من أهم الاكتشافات التي تم تناولها في السنوات الأخيرة هو الاكتشاف الجيولوجي للقمر. الذي تم من خلاله التعرف على بنية القمر الصخرية، وكذلك المعدنية، واكتشاف مياه على سطح القمر، وتم تناول خبر ضجّت له المجلات العلمية عن إمكانية شرب رواد الفضاء لمياه القمر.

لحق بهذا الخبر، خبر آخر عن احتمالية سحب القمر لمياه الأرض على مدى مليارات السنين الماضية، فما مدى صحة هذه الأخبار؟ لنفهمها علينا دراسة البنية الصخرية والمعدنية الأرضية والقمرية التي تشبه إلى حدٍ كبير بنية الأرض.

يؤدي هذا التشابه إلى استنتاج وحدة المادة الكونية أو الغُبار الكوني الذي نُسجَ وتشكلَ منه الكون طبقاً لأشهرِ النظرياتِ سماعاً وأكثرِها قبولاً، نظرية الانفجار العظيم، الذي خُلقَ منه كوكب الأرض وتكوَّن منه القمر تباعاً. حيث إن القمر تابع من توابع الأرض، لذا فمن المنطقي أن يكون تكونه جاء بعد تكون واستقرار الأرض؛ إِذ إن التشابهَ بين كلا المادتين الأرضية والقمرية يبين احتواء كليهما على عنصرِي "الحديد والنيكل" بصورة كبيرة.

مما سبق يمكن أن يتبادر لأذهاننا سؤالٌ مهم، وهو هل يوجد على القمر ماء؟ وإن وُجِدَ فهل هو صالحٌ للشرب؟!

قمرنا الأرضي

ويعد القمر الأرضي خامس أكبر قمر في المجموعة الشمسية بالمقارنة بين حجمه وحجم الأرض. إذ يبلغ قطره ربع قطر الأرض. وكتلته تساوي 1/81 من كتلة الأرض. ويعد القمر الأرضي ثاني أكبر قمر من حيث الكثافة بعد قمر إيو، الذي يعد القمر الداخلي من الأقمار الأربعة التابعة لكوكب المشتري.

يدور القمر حول الأرض بحركة انتظامية في مدار إهليلجي حيث يعرض دائماً الوجه نفسه بالنسبة للرائي له من كوكب الأرض. والقمر هو أكثر الأجسام لمعاناً من على كوكب الأرض. ويعد القمر ثاني ألمع نجم فلكي بعد الشمس في المجموعة الشمسية.

اقرأ أيضًا: أستاذ جامعي يرغب بتفجير القمر بالنووي لتحسين الطقس على الأرض

تربة وصخور القمر

تتكون تربة القمر أساسًا من مجموعة من الصخور الصلبة وبعض الصخور الهشة التي تتفاوت فيما بينها في الكثافة كما ذُكِرَ سابقًا؛ حيث تتألف تربة القمر من صخور البازلت التي تبلغ كثافتها حوالي (3.31 جم/سم3)، ومن مجموعة أخرى من صخور الأنورثوسيت التي تبلغ كثافتها حوالي (2.8 جم/سم3). لذلك فإن صخور الأنورثوسيت وهي الأقل كثافة تطفو فوق صخور البازلت وهي الأعلى كثافة.

وتتألف تربة القمر من مجموعة أخرى من الصخور الهشة المفككة. وهي ما يلي:

الزجاجيات المنتظمة الشكل

تمثل الزجاجيات المتنظمة أهم مكونات التربة الصخرية القمرية. وهي عبارة عن أشكال منتظمة من الدوائر والمسطحات القمرية والقطرات وغيرها. وتتكون من تركيبات معدنية مختلفة تختلف ألوانها بين الأخضر والأحمر والبني والأصفر. وتتراوح أحجامها بين 1 مم إلى 1 سم.

المجمعات الزجاجية

تتكون من حبيبات زجاجية من الكريستوباليت والبلاجيوكليز وبعض الحبيبات الصخرية الأخرى والتي تتصل مع بعضها البعض عن طريق خطوط رفيعة سهلة الكسر، وتعبر نسبة تواجد هذه الفتاتيات أو المجمعات الصخرية والزجاجية عن عمر وزمن تعرض هذه الأجزاء من تربة القمر للاصطدام بالنيازك.

البريشيا

هذا النوع من الصخور هو السائد في الصخور القمرية الخاصة بالتربة القمرية والتي تم اقتلاعها من خلال رحلة أبوللو-11. ويحتوي هذا النوع على فتات من الصخور والبريشيا ذات الأصل الناري. وتتراوح حبيبات هذا الصخر بين جسيمات صخرية غير مصطدمة وحبيبات صخور مصطدمة. ولا توجد بها أي دلائل على حدوث تحول أو إعادة تبللور. ويتكون أساساً من زجاجيات بنية اللون. وتكون هشة عند الطرق بالمطرقة عليها عدة طرقات بسيطة.

البريشيا المتحولة

تتواجد في الأماكن القمرية التي تعرضت للاصطدام بفعل النيازك. ويمكن تمييزها عن البريشيا القمرية العادية. ولكن في الأماكن القمرية الحديثة توجد بعض صخور البريشيا القمرية فقط وليس صخور البريشيا القمرية المتحولة حيث لم تتعرض هذه المناطق القمرية الحديثة للاصطدام من قِبَل النيازك بعد.

وتوجد بعض أنواع أخرى من الصخور في التربة القمرية مثل الصخور الدقيقة، حيث تتكون من حبيبات دقيقة وترابية نتيجة الطحن المستمر نتيجة الاصطدام بالنيازك.

كذلك تحتوي تربة القمر على صخور البريشيا القمرية العادية والبريشيا القمرية المتحولة بنسبة أكبر من احتوائها على الصخور النارية مثل البازلت القمري.

تتميز التربة القمرية بوجود عناصر مشعة بكثرة على عكس العناصر الأرضية، وذلك بسبب تعرض القمر لعدد كبير من الأشعة الكونية. وقد ثبت تواجد عناصر مشعة مثل الصوديوم (النظير 22) والكوبلت (النظير 56) والكروم (النظير 60). وقد وُجِدَ أن نسبة البوتاسيوم إلى اليورانيوم في صخور التربة القمرية (2400 : 3100) أي بنسبة (3.3 : 3.8).

المياه على سطح القمر

كان أمر وجود الماء على سطح القمر أمراً في غاية الاستحالة، وكان من محض خيال مؤلفٍ ما نسج قصة خيالٍ علمي، وأظهرت بعض الدراسات العلمية القديمة نوعاً ما أن هنالك بعض آثارٍ من الماء، حتى في الفوهات الكبيرة المعتمة التي تظهر عند أقطاب القمر، وهذا على أقل تقديرٍ.

سلطت دراسةٌ نُشرت في نوفمبر 2020 في دورية Nature Astronomy الضوء على كيفية تواجد ماء على سطح القمر، وفي هذا الموضوع، سنتكلم بشيءٍ أشبه بالتفصيل عن هاتين الدراستين، فهذا الأمر مهمٌ للغاية لأنه من المنطقي ومن البديهي أنه أينما وُجدَت المياه وُجدَت الحياة.

من أين تشكلت المياه على سطح القمر؟

في نهاية 2018 استخلص فريقٌ بحثيٌّ بقيادة كيسي هونيبال بعض البيانات والمعلومات من أجهزة الأشعة تحت الحمراء على متن مرصد صوفيا، التي كانت تدرس بعض المناطق على سطح القمر المُضاءة بواسطة أشعة الشمس.

كانت الدراسة تركز على بعض المناطق دوناً عن الأخرى، والتي كان من المُعتقَد أنها تحتوي على مياه، منها المناطق الواقعة عند دوائر العرض الجنوبية المترفعة بالقرب من فوهة "كلافيوس". وتواجدت انبعاثات قوية للأشعة تحت الحمراء عند طول موجي يبلغ ستة ميكرومترات من الفوهة والمنطقة المحيطة بها، وبعد التعرض لحرارة الشمس، أعاد شيءٌ ما على سطح القمر إرسال الإشعاع الممتص، تماماً مثلما يحدث مع الماء الجزيئي العادي (H2O).

من الأدلة على ما سبق أنه وبالعلم الحديث لم يتم اكتشاف أي مادة أخرى بعد غير المياه التي تبعث سمةً طيفيةً واحدة عند هذا الطول الموجي سالف الذكر، وهذا ما صرحت به هونيبال خلال تعقيبها على هذا الحدث العلمي العظيم، ومن المؤكد وكما أشرنا سابقاً في بداية المقال أن القمر يحتوي على بعض الصخور البركانية.

تشير الدراسة السابقة إلى أن الماء يتم تخزينه بين حبيبات الصخور البركانية -سالفة الذكر- أو ينحصر بين حُبيبات مجهرية من الغبار الصخري على القمر.

وهناك تفسير آخر أن الماء قد تكون من الأكسجين والهيدروجين اللذين تحررا من الصخور القمرية بفعل الاصطدام بين النيازك وسطح القمر.

لم يكن اكتشاف سمة طيفية عند طول موجي ستة ميكرومترات هو الأول والفريد من نوعه، بل قامت بذلك دراسةٌ أخرى، أجراها العالمان الفلكيان جيه دبليو سولزبيري وجي آر هانت، حيث قام سالفا الذكر بدراسة على متن منطاد الخاصية الطيفية ذاتها، ولكن لم يقررا أن الانبعاث الموجي عند ستة ميكرومترات هو انبعاث يشير إلى الماء، ولكن لعل هذين العالمين لم يدركا في ذلك الحين أنهما توصلا إلى اكتشاف علمي كبير مفاده تواجد المياه على سطح القمر.

هل المياه على سطح القمر صالحة للشرب وما أهمية اكتشافها؟

كشفت وكالة ناسا في أكتوبر 2020 أن هناك مياه على سطح القمر، حيث أسفر اكتشافها عن وجود جيوب صغيرة من المياه على سطح القمر، وأفادت في مؤتمرها الصحفي أن هذا الماء قد يكفي لإنشاء مستعمرة على سطح القمر، ويمكن الوصول إلى الماء على الجزء القمري المُضاء بنور الشمس.

وفي تقريرٍ نُشر في "ديلى ميل" البريطانية أن كمية المياه تكفي لإنشاء مستعمرة بشرية بالفعل، حيث يبلغ حجم المياه في المصائد الباردة على سطح القمر حوالي 40000 كيلومتر من المياه، وذكرت أنه من الممكن أن يقوم الرواد مستقبلاً بتحويله إلى أكسجين يُستخدم كوقود للمركبات الفضائية، وأيضاً يمكن تحليته من جلال أجهزة مقرونة بمركبات الفضاء لتحويله إلى ماء صالح للشرب، وهذا يدل على أن وجود مستعمرات بشرية على سطح القمر قريباً أمراً ليس محض خيال، بل هو واقع جاري العمل عليه.

حقيقة سحب القمر لمياه الأرض عبر السنين

منذ أن اكتشفت ناسا المياه على سطح القمر، وهناك عدة اعتقادات أو أقاويل مفادها أن المياه تكونت على سطح القمر بفضل كوكب الأرض، حيث يُعتقد أن القمر يسحب المياه من على سطح الأرض عن طريق سحب أيونات الأكسجين والهيدروجين من الغلاف الجوي للأرض عندما يمر القمر في منطقة ذيل الغلاف المغناطيسي للأرض.

يمر القمر بالمنطقة سالفة الذكر، خلال خمسة أيام من كل شهر قمري، وخلال هذا الأيام الخمسة تدفع هذه الرياح الشمسية بعضاً من الغلاف المغناطيسي فتنكسر خطوط المجال المغناطيسي للأرض، وهذا الكسر في الخطوط يصحبه انتقال لأيونات الهيدروجين والأكسجين حتى يتم تعويض هذا الكسر في خطوط الغلاف المغناطيسي وهكذا، وبسبب أنه ليس هناك مجال مغناطيسي محيط بالقمر، تشكل هذه الأيونات تربة صقيعية بفضل بعض العمليات الجيولوجية، وقد يندفع الصقيع بعد ذلك إلى باطن القمر ويشكل المياه القمرية بصورتها السائلة المعروفة.

اقرأ أيضًا: ردًا على الأستاذ الجامعي…هذا ما سيحصل لو فجرنا القمر بالنووي!