”اللغة سكنٌ ولا نتحرر إلا فيه، يُمكننا أن نُجيدَ آلاف اللغات ولكن يظلّ هُناك لغةٌ واحدة تملكُ القُدرة على هزّ أحلامِنا من الداخل“ – واسيني الأعرج

تخيّل معي الآن أن تقضيَ عامًا كاملًا تُحاول فيه ادخار المال للسفرِ إلى تركيا، وعندما تُحقق بالفعل ما رجوتَ وتطأ قدمك أرض اسطنبول؛ تُفاجأ بأنّ جميعُهم يتحدثون نفس لغتك، وتتمعّن أكثر فتجدهم يستمعون للأغاني التي اعتدت السماع إليها طوال حياتك. إحساسٌ غريبٌ يجتاحُك، أليسَ كذلك؟ لقد جئتَ إلى هُنا مُمتلئًا بالحماسِ كي تتعرف على أشياء مُختلفة، كنتَ قد جهزت نفسك لتلك اللحظة التي ستسأل فيها أحد المارّة بالتركية التي أخذت في تعلمها خلال الأشهرِ الثلاثة الماضية، ولكن ما الفائدة منها الآن؟

لغة واحدة في العالم

فما الفارق إن كنتَ قادمًا من بلجيكا أو من الأرجنتين؟ طالما كلاكما تتحدثان اللغة ذاتها؟ وهذا هو تمامًا السؤال الذي يتمحورُ حولَه مقالي اليوم، ماذا لو استيقظتَ في يومٍ ما لتجدَ أن العالم بأسرِه يتحدث لغةً واحدة بدلًا من ٦ آلاف لغة، قد يبدو الأمرَ جنونيًا للوهلةِ الأولى، فيُمكنك الآن أن تذهب من شرقِ الكرة الأرضية إلى غربِها دونَ أن تحملَ همّ معرفة لغاتِ الشعوب، ستزيحُ عنكَ الخوفَ من طلبِ حساء ضفادع لأنك أخطأت في نُطقِ حرف ما، ولن تحتاج المؤتمرات الدولية إلى مترجمٍ بعد الآن، ألا يبدو الأمرَ رائعًا؟ ولكن ماذا عن حضارة كل بلدٍ إذًا؟ ماذا عن التاريخ المكتوبِ بلغةِ كل منهم، هل سيُلقى به في الزاوية ويُمحى مع اللغة؟ أم سيبقى ثابتًا كالطودِ في مكانِه؟

اقرأ أيضًا:  كيف تساعدك الفكاهة على تعلّم اللغات؟!

اللغة هي الوجهُ الآخر للهويّة

اللغة ليست مُجرد وسيلة تواصُل بين البشر، ولكنها أيضًا مادّة أساسيّة للفِكر؛ إذ أنّ المرءَ إذا أراد أن يُعبر عن فكرةٍ ما تحتلّ عقلَه فأول ما يخطُر في بالِه هو استخدام اللغة، فالإنسانُ مجبولٌ على حُبّ التعبير عن النفس، واللغة كأنّها هي الجسرُ الذي يصلُ بيننا وبين أفكارِنا. ولكنها لا تكتفي بهذا، فاللغة في نفسِ الوقتِ مرآةٌ، تعكسُ من نحنُ ومن أين جئنا، ماذا نفعلُ عندما نفرح؟ هل نمتلكُ أكلةً تُميزنا عن بقيّةِ الشُعوب؟

اللغة تُحدد ملامحَ الشُعوب، تُعطي لكلٍ منهم نكهةً استثنائية، وتجعلُه دائمًا على وِصال مع ماضيه وحاضرِه وحتى مُستقبله، تمنحُه شعورًا بالانتماء إلى وطنٍ ما، ولهذا؛ فعندما يتواصلُ البشر من دولةٍ أو حتى قارةٍ أخرى تمامًا فهم لا يتعاملون مع من أمامهم فقط، بل يتعاملون مع تُراثٍ وحضارةٍ كاملة، يتعمقون داخلها وتتعمق داخلهم، فاللغة دائمًا ما تحملُ معها كل ما يخصّ أصحابها.

ماذا لو تحدث سكان العالم لغة واحدة

إذا نشأتَ في بلدٍ مُعيّن، لا شكّ أنك تعلمُ معنى كل حركةٍ مهما كانت صغيرة، بدايةً من الإيماءاتِ وصولًا للنظراتِ والتغيّرات الطفيفة في نبرةِ الصوتِ. ففي اليابان مثلًا، تعتمدُ لغتهم بشكلٍ أساسيّ على التغيير في نغمةِ صوتِهم التي تسبقُ أو تلحق كلامهم، ولهذا قد نلحظُ أنه عندما تتمّ دبلجة فيلم من لغةٍ إلى أخرى لا يُصبح أبدًا بذاتِ الطابع الذي يمتلكُه الأصليّ، لأنّ الأمر لا يتعلقُ باللغة كأحرفٍ وعدّة كلماتٍ وفقط، ولكنه أعمق من ذلك بكثير، فالأمرُ يتعلقُ بثقافةِ وهويّة بلادٍ بأكملِها.

حتى وإن توحدّت اللغة في العالم أجمع، لا أحد سيتمكّن من أن يُنازعَ إيطاليا في الأزياءِ والموضة، أو أن يُنافسَ شاغلي السِجّاد في المغرب، ولن يتجرأ أحدهم على مُبارزةِ الهند في صناعة الأفلام وعشق السينما؛ فلكلّ دولةٍ بصمتُها الخاصّة التي تتركها خلفَها، والعلاقة التي تجمعُ بين اللغةِ والهويّة مُتجذرّة وقد تتطلبُ منا أشهرًا لوصفِها.

اقرأ أيضًا: معالجة اللغات الطبيعية وتطبيقاتها… عندما تفهم الآلة المحتوى الرقمي المكتوب!

ماذا لو تحدث العالم كل لغة واحدة

مُحاولة تعميم لغة واحدة

تعددت الأساليب وتتابعت المُحاولات، والهدفُ واحدٌ. أن يتحدث العالم كله لغةً واحدة، ولكن ما هي تلك اللغة التي سيتفقُ عليها البشرُ أجمعين؟ وهل نجحت تلك المُحاولات أم أخفقت؟

على مرّ العُصورِ، أتت هذه الفكرة الكثيرين لأسبابٍ مُختلفة، ولكن اثنين منهم فقط استطاعا أن يمضِيا قُدمًا في اتجاهِ حُلمِهم ذاك ولو بعدّة خُطواتٍ بسيطة، والآن؛ تعالوا معي لنكتشفَ من هم، ولنكشفَ معًا اللثام عن الأسبابِ التي تقبعُ وراء فكرتهم تلك.

يوهان مارتن شلاير

في عامِ 1879 ظهر قسٌ ألمانيّ كاثوليكيّ يُدعى شلاير بفكرةِ تعميم لغةٍ واحدة في كل العالم؛ وقد كان الفيلسوف الفرنسيّ رينيه ديكارت من قبلِه هو أول من نادى بتبنّي هذه الفكرة، ولكنه لم يخطو حينَها أية خُطوة فعليّة لتنفيذ فكرته. وبالفعل بدأ شلاير بالبحثِ ودراسة العديد من اللغاتِ المُختلفة حتى توصّل إلى شكلٍ شبه نهائي للغة التي أراد تعميمِها، وقرر أن يُسمّيها ”Volapük“ وهي مُشتقةٌ من كَلِمتيْ VOL أي العالم وPÜK أي اللغة.

ماذا لو تحدث العالم لغة واحدة

ولاقت اللغة من بعدِها رواجًا سريعًا، فانتشرت أولًا في النمسا وبلجيكا وهولندا، ثم أخذت ڤولابوك في التوسّع حتى وصلت إلى اليونان وبدأ الناس في تداولها أكثر فأكثر. وعلى الرغمِ من أن شلاير قد بذل قُصارى جُهدِه لكيْ يجعلَ اللغة سهلةً ومُستساغة وعمليّة، إلا أنّ الكثيرين قد وجدوها صعبةَ المِراسِ واقترح بعض أنصارِ الفكرة الكامنة وراء ڤولابوك آنذاك بعض التغييرات لتبسيط قواعدَ اللغة، ولكن شلاير اعترضَ بشدةٍ مُعتبرًا أنه صاحبَ اللغة ومالكها الوحيد.

وهُنا، رأى الناسُ أن تلك اللغة لن تحققَ هدفها المنشود في الجمعِ بين البشر ولكنها ستفرّق بينهم أكثر، ولهذا وجدوا لهم خلاصًا عندما لوحّت الإسبرانتو من بعيد.

لودفيك زامينهوف

تحت سماءِ بولندا، وتحديدًا في مدينة بياوستوك كان يعيش طبيب عيون يُدعى لودفيك زامينهوف؛ وكان ينتمي لأسرةٍ أصولُها يهوديّة، وكانوا يتجاورون مع عائلات قادمين من أعراقٍ وأطيافٍ مُتعددة، يتحدثون بلغاتِهم الأمّ التي تُعبّر عن هويّتهم، فكان الروس الأرثوذكس يتحدثون الروسيّة، فيما يتحدث اليهود اليديشية. وقد هالَ زامنهوف هذا الاحتقان والتوتّر الملحوظ والغالِب على أهلِ بلدتِه، فقد كان يسيرُ في الطرقاتِ ويرى المُشاحنات بين أهالي مدينتِه، وكلٌ منهم يُشهِر سلاحَه في وجهِ الآخر وهو يتخذ جانبًا لدولةٍ ما أو إمبراطوريةٍ تُريد الاستيلاء على الأراضي البولنديّة.

ومن هُنا، بدأ يؤمنُ بأنّ أحد الأسباب الأساسية لكثرة صراعاتهم تلك هو عدم نُطقِهم نفس اللغة، وأن كل منهم يشعرُ أن الآخر يشنّ عليه حربًا، ورأى زامينهوف أنهم فقط يُريدون لغةً مُحايدة يستطيعون من خلالِها فهم بعضِهم البعض. ولكن لماذا نُرهق أنفسنا في البحث عن لغةٍ عالميّة بينما تكادُ الإنجليزية أن تُصبحَ واحدةً على أية حال؟ والسببُ في نظر زامينهوف كان أنه إذا وقع الاختيار على أي لغةٍ موجودةٍ بالفعل لتُصبحَ هي تلك المُحايدة، فسيُدخل هذا العالم في حروبٍ أكثر، حيثُ سيزعم أصحابُ اللغة أنهم أولى في الحصولِ على كل شيء، وهُنا جاء دورُ الإسبرانتو.

لودفيك زامينهوف

أراد زامينهوف أن يؤسس لغةً مُحايدة، لا للقضاءِ على الحروبِ والاختلافاتِ بين البشر فقط، فكثيرًا ما مرّ التاريخُ بحروبٍ بين أناسٍ يقفون على نفسِ الأرضِ وتجمعهم نفس اللغة (أشهرها الحرب الأهليّة في البوسنة) ولكن ما كان يرنو إليه هو أبعد من ذلك، فقد أرادَ أن تُصبحَ كل العلوم في أيدي الجميع، فلا يتحتّم عليكَ تعلم الصينية لتستطيع التوصّل إلى آخر ما توصلوا إليه في علم الفلك على سبيل المثال. أراد زامينهوف ألا يُصبحَ العلم سلعةً هو الآخر وألا تحتكرَه دولةٌ بعينِها.

ولم يلبث الأمر مُجرد حلمٍ في خيالِه لمدّةٍ كبيرة، فقد استطاع لودفيك أن يضعَ قدميٍْه على أرضِ الواقع، وبعد أبحاثٍ دامت أكثر من عشر سنين، استطاعَ لودفيك أن يُتقِـنَ 12 لغة وأن يُنشئَ لغةً جديدة تجمعُ بين كل البشر، وتُوحّد كل العلوم، مُتفاديًا أخطاءَ من سبقه. وبحلولِ عام 1887 خرجت لغة الإسبرانتو للنور؛ وقد أطلقَ عليها الناس هذا اللقب الذي ما انفكّ زومينهوف يُطلقه على نفسِه، والذي يعني في لغتِه الأم ”الرجل الذي يحلُم“.

الإسبرانتو، حلمٌ لم يُكتَب له النجاح

ورغم أنّ حتى يومنا هذا، ما زال هُناك عشراتُ المؤتمرات التي تُقام لنشرِ الوعي حول أهمية الإسبرانتو وإحياء الفكرة والمبدأ الذي يكمُن داخلها، إلا أن الهدفَ الأساسيّ الذي كان ينشدُه لودفيك بدا وكأنه لم يُكتَب له التحقيق، فرغم سهولة تعلمّها إلا أن الكثيرين لم يجدوا دافعًا لذلك، وحتى من تعلمّوها لم يستطيعوا إيجادِ بيئةٍ مُناسبة تتيح لهم فُرصة التعاملِ بها خاصّةً وأنها لم تكن مُدعومة بقوى دوليّة مثل أمريكا وروسيا، فوجدت اللغة نفسها في العراء، بلا هويةٍ تحميها أو ثقافةٍ تؤمّن وجودَها.

فإذ بنا نعودُ أدراجَنا إلى النقطة الأولى، وهي أن اللغة لم تكن أبدًا أداة تواصل بين البشر وفقط، ولكنها أيضًا تجعل كل منا يُدرك نفسَ الأشياء ولكن بطريقته الخاصة، فالإنسانُ يستمتع بالحديث عن الثقافة التي ينتمي إليها، يُغرَم بمن يشبهه ويستطيع الوصول معه إلى نُقطةٍ مشتركة، ولكنه يحرص دائمًا على الحفاظ على الاختلاف الذي يفصلُ بينهم أيضًا.

”الابتسامة الدافئة هي اللغة العالميّة الوحيدة التي من الممكن أن يفهمها كل الناس“.. آرثر وارد

وفي رأيي الخاصّ، إن كان علينا حقًا الوصول إلى نقطةٍ تجمعنا نحنُ البشر، فهي لا تكمُن في نزع اختلافاتنا أو محوِ أصولِنا وحضاراتنا، بل تكمُن تمامًا في نزعِ الخلاف والإبقاء على الاختلاف. ما رأيُكَ أنتَ يا عزيزي القارئ؟ هل يُمكن أن يتحدث العالم يومًا ما لغةً واحدة؟ وهل سيؤثر هذا على التراث والحضارة؟

اقرأ أيضًا: المهارات التي يجب تعلمها للبدء في العمل الحر