله يفكر بترك وطنه نهائيًا، مع أن البعض قد يعدل عن هذا القرار بمجرد أن يجلس طفله في حضنه ويسأله: (بابا ليش زعلان؟).

الدموع والأبواب التي تغلق للمرة الأخيرة، وإعطاء الظهر للبيت الحنون والأحبة والأصدقاء، هي ليست بالتجربة الهينة على الإنسان، وخاصة إذا كان مرهف الحس، حيث ترافقه دموعه إلى المطار وكأن الماضي الجميل يلفظ أنفاسه الأخيرة! وهنا تحضرني عبارة مؤلمة للراحل محمد الماغوط إذ يقول:

تخاطبوا همسًا وسيروا على رؤوس الأصابع، فالوطن يحتضر..

بداية جديدة لحياة مبهمة

يمر الخط العام للغربة بعدة مراحل:

مرحلة الدهشة: حيث تبهرك الأضواء والشوارع والحانات، تدوس الأرصفة الجميلة التي بنيت بجهد وعرق غيرك.. تدوسها وهي ليست ملكًا لك..

تتلاشى الدهشة شيئًا فشيئًا لتبدأ مرحلة أخرى، هي مزيج من شعورين: شعور الحنين للوطن وشعورك بضرورة إثبات الذات.. فتفشل بكليهما في البداية! وعندها تبدأ المرحلة الأهم وهي مرحلة الطحن، حيث تطحنك الغربة وأنت على قيد الحياة.. الطحن مؤلم وأنت على قيد الحياة، أليس كذلك؟

اقرأ أيضًا: في تشريح الوحدة: لأن الشعراء يملكون مشارطًا أيضًا

بعد عملية الطحن

تأكلك الغربة، وتهضمك، فتصبح جزءًا منها.. ثم تذهب الغربة إلى البرية وتجلس القرفصاء دون خجل، وتتخلص منك تمامًا، تتركك قرب حجر والذباب يحوم حولك، أنت الآن لست سوى فضلات.. لست سوى وليمة للذباب الأزرق الجائع!

هذا ما تفعله الغربة، ولكن ماذا يفعل بك الوطن، فهذه قصة أخرى لا نستطيع شرحها الآن لأنها (سري للغاية)!

الغربة

التجارب التي تصقل الإنسان في الغربة

نستطيع القول إن الإنسان في الغربة يتنقل من خطأ إلى خطأ، يشعر بالخجل والألم والإهانة، ولكن كل ذلك يعطيه خبرة أكبر ومعلومات لا يمكن امتلاكها دون ارتكاب هذه السلسلة من الأخطاء، فكما عودتنا الحياة أن لكل شيء ثمن!

المعادلة الأكثر إيلامًا أن الإنسان يهدر شبابه في الغربة، وعندما يصبح مخضرمًا يجد نفسه كهلًا لم يعد ينفع للكثير، وبالتالي يمكن القول إن الغربة ليست بالصفقة الرابحة مع الحياة!

وهنا لا بد لنا أن نغوص في أعماق المغتربين أو اللاجئين بالأحرى، حيث تشير معظم الدراسات إلى أن اللاجئين يعانون من أعراض نفسية لا يستهان بها، وأبرزها هو الاكتئاب، وأحيانًا الاكتئاب المزمن الشديد الذي قد يتطور إلى “اكتئاب سريري” بسبب الإهمال وحالة الإنكار التي تتميز بها الثقافة العربية، كأن يقول المرء ببساطة: أنا لست مجنونًا ولن أذهب إلى طبيب نفسي أخشى على سمعتي أمام الناس!

هذا بالنسبة للاجئين الذكور، أما اللاجئات؛ فحدث ولا حرج عن الفوضى النفسانية التي تقع بها المرأة، ومع كل ذلك تبقى من وجهة نظر بعض الدراسات الأكثر تماسكًا على عكس ما هو متوقع بسبب طبيعة المرأة العاطفية وحسها المرهف..

اقرأ أيضًا: عن الفن وصناعة المحتوى .. لماذا تنتشر البضاعة الفاسدة في الوطن العربي؟

النساء العربيات والغربة

هنا في ألمانيا، حيث أعيش، ألمح في شخصيات النساء اللواتي هربن من ويلات الحروب وقسوة المجتمع المتزمت، ألمح فيهن ظاهرة يمكن تسميتها “العقدة الحضارية”، فالكثيرات ما إن وصلن الى أوروبا حتى طلبن الطلاق من أزواجهن، فببساطة تخلصت النساء العربيات من متلازمتين: الأولى التبعية المالية، والثانية غياب الوازع الاجتماعي.

أنا هنا لا أعمم أبدًا، فأنا مع حقوق المرأة، ولا أنكر في هذا الخصوص أبدًا وجود استثناءات جميلة ويبنى عليها..

لكنني أشعر بتغير هائل في شخصية المرأة العربية منذ أن تطأ قدماها الأرض الأوروبية، فتصبح مكتفية بنفسها تمامًا وسعيدة هكذا، فترفض أي نوع من العلاقات مع الرجال وخصوصًا العرب منهم، فهي ككل امرأة تبحث عن السلام والاستقرار مع شريك حياة، يجب أن يكون وضعه أفضل منها بكثير (وهذا من بقايا فلسفة العبودية التي عانت منها المرأة العربية لمئات السنين)، فهي لا تتخيل نفسها مع إنسان لاجئ مثلها بل تريد الأفضل، والأقوى! هنا تحضرني أبيات جبران خليل جبران التي يقول فيها:

قومٌ إذا رأوا أشباههم نفروا!

الغربة تشبه إلى حدٍّ بعيد اقتلاع شجرة من جذورها ومحاولة غرسها مجددًا في أرض غريبة وتربة عجيبة! هنا قد تفشل التجربة في الغالب وتكون النتيجة معاناة هذه الشجرة إلى الأبد وخصوصًا أن الشجر أخرس، فهو يموت بصمت وهو واقف بكل كرامة!

نحن نعلم أن الإنسان أخو الإنسان في كل مكان كما علمتني أمي، وها هي الغربة تسرق منا أحباءنا حيث صاروا أصواتًا متقطعة على الهاتف!

أيتها الحرب

من أحبهم صاروا أصواتًا متقطعة على سماعة الهاتف، لن نشعر بالأمان والسلام إلا في أرحام أمهاتنا، كيف وقد أخرجنا الأطباء منها عنوةً؟

سوف نتعلم اللغة الأم من أمهاتنا.. وليس في المدارس والمعاهد والكتب، سوف نحلم بلعبة أو نزهة أو نوم ليلة في بيوت جداتنا.. سنبكي بحرقة لأجل ذلك!

كلنا أطفال.. لا يعقل أن تكون لدينا تلك الشوارب المخيفة على الحواجز والأصابع الثخينة على الزناد، لا يعقل أن يكون الأطفال سنة وشيعة وأكراد ومسيحيين وأرمن، أو أي اختراع بشري قميء آخر.. لا يعقل أن أولئك الوحوش كانوا أطفالًا!

فلنعد أطفالًا.. نتقاتل على الجلوس قرب المدفأة أو الجلوس في أحضان آبائنا في المساء، حلمنا ليس سوى لفة زعتر أو صحن فول ساخن فوق عربة عتيقة على طرف الطريق.. وبعدها نتكلم!

وفي الختام لا أستطيع إلا أن أختم بعبارة للراحل محمود درويش يقول فيها:

 ليت مرآتنا حجر!

اقرأ أيضًا:  قراءة في رائعة غسّان كنفاني “عائد إلى حيفا” عن الهوية وكينونة الانتماء والصراعات الأزلية بين الخير والشر

0

شاركنا رأيك حول "أن نفقد حديث من نحب ويصبح ما ألفناه غريبًا: الغربة وما أدراك ما الغربة!"