أندرو كارنيجي
0

أبدأ بسؤال..

يومًا ما، إذا بلغت قيمة ثروتك 65 مليار دولار، هل من الممكن أن تهب 90 بالمائة منها لأعمال الخير؟
ليس هذا سؤالًا -افتراضيًا- كما أن إجابته لن تكون هي الأخرى إجابة افتراضية، فهذا هو بالفعل ما قام به “أندرو كارنيجي”.. فاعل الخير، والصناعيّ الأمريكي اسكتلندي الأصل، رائد صناعة الصلب في أمريكا في القرن التاسع عشر..

فمن هو “أندرو كارنيجي” الذي ذكّرني بـ “عبد الغفور البرعي”؟ ومن هو “عبد الغفور البرعي” أصلًا؟

عبد الغفور البرعي بطل مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي“، والذي قد نكون جميعًا قد سمعنا عنه، وشاهده أغلبنا، ولمن لم يشاهده بعد، فإن قصته -باختصارٍ وبدون حرقٍ للأحداث- عن عبد الغفور البرعي الرجل البسيط وغير المتعلم العصامي الذي بدأ من الصفر ليصبح من الأثرياء، وكان يتمنى أن يرى ابنه “عبد الوهاب” مثله ويريده معه في مجال عمله سندًا له، الأمر الذي كان ضد رغبة “عبد الوهاب” وظلّ فترة كبيرة من أحداث المسلسل يحاول أن يجد لنفسه طريقًا آخر بعيدًا عن طريق والده، ليعبّر اسم المسلسل “لن أعيش في حلباب أبي” عن هذه الحالة، كما يعبر عن حالات أخرى مرتبطة بأخوة “عبد الوهاب” كذلك في المسلسل.

وبعيدًا عن أحداث المسلسل، تتشابه قصة عبد الغفور مع أندرو في بعض الأوجه، فكلاهما “عصاميّ” بوجه عام، ولكن لا أدري لماذا حاولت الربط بين القصتين، وقد أعرف في آخر المقال، لذلك فبينما أعرض ملامح من حياة وقصة “أندرو كارنيجي” سأوضح الأجزاء التي تلتقي فيها قصة “عبد الغفور البرعي” معها، حتى وإن كانت قصة المسلسل خيالية، فالشخصيات “العصامية” تتفق في بعض تفاصيلها، وتشترك في سماتٍ أساسية بشكل عام.

طريق الثراء الشديد يبدأ بعد رحلة الفقر الشديد

لن أقول أن هذه قاعدة، لأن الثراء الشديد قد يبدأ من ثراء أيضًا، ولكن دائمًا ما تأتي نهايات الأثرياء السعيدة بالثراء بعد بداياتٍ تحمل الكثير من المعاناة والمشقة..

مأساة “كارنيجي” -والمقصود بـ كارنيجي هنا العائلة وليس أندرو فقط- بدأت مع قيام الثورة الصناعية التي كانت وبالًا على والده “وليم كارنيجي” فقد كان يعمل نسّاجًا، وحرمته الثورة الصناعية من عمله وجعلته فقيرًا، بعد أن حلت المغازل الآلية محل الأنوال اليدوية، فعمل بمعمل قطن لم يستمر به لوقتٍ كثير، منتهيًا به المطاف إلى صناعة الملابس الكتانية في منزله، لبعض الوقت أيضًا، وانتهت هذه الظروف القاسية بـ آل كارنيجي إلى الهجرة من اسكتلندا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ليستقروا في “بنسلفانيا”.

أمّن “أندرو” احتياجات عائلته المالية من خلال عمله بأعمالٍ عدة، بدأها بساعي بريد لصالح مكتب تلغراف في بيتسبورغ Pittsburg، وأضافت هذه الوظيفة له الكثير، ولكن عمله في مجال الخطوط الحديديّة -والذي كان من أفضل الأعمال في أمريكا آنذاك- كان الإضافة الأكبر والأهم والأكثر تأثيرًا في حياة “أندرو” العملية فقد صقلت مهارته في الإدارة، كما كانت كذلك صحبته مع “توماس سكوت مفيدةً بشكلٍ كبير”، وسيأتي تفصيل ذلك بعد قليل..

شخصيات مؤثرة في حياة “أندرو كارنيجي

 أول شخصية أثرت في “أندرو” هو توماس سكوت Thomas A. Scott

عندما كان كارنيجي يبلغ من العمر 18 عامًا تقريبًا، قام “توماس أ. سكوت” من شركة بنسلفانيا ريلرود، بتوظيفه كسكرتير/ مشغّل تلغراف براتب قدره 4.00 دولارات في الأسبوع (وهو ما يعادل 123 دولارًا حاليًّا بالتقريب). وعمل “كارنيجي” في السكك الحديدية حيث رأى هناك آفاقًا أوسع للتطور الوظيفي واكتساب الخبرة مقارنة بشركة التلغراف، بعد أن عرض “توماس سكوت” عليه الإشراف على القسم الغربي من شركة بنسلفانيا ريلرود.

قبِل العرض وأصبح “كارنيجي” رسميًا المشرف على القسم الغربي، متقاضيا راتبًا قدره 1500 دولارًا سنويًا (وهو ما يعادل 43000 دولار حاليًا بالتقريب).

العمل في شركة “بنسلفانيا ريلرود” كان مرحلة مفصلية لنجاح “أندرو” لاحقًا، فقد كانت شركة بنسلفانيا واحدة من أكبر الشركات التي كانت تعمل في مجال السكك الحديدية، وتعلّم “كارنيجي” فيها الكثير عن الإدارة ومراقبة التكاليف خلال سنوات عمله فيها.

جدير بالذكر هنا، أن كارنيجي وظّف كذلك شقيقه “توم” البالغ من العمر ستة عشر عامًا، ليكون سكرتيره الشخصي ومشغّل التلغراف، كما وظف كذلك قريبته “ماريا هوغان” لتصبح أول مشغّلة تلغراف في البلاد.

العقيد “جيمس أندرسون”

كان من أكثر الشخصيات تأثيرًا وإلهامًا في حياة “كارنيجي”، فبعد عام من عمله في التلغراف رُقّي إلى مشغّل ونمّى العقيد جيمس أندرسون تعليم كارنيجي، وكان عاملًا مهمًا في إشباع شغفه بالقراءة، إذ فتح باب مكتبته الشخصية التي تحتوي على 400 مجلد -كان جيمس يفتحها للصبية العاملين كل ليلة سبت- وأفاد ذلك كارنيجي الذي كان مستعيرًا دائمًا للكتب.

كان “أندرو” ممتنًا جدًا للعقيد أندرسون لاستخدام مكتبته، وهذا هو الذي جعل كارنيجي يقرر أنه إذا أصبح يومًا ما ثريًّا سيفعل المثل كي يتسنّى للفتيان الفقراء الآخرين فرصة مماثلة لتلك التي ندين بها لـ جيمس أندرسون، وقد قام بذلك كما سنرى.

ألاحظ هنا وجه شبه بين “أندرو كارنيجي” و “عبد الغفور البرعي” إذ استفاد عبد الغفور البرعي من صحبة “المعلم إبراهيم سردينا” الذي أعطى له خلاصة تجاربه الحياتية والعملية “في سوق الخردة”.

طريق كارنيجي إلى ثروته

وهو يعمل لصالح سكك حديد بنسلفانيا، استثمر “أندرو” ماله في العديد من شركات الفولاذ، وترك العمل في شركة “سكك حديد بنسلفانيا” في عام 1865 ليتفرغ لإدارة أعماله الخاصة.

وفي إحدى سفرياته إلى أوروبا أدرك أن الحاجة إلى الحديد والفولاذ سوف تزداد في المستقبل، وأنشأ هو وعدد من شركائه مصنعًا للفولاذ. وسع كارنيجي أعماله في مجال الصلب حتى خلال التدهور الاقتصادي في الولايات المتحدة، وبذلك استطاع مقابلة الحاجة إلى الفولاذ خلال سنوات النمو الاقتصادي. وفي عام 1872م، دمج ثلاثًا من شركاته وكوَّن شركة “كارنيجي للفولاذ”. أسس شركة “كيستون” لبناء الجسور وكانت أول من مدّ جسرًا حديديًّا على نهر أوهايو، ثم اشترى استثمارًا للبترول وانطلق في مجال إنتاج الفولاذ فوسّع أعماله، وضاعف شركاته ونشاطه.

يجدر الذكر بأنه خلال الأزمة الاقتصادية سنة 1892 والاضطرابات الدموية، عرفت شركات كارنيجي -على عكس مثيلاتها- الازدهار مستفيدة من بعض التشريعات التي كانت تسهّل أعمالها، وعندما اندمجت جميع شركات الصلب والحديد سنة 1901، كان كارنيجي رئيسًا لهذه الامبراطورية الصناعية.

وفي عام 1901 باع شركته بمبلغ 480 مليون دولار للمصرفي الأمريكي جي. بي. مورجان J. P. Morgan وتقاعد، وعندئذ قال له “مورجان”:

“سيد كارنيجي: أود أن أهنئك لكونك أغنى رجل في العالم”. وقُدرت ثروة كارنيجي بحوالي 500 مليون دولار”.

اقرأ أيضًا: أفضل كتب التنمية البشرية لكل الأوقات

أندرو كارنيجي” بعد التقاعد

تقاعد “أندرو” بعد بيعه شركته. كرس كارنيجي وقته إلى حد كبير للكتابة والدعوة إلى القضايا النبيلة، وفي مقالةٍ بعنوان “الثروة”، نُشرت في عام 1889، صاغ كارنيجي أفكاره حول استخدام ثروات طائلة من أجل تطوير المجتمع. بجانب ذلك، ألف كارنيجي كتب “الديمقراطية المنتصرة” و “إمبراطورية الأعمال” و”مشكلات اليوم” وأخيرًا “سيرة أندرو كارنيجي الذاتية”.

يمكنني أن أطلق بثقة على كارنيجي لقب “الغني المثقف”، فالرجل لديه منذ عصره أقوال يمكن أن نصفها بـ “المأثورة”، التي تعبر عن خبرته ونظرته المختلفة للأشياء، ومنها على سبيل المثال لا الحصر..

“ركز طاقاتك وأفكارك ورأس مالك، فالحكيم من يضع بيضه في سلة واحدة ويراقب هذه السلة”.

خذوا منا كل مصانعنا وآلاتنا واتركوا لنا إدارتنا المنظمة لا غير، وفي ظرف أربع سنوات سوف نسترد مجدنا كاملًا”.

 “كل جروح الكرامة يصيب بها المرء نفسه بنفسه”.

اخترت لك من أقواله هذه الأقوال على سبيل المثال لا الحصر -كما أوضحت سلفًا- لأنها تعبر بشكلٍ واضح عن اختلاف “أندرو كارنيجي” الذي حثنا على أن نضع البيض في سلة واحدة فيما لو كان الحديث عن تركيز الطاقات ورأس المال، وقول آخر يعبر عن وجهة نظره في أهمية الإدارة المنظمة وما تكشف عنه من وعي إداري -لاحظوا أننا نتحدث عن فترة القرن التاسع عشر- كما أن منها ما يعبر عن نظريته إنسانيًّا وعن تجارب حياتية ثرية فيما تعلق بقوله عن “الكرامة”.

ألاحظ هنا وجه شبه بين “أندرو كارنيجي” و “عبد الغفور البرعي” فقد كانت لعبد الغفور أقوال مأثورة هو الآخر، نابعة من مصاحبته لـ “المعلم سردينا” وتجارب عبد الغفور الحياتية.. منها على سبيل المثال لا الحصر..

اللي يحسب الحسابات في الهنا يبات

 أفتكرلك إيه با بصلة وكل قضمة بدمعة

اللي قادر على الكُحل يتكحّل

العطشان يكسّر الحوض

 عزيزي القارئ لو احتجت إلى تفسير أو شرح لأقوال عبد الغفور البرعي يمكنك إعلامنا في التعليقات وسنرد عليك.

اقرأ أيضًا: خزعبلات كتب التنمية البشرية: وجهان لعملة واحدة غرضها البيع ليس إلا

كيف انعكست أفكار “كارنيجي” على تبرعاته

كان “أندرو” مؤمنًا بأن الناس يستطيعون تطوير أنفسهم من خلال العمل الشاق، كما كان يرى أن على الأشخاص الأثرياء استخدام ثرواتهم في مساعدة المجتمع، وكان مؤيدًا بشدة لمساعدة الآخرين كي يساعدوا أنفسهم بتوفير فرص التعليم بنفس درجة معارضته للـ “الصدقات”.

لذلك نرى أنه حين تبرع “كارنيجي” بأكثر من نصف ثروته:

  • أنشأ أكثر من 2,500 مكتبة عامة في مختلف أنحاء العالم.
  • موّل إنشاء قاعة كارنيجي الموسيقية الشهيرة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة.
  • وتم إنشاء “مؤسسة كارنيجي” بواشنطن لتشجيع الأبحاث في العلوم الأحيائية والفيزيائية.
  •  توجد مؤسسات أخرى تحمل اسم كارنيجي معنية بالتعليم والسلام العالمي.

قبل أن أبدأ في ختام المقال، ألاحظ هنا وجه شبه بين “أندرو كارنيجي” و “عبد الغفور البرعي”.

كان عبد الغفور البرعي فاعل خير أيضًا، فقد كان يضحي كل شهر “ذبح أضحية” للفقراء، ودفع مصاريف الحج للقهوجي، كما تكفل بأسرة “فهيم” أفندي بعد وفاته، فقد كان يعتبر -فهيم أفندي- المدير المالي لإمبراطورية عبد الغفور البرعي.

سواء كانت أوجه الشبه بين “أندرو” و “عبد الغفور” قوية أو لا، يمكن أن نتفق أو نختلف على ذلك، ولكن لا بد أن نتفق على ..

أن تكون ثريًّا هذا وارد فلا يضيع مجهود دون نتيجة على من بذله، ولكن أن تكون ثريًّا صاحب رؤية ومنهج هذا هو المختلف والأصعب، وقدر وجود ذلك من عدمه سيكون مؤثرًا في كيفية تصرفك في ثروتك، وكلما زاد هذا القدر سيكون التصرف فيها موجهًا إلى مساعدة من حولك مساعدة -حقيقية- لا أن توزع عليهم هذه الثروة، بل توفر لهم ما يساعدهم على على أن يكونوا أثرياء -بحق- فأنت هنا لم تعطهم سمكة ولكن علمتهم كيف يصطادون، كـ “كارنيجي” الذي عارض الصدقة وأيد توفير فرص التعليم بالمكتبات والمسارح، وهنا يمكن أن نقول فعلًا إن “الكنز في الرحلة”، تمامًا كرحلة “أندرو كارنيجي”.

رأيي الشخصي أن “عبد الغفور البرعي” هو “أندرو كارنيجي” الغلابة، وأن كلاهما ملهم….

0

شاركنا رأيك حول "سوف أعيش في جلباب “أندرو كارنيجي”.. دروس وعبر من سيرة ثريّ عرف الكنز في الرحلة"