فن إدارة الأزمات، ألغوا الوظائف غير الضرورية، أوقفوا معدلات العمالة أو أبطئوها، أخفضوا من معدلات الإنفاق، ضعوا السيناريوهات الأسوأ في الفترة القادمة، حافظوا على رأس المال صامدًا لأطول فترة ممكنة... خمس توصيات لخّصت محتوى الرسائل الصادرة عن صناديق الاستثمار العالمية الخاصة بالشركات التقنية الناشئة، بالتزامن مع زيادة التضخم في العالم وتأثيره الفوري على استمرار الأسواق وحركتها ونشأتها.

لم يخلُ هذا المشهد التراجيدي القاتم من وميض نور، فالشركات الناشئة المبدعة أكّدت أن القوة تأتي من رحم الضعف، حيث إن أشهر الشركات وأكثرها قوة وازدهارًا خرجت منتصرة من الأزمة وحققت أهدافها وسط العاصفة.

اقرأ أيضًا: إدارة الأعمال.

فن إدارة الأزمات، كيف استفادت الشركات الكبرى من الركود الاقتصادي العالمي سابقًا؟

صرّحت القناة الاقتصادية الأمريكية CNBC أن معدلات سوق الأسهم للشركات التقنية الناشئة في انخفاض حادّ، وقد بلغ أقصاه في الأشهر الخمسة الأولى لسنة 2022، ما يُرجع إلى أذهاننا الأزمة الاقتصادية العالمية التي هزّت العالم فترة 2008-2010، التي أسفر عنها إفلاس العديد من الشركات الضخمة وتسريح موظفيها، لكن كيف صمدت الشركات العالمية الكبرى سابقًا وما هي قواعد فن إدارة الأزمات التي اتبعتها؟

 Mailchimp … الاستفادة من تقلّبات السوق المفاجئة

خدمة التسويق بالبريد الإلكتروني Mailchimp أو "ميل شيب"، تأسست سنة 2001 على يد مارك أرمسترونغ وبين تشيسنات في ظروف غير مناسبة على الإطلاق، حيث سادت أزمة فقاعة الدوت كوم " dot com crash"  أو ما يسمى "بفقاعة الإنترنت" التي أدت إلى تراجع شركات الاستثمار التقنية الناشئة وسحب أموالها خوفًا من الإفلاس والفشل في هذه الظروف.

حافظت MailChimp على ازدهارها بين الشركات المتوسطة والصغيرة واستمرّت في عرض خدمات بريد إلكتروني رخيصة مع ميزات جيدة، معتمدة في ذلك على نظام "الاشتراك الشهري"، إلى أن بدأت معالم الأزمة المالية العالمية تلوح في الأفق سنة 2007، التي أنتجت ركودًا عالميًا عنيفًا هدّد جميع الشركات الناشئة.

فكّرت  MailChimp في طريقة ذكية وواقعية لمواجهة الأزمة، فلم يكن أمامها إلا اللعب على جوانب "الاشتراك الشهري"، فعملت على تحويله من خدمة مدفوعة بالكامل، إلى خدمة مدفوعة لكن بمزايا مجانية، وبذلك فسحت مجال الاستخدام المجاني أمام الجميع بهدف الحصول على العديد من الميزات الأساسية مجانًا، فقط قم بالتبديل إلى النظام المدفوع لتحصل على عدد أكبر من الإضافات والخدمات.

زاد عدد مستخدمي MailChimp في خضمّ الأزمة العالمية بفضل تلك السياسة من 85 ألف مستخدم إلى 450 ألف مستخدم خلال عام واحد فقط، لتكون المثال الذي يُحتذى به في التكيف مع المتطلبات المتغيرة للسوق والاستفادة من تقلباته المفاجئة، لتحقق MailChimp ازديادًا عظيمًا في عدد المستخدمين الذين تجاوزوا الـ 14 مليون دون الحاجة إلى تمويلات خارجية، إلى أن تم بيعها في العام الماضي 2021 بقيمة 12 مليار دولار.

اقرأ أيضًا: القيادة الناجحة لا تتطلب مواصفات مستحيلة.. بعض الخطوات والصفات فقط!

Airbnb … قلب الموازين في الأزمات

ناثان بيلشاركيك وبرايان تشيسكي وجو جيبيا، ثلاثة شبّان مبدعون عملوا على تطوير تطبيق اسمه Airbnb لتأجير الشقق والمساحات الشاغرة، محاولين الخوض في مضمار التنافس في السوق التقنية سنة 2008 على الرغم من تصعيد الأزمة العالمية المالية، فكم من الوقت قضوه في مراسلة المستثمرين والبحث عن تمويل لفكرتهم الناشئة دون أي رد بالقبول! إما بسبب عدم حماس المستثمر لفكرتهم أو بسبب الخوف من الأزمة المالية العالمية.

عمل الشركاء الثلاثة على جمع 150 ألف دولار مقابل حصة 10٪ في شركتهم الناشئة، لكن دون جدوى، فالجميع وضع عيوبًا في هذه الفكرة التي تفتقر إلى الأمن الشخصي برأي الكثيرين، بالإضافة إلى احتمال رفض أصحاب العقارات تأجير بيوتهم لناس غرباء أتوا من خلال تطبيق.

في عام 2009 اشتدّت الأزمة المالية العالمية وتزامنت مع مشكلة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية، لذا قامت الشركة العالميّة "Ycombinator" بتمويل الشركة الناشئة لتطويرها من أجل مُلاءمة الأزمة والاستفادة منها.

انخفضت معدلات تأجير الشقق السكنية بشكل ملحوظ بسبب الأزمة المالية، وهذا ما استغلّه التطبيق الذي وفّر حلًّا سريعًا ومُجديًا لأصحاب العقارات من أجل الاستفادة من عقاراتهم بطرق أكثر مرونة لتأجيرها بأسعار مُرضية. وبعد فترة قصيرة من تطوير المشروع وإطلاقه، فوجئ الشركاء الثلاثة بأن فكرتهم كانت تنمو بشكل كبير وتستفيد من ركود السوق وتتأثر به إيجابًا بعدما فقدوا الأمل بأن تُبصر فكرتهم النور..

جمعت الشركة مبلغًا مناسبًا لتتمكّن من التوسّع العالمي، وبعد 4 سنوات بلغت هدفها المنشود، لتصل قيمتها الآن إلى حوالي 100 مليار دولار بعد 15 سنة من إطلاقها.

 Groupon .. تأمين متطلّبات السوق

في نهاية سنة 2008 مرّ العالم بركود اقتصادي هائل أدّى إلى تراجع الأسواق العالمية والأنشطة الاقتصادية، ولعلّ الشركات المتوسّطة والصغيرة أكثر من تعب واجتهد في جذب العملاء الذين ترددوا في الشراء أغلب الأحيان بسبب الأزمة، لذا قام آندرو ماسون ببناء شركة ناشئة تؤمّن متطلّبات السوق في هذا الوقت الصّعب، فماذا كانت فكرة شركته؟

 كان الهدف الأساسي للشركة هو خلق رابط بين الشركات والعملاء والقطاعات المختلفة، وذلك من خلال عدد من العروض والخدمات التي تشجّع المستهلك على شراء قسائم تخفيض أو ما يسمّى "الكوبون" أو "coupons"، لم تكن الفكرة جديدة في الأسواق لكنّها تركّز على تسهيل التواصل بين الشركات والعملاء، وإتمام الصفقات بشكل أسهل وأكثر مصداقية وأمانًا.

سمّى ماسون شركته "Groupon " ليجمع بين كلمتي "group" و "coupon"، فكانت أولى صفقات الشركة هي عرض بسيط لمطعم بيتزا، "اشترِ 2 بيتزا بسعر واحدة فقط"  بعد عام ونصف من ذلك العرض، كبُرت شركة Groupon وازدهرت بسرعة هائلة، فقد ضمّت 350 موظفًا وبلغت قيمتها آنذاك مليار دولار في 15 شهرًا فقط، كل ذلك بفضل تزايد الطلب من قبل الشركات والعملاء من أجل تقديم العروض وشرائها وتوفير المال.

بلغت الأزمة المالية العالمية نهاياتها في أواخر سنة 2010، حيث امتلأت الساحة بركام الشركات التي دمّرتها العاصفة الاقتصادية، إلا أن شركة Groupon وقفت منتصرة على قمة ذلك الركام لتحقق نموًا كبيرًا وتتصدّر أسماء الشركات المتخصصة في تقديم العروض اليومية، ما زاد على رأس مال الشركة 700 مليون دولار، كما أنها كانت ثاني أكبر اكتتاب عام سنة 2004 بعد الاكتتاب العام لشركة جوجل.

 Glass Door… استغلال أزمة العمالة

في يوم من أيام العمل في مؤسسة "إيكسبيديا" سنة 2007، ذكر أحد موظّفي الشركة وهو روبرت هوهمان موقفًا فكاهيًّا من أرشيف عمله في قسم الموارد البشرية والتوظيف، فقد نسي على أحد المكاتب استبيانًا للموظفين يحوي على استطلاع رأي من المفترض أن يكون سرّيًّا، فهو يحتوي على تقييمات خاصة بالمدراء والموظفين وكافة الأقسام الإدارية، فتساءل الجميع: ماذا سيحدث إذا أُتيح الاستبيان للجميع ونُشر على الإنترنت؟

ومن هنا وُلدت فكرة إنشاء المنصة العالمية "Glassdoor التي تستعرض بيانات خاصة بتقييم الشركات من قبل الموظفين الحاليين أو العاملين السابقين، ما يفيد الباحثين عن عمل ويوفّر لهم الصورة الكاملة عن العمل المنشود، فبعد الأزمة المالية العالمية وانهيار كُبرى الشركات وتسريح ملايين الموظفين الذين باتوا يبحثون عن عمل، سطع ضوء منصة Glassdoor في ذروة الأزمة سنة 2008، حيث حصلت فوريًّا على تمويل أولي قدره 3 ملايين دولار.

ركّزت المنصة على جمع التقييمات من موظفين الشركات المختلفة وسقف الرواتب فيها دون ذكر أي اسم أجرى التقييم، لتفتح المنصة باب البحث عن وظيفة في توقيت ممتاز جعلها مَقصد أكبر عدد من الموظفين والباحثين عن عمل، إلى أن استحوذت عليها "ريكروت" الشركة القابضة اليابانية بعد صفقة مقدارها 1.2 مليار دولار سنة 2018.

يتذمّر المتشائم من الرّياح، ويأمل المتفائل في توقّفها، أما القائد فيعدل أشرعته بما يتناسب معها

وليام آرثر وارد

في النهاية عزيزي القارئ، من المهم لك تعلّم فن إدارة الأزمات، حيث إن الإنجاز في تلك الفترة العصيبة اقتصاديًّا هو البقاء والتكيّف مع الرياح ومقاومتها قدر المستطاع حتى لا تقتلعك من جذورك، لكن مع كل ذلك، تبقى الأزمات فُرَصًا استثنائية لا تعوّض بالنسبة لرواد الأعمال الذين يسعون لتحقيق الازدهار الأكبر في زمن يحارب فيه الجميع من أجل البقاء.

المصادر: 1، 2، 3