بعد أيام من صدور فيلم "واحد تاني" للمخرج "محمد شاكر خضير" وتأليف "هيثم دبور" ومن بطولة "أحمد حلمي، روبي، سيد رجب ونسرين أمين"، وهو أحد أفلام عيد الفطر المبارك، بدأ حديث مواقع التواصل الاجتماعي عن كون الفيلم غير أصلي، وأن الفكرة مقتبسة بالفعل من فيلم أجنبي. وهو الأمر الذي فتح النقاش مرة أخرى حول الأفلام المصرية المقتبسة من أفلام أجنبية وما إذا كان يمكن اعتبارها فنًا حقيقيًا أم أنه مجرد فقر في الأفكار.

ولحقيقة الأمر، وكما جاء على لسان الكاتب والناقد "محمود قاسم" في كتابه "الاقتباس.. المصادر الأجنبية في السينما المصرية"، فإن:

"أغلب إنتاج السينما المصرية هي أفلام مقتبسة من مصادر أخرى أجنبية سواء كانت أدبًا أو سينما، ومن أسباب لجوء السينما المصرية إلى الاقتباس هو الاستفادة من نجاح أفلام ما بعينها في بلادها في شتى أنحاء العالم."

وبعيدًا عما إذا كان يمكن تسمية ذلك "سرقة" أم لا، لأن الحديث يطول في هذا الأمر.. لكن ومع اختلاف الآراء والمواقف تجاه الاقتباس، فإن من القسوة أن نحكم على تجربة كاملة بأنها نتاج فقر فني أو تكاسل عن تقديم أفكار ورؤى جديدة، فالاقتباس يمكن أن يتم بشكل جيد ما دام صاحب العمل يمتلك الإبداع اللازم لتقديم نفس الفكرة الرئيسية ولكن بأشكال وتفاصيل مختلفة تجعل العمل متفردًا بذاته حتى وإن كان ليس أصليًا بالكامل.

كما أن السينما المقتبسة ولدت بميلاد السينما المصرية، فتاريخ السينما المصرية منذ بدايته مليء بالاقتباس، فبدأت بالاقتباس من روايات عالمية ومصرية حتى وصلت إلى اقتباسها من نفسها. بالإضافة إلى أنها متنوعة ويدخل فيها انتشار اتجاهات سينمائية في إحدى الفترات ثم انحسارها في فترات أخرى ثم انتشار اتجاهات مختلفة فيما بعد، ما يساعد في تجدد الأنواع الفيلمية المقدمة للجمهور وهو الأمر الذي بدوره يساعد في إنعاش الصناعة ومنح الصناع أفكارًا متجددة دائمًا.

وإحدى الأشياء التي تختلف فيها السينما المصرية عن بعض نظرائها، كما ذكرها "قاسم" في كتابه، هي أنه إذا نظرنا إلى الأفلام المصرية المقتبسة من أفلام أجنبية من كل المصادر العالمية فسوف نجد أن السمة الأولى فيها هي "التمصير". فكل الأفلام المصرية المقتبسة ممصرة، أي أنها نقلت كل البيئات إلى بيئتها هي. والسؤال هنا، على الرغم من أنها جميعها ممصرة، هل تمتلك تلك الأفلام هوية بصرية مصرية؟ وهذا هو الاختيار الذي ترتكز عليه تلك القائمة، فهنا نستعرض عددًا من الأفلام المصرية المقتبسة التي، على الرغم من اختلاف بيئة العمل الأصلي، إلا أنها صبغته بملامح البيئة المصرية قبل أن تقدمه للمشاهد.

فيلم ليلى بنت الأغنياء

  • تأليف: بديع خيري
  • إخراج: أنور وجدي
  • بطولة: أنور وجدي - ليلى مراد - بشارة واكيم
  • سنة الإنتاج: 1946

يعود الاقتباس في السينما المصرية من أفلام أخرى إلى أوقات متقدمة في تاريخ الصناعة، مثل فيلم "ليلى بنت الأغنياء" الذي صدر عام 1946 والمقتبس عن الفيلم الأمريكي "حدث ذات ليلة" للمخرج "فرانك كابرا" من إنتاج عام 1934. وتدور قصة الفيلم حول ليلى الفتاة الثرية التي تهرب من محاولة زوجة أبيها تزويجها من ابنها حتى لا تخرج الثروة خارج الأسرة.. يقع لها حادث بالسيارة وينتهي بها المطاف إلى إحدى القرى حيث يتعاطف معها أحد الصحافيين.

والفيلم هنا مختلف قليلًا عن الفيلم الأصلي، فقد نجح في إدخال "القرية" كمكان مصري أصيل لتحدث فيه علاقة الحب في النهاية. وقد استطاع الفيلم تصوير الفرق بين عالم ليلى الذي كانت تعيش فيه وعالم القرية التي ألقاها القدر فيها، وهذا التباين كان كثيرًا ما يظهر في الأفلام، حيث تقع الفتاة الثرية في حب الفتى الفقير، وهي إحدى تيمات الأفلام المشهورة التي لها جمهورها الخاص.

فيلم غريب في بيتي

  • تأليف: وحيد حامد
  • إخراج: سمير سيف
  • بطولة: نور الشريف - سعاد حسني - حسن مصطفى
  • سنة الإنتاج: عام 1982

فيلم غريب في بيتي من إنتاج عام 1982 مأخوذ عن الفيلم الأمريكي "فتاة الوداع" للمخرج "هربربت روس" لعام 1977 الذي يدور قصته حول "إليوت" الممثل الذي ينتقل للسكن في شقة بناءً على اقتراح صديقه ليفاجأ فيما بعد أنه يتشارك الشقة مع حبيبة صديقه السابقة وابنتها.

ورغم اختلاف بعض التفاصيل، إلا أنها نفس القصة الرئيسية التي أخدها وحيد حامد وسمير سيف لفيلمهما. ففي فيلم غريب في بيتي تدور الأحداث حول لاعب الكرة "شحاتة أبو كف" الذي يحترف الكرة في نادي الزمالك وهو من سكان الصعيد، يشتري له النادي شقة، ولكن صاحبها ينصب عليه حين يبيع الشقة له ولسيدة أخرى مع ابنها في نفس الوقت، ويضطر الطرفان للعيش في بيت واحد.

وهذا الفيلم هو من أكثر الأفلام التي لها هوية بصرية واضحة، والتي تتمثل في النظام التي تسير به إدارة فرق الكرة، والقوانين المجتمعية التي تجعل من الطبيعي أن نرى شخصية "عفاف" وهي تضع ملاءة بيضاء كبيرة في منتصف الشقة لتفصل بينهما، أو طرح أزمة السكن في مصر بالإضافة إلى الهوية التي نقلتها الكاميرا من مشاهد وأجواء عامة مصرية.

فيلم أرض الخوف

  • تأليف: داوود عبد السيد
  • إخراج: داوود عبد السيد
  • بطولة: أحمد زكي - فرح - عبدالرحمن أبو زهرة - حمدي غيث
  • سنة الإنتاج: عام 2000

تم اقتباس فيلم "أرض الخوف" من الفيلم الأمريكي "تغطية عميقة" للمخرج "بيل ديوك" الذي تدور قصته حول الضابط "راسل" الذي يسعى لملاحقة تاجر المخدرات "دايفيد" ومن أجل ذلك فإنه يتقرب منه كتاجر مخدرات ويكسب ثقته، إلا أنه خلال ذلك ينخرط في ذلك العالم ويتورط فيه أكثر من اللازم.

وعلى الرغم من تشابه الخط الرئيسي للفيلم مع فيلم "أرض الخوف" الذي يدور حول الضابط "يحيى" الذي تُوكل له مهمة تسمى "أرض الخوف" ليعيش وسط تجار المخدرات لفترة حتى يفضحهم.. إلا أن الأفكار الفلسفية والتيمة الرئيسية التي وضعها داوود لتحكُم عناصر الفيلم مختلفة تمامًا ونجحت في منح الفيلم خصوصية مصرية تتماهى مع معتقدات المصريين.

كعادة أفلام داوود عبد السيد، فإنه منشغل بالرموز التي تمثلها كل شخصياته، وهنا في أرض الخوف يستوحي داوود قصته من قصة خروج سيدنا "آدم" من الجنة.

يحيى الضابط الذي ينزل من عالمه إلى عالم أكثر وحشية وغرابة باسم "آدم" ويتواصل مع الجهات العليا من خلال "رسول" ينقل له المهام المطلوبة منه. فهنا تجرد الفيلم الأصلي تمامًا من صبغته الأمريكية وتحول إلى فيلم مصري يتمتع بهويته الخاصة التي تقدس تلك الرموز والرسائل المتصلة بثقافته وتراثه.

فيلم جاءنا البيان التالي

  • تأليف: محمد أمين
  • إخراج: سعيد حامد
  • بطولة: محمد هنيدي - حنان ترك - لطفي لبيب
  • سنة الإنتاج: عام 2001

يأتي فيلم "جاءنا البيان التالي" مقتبسًا من الفيلم الأمريكي "أنا أحب المتاعب" للمخرج "تشارلز شيير" وتدور قصتهما حول "بيتر" و"سابرينا" في النسخة الأمريكية و "نادر" و"عفت" في النسخة المصرية المذيعان اللذان يقعا في حب بعضهما بعضًا بعدما كانا في منافسة شديدة نتج عنها الشديد من الجذب والشد بينهما، مع اختلاف بسيط بين النسختين يكمن في اختلاف مكان عمل كل منهما في النسخة الأمريكية، بينما في الفيلم المصري يعملان لنفس المحطة الإخبارية لكن كمحرري أخبار يطمحان في أن يصبحا مذيعين.

ورغم هذا التشابه الكبير إلا أن الفيلم المصري على كونه فيلمًا كوميديًا في المقام الأول، إلا أنه أعطي بُعدًا سياسيًا مرتبطًا بالقضايا التي يهتم بها المشاهد العربي والمصري مثل قضية فلسطين الذي يبدي نادر في الفيلم اهتمامه الشديد بها.

وبالإضافة إلى بعض التفاصيل التي تخص سياسة المحطات الإخبارية في مصر التي تناولها بأسلوب كوميدي جعلت المشاهد متورطًا أكثر في هذا الفيلم لتوحده مع نفس العقبات التي يمر بها نادر وعفت.

والأمر المثير للدهشة أن بعض الآراء تزعم أن فيلم "أصحاب ولا بيزنس" للمخرج "علي إدريس" هو أيضًا مقتبس من نفس الفيلم الأجنبي.. وإن كان هذا صحيحًا.. فإنه يكشف مدى التغيير الذي يمكن لصاحب العمل أن يقوم به على نفس القصة لتتحول إلى فيلم آخر بنوع فيلمي مختلف تمامًا.

فيلم فتاة المصنع

  • تأليف: وسام سليمان
  • إخراج: محمد خان
  • بطولة: ياسمين رئيس - هاني عادل - سلوى خطاب - سلوى محمد علي
  • سنة الإنتاج: عام 2014

رغم عدم معرفة الكثيرين بتلك المعلومة، إلا أن الفيلم المصري فتاة المصنع مقتبس عن الفيلم الفنلندي الذي يحمل عنوانًا مشابهًا "فتاة مصنع الكبريت" للمخرج "كوريسماكي" الذي صدر عام 1990، وخط القصة الرئيسي واحد في الفيلمين. فالفتاة في كل منهما "هيام / ايريس" تتعلق بشخص ما قابلته صدفة وتقع في حبه ويقضيان بعض الوقت سويًا، لتكتشف فيما بعد أنها حامل.. ومع صد ذلك الرجل لها فإنها تسعى إلى الانتقام منه.

لكن "خان" و"وسام سليمان" خلقا هيام بشكل مختلف عن ايريس.. فإذا كانت ايريس فتاة خجولة تعيش حياة مملة وفارغة.. فإن الحياة لا تكف عن طحن هيام في ساقية لا تكف عن الدوران. فهيام التي تعمل في مصنع ملابس، مثلها مثل الكثيرات غيرها، لا يمتلكن سوى بعض الجنيهات التي تمن تلك المصانع بمنحهن إياها، وتحمل كل منهن عبء بيوتهن على أكتافهن دون امتلاك رفاهية الشكوى. ووسط كل ذلك تحلم هيام بمقابلة فارس أحلامها الذي سوف ينتشلها من هذا العذاب. وإذا جاء انتقام "ايريس" من حبيبها وأهلها بمحاولة قتلهم.. فإن هيام تنتقم من "صلاح" بالذهاب والرقص في فرحه، في مشهد لا يمكن أن يكون سوى مصريًا خالصًا.

فيلم من أجل زيكو

  • تأليف: مصطفى حمدي
  • إخراج: بيتر ميمي
  • بطولة: منة شلبي - كريم محمود عبدالعزيز - محمود حافظ
  • سنة الإنتاج: 2022

كأغلب أعمال بيتر ميمي، إن لم تكن جميعها، فإن فيلم "من أجل زيكو" الذي صدر في بداية هذا العام هو أيضًا من الأفلام المصرية المقتبسة من أفلام أجنبية، فهو مقتبس عن الفيلم الأمريكي "ليتل ميس سانشاين" إخراج "فاليري فاريس" و"جوناثان دايتون". من أجل زيكو هو أحد أكثر الأفلام نجاحًا لهذا العام وتلقى إشادات عديدة سواء من المشاهدين أو النقاد على حد سواء.

وتدور قصة الفيلمين حول العائلة التي تذهب في رحلة طويلة إلى مدينة أخرى ليشترك طفلهم / طفلتهم في مسابقة رغم مرورهم بظروف مادية صعبة.

ورغم نقل الفيلم للكثير من المشاهد والحوارات والكادرات من الفيلم الأصلي، إلا أن مصطفى حمدي السناريست وبيتر ميمي استطاعا تقديم فيلم مصريته واضحة في كل مشهد وفي طريقة معالجة القصة. فالفيلم يعرض في إطار خفيف، دون استجداء أي عطف، مشاكل الأسر الفقيرة في مصر، التي عليها أن تتخلى عن أحلامها حتى وإن كانت أحلامًا غير منطقية من أجل كسب لقمة العيش.. وهو الأمر الذي لن يتوقف المشاهد المصري عن التوحد معه مهما شاهده في أفلام أخرى.

كما أن اختيار الأغاني شديد الملاءمة للطبقة التي يعرضها الفيلم وأيضًا للذوق العام الحالي في مصر، والدليل على ذلك هو عدد المشاهدات والاستماعات المهول الذي حصلت عليه الأغنية فورًا بعد صدور الفيلم.