فيلم King Richard.. دراما عائلية ملهمة عن الحلم والإرادة والأبوة

King Richard Movie
علي عمار
علي عمار

5 د

وراء كل رجل عظيم امرأة، هذا ما اعتدنا سماعه على مر السنين، وربما هي حقيقة غالبًا، ولكن مع فيلم “King Richard” يمكننا العبث بالمقولة وتحويرها قليلًا لنقول “وراء كل طفل عظيم أب”.

يروي فيلم “الملك ريتشارد” للمخرج العالمي “رينالدو ماركوس جرين”، والكاتب “زاك بايلين”، قصة صعود أهم لاعبتي تنس في العالم “فينوس وأختها سيرينا ويليامز"، بفضل وجود موجه وداعم حقيقي لهما، يدعى “ريتشارد ويليامز” - الأب- الذي تقمص دوره الممثل الآمريكي “ويل سميث”، وتحصل بواسطته على جائزة الأوسكار لعام 2022، عن فئة أفضل ممثل، بعد ترشيحات عديدة عن هذه الجائزة، أولها كان في عام 2002 عن دوره في الفيلم الذي تناول سيرة حياة الملاكم العالمي “محمد علي كلاي”.


قصص النجاح والثراء ملهمة

تشغل أفلام السير الذاتية حيزًا كبيرًا لدى صناع الفن في هذا العالم، ويمكن الجزم أنها كانت منصفة في أغلبها تجاه أصحابها، ولو أضيفت لها رؤية صناعها.

ناهيك عن الاهتمام الواسع الذي تحظى به عند المتلقي، كون قصص نجاح الغير وكفاحهم ونضالهم ضمن رحلة الصعود صوب النجاح والشهرة والثراء ملهمة ومحفزة، ونجاح الآخرين محط أنظار الناس العاديين دومًا، دون أن ننسى الواقعية والدراما الشخصية التي تحتويها السير الذاتية، ولا سيما إن كان المشرفون على سير العملية الإنتاجية، هم أنفسهم من تتحدث عنهم تلك الأفلام، أو أسرهم.

تمامًا كما هو الحال مع الأختين فينوس وسيرينا وإيشا برايس، المنتجات التنفيذيات لفيلم “King Richard”، ما يعني أن مقدار المصداقية عالٍ في الحكاية المروية سينمائيًا، وإن تم إغفال جزء ما، وتعويم جزء آخر في الرواية.

ذو صلة

فيلم King Richard مسيرة صنعها الملك

فيديو يوتيوب

اعتدنا في السينما العالمية طرح سير ذاتية لأناسٍ كافحوا واجتهدوا في مجالاتهم، فصاروا أبطالًا إن كان في الفن، الكتابة، الرياضة، أو غير ذلك من مجالات الإبداع.. “الملك ريتشارد” لا يتحدث بصورة رئيسية عن أشهر لاعبتي تنس، بل عن صانع تلك المواهب، الداعم والمشجع الرئيسي، والدهم “ريتشارد ويليامز”.

تربُّع الأختين ويليامز على عرش لعبة التنس، لم يأتِ من فراغ، وليس نتيجة حصلت بالتقادم، إنما قرار ناجم عن رغبة وخطة وضعها الأب من قبل ولادتهما، حيث أعد بيانًا مؤلفًا من 78 صفحة، مبنيًا على معايير وقواعد صارمة، لتفادي الفشل، هناك مقولة رافقت الفتيات من الصغر مفادها “إذا فشلت في التخطيط، ستفشل في عملك”.

رياضة التنس، تعد رياضة باهظة الثمن، بحاجة لتدريب مستمر، وشخص خبير يشرف على عملية التدريب، وعتاد كذلك الأمر، أضف إلى ذلك أنها رياضة كانت تعد في القرن العشرين، حكرًا على أصحاب البشرة البيضاء في أمريكا، لذلك كان ريتشارد يحتاج خطة وتصميمًا كبيرين لنقل فتيات ملونات من الطبقة العاملة في ولاية كومبتون /كاليفورنيا، إلى مصاف الأوائل والمهمين في أمريكا.

نرافق عائلة ويليامز في فيلم تتجاوز مدته الساعتين، في رحلة شاقة نحو مسيرة تعد ضربًا من الجنون وفق الإمكانيات التي لا يمتلكونها، وحلم يعده من يراقبهم بعيد المنال، لكن هناك الموهبة المصاحبة للمثابرة، والإصرار، والإرادة القوية، وهذا ما كان يعتمد عليه الأب.

يواجه ريتشارد العديد من التحديات والصعاب في رحلته تلك نحو الاحتراف، في المساء هو أب عامل، موظف كحارس أمن، وأثناء النهار يتولى عملية تدريب بناته، والبحث عن مدرب محترف يرضى تدريب فينوس وسيرينا وتبنيهما، كونه غير قادر على تحمل عبء التكاليف.. وبعد محاولات عديدة فاشلة، ينجح بإقناع أحد المدربين المخضرمين بذلك، إلا أن شرط المدرب الاهتمام بفينوس فقط! ليبدأ حلمها بالتحقق رويدًا رويدًا، بينما سيرينا تبقى على قيد الحلم.


جدل حول استحقاق الأوسكار

فوز “ويل سميث” بأوسكار أفضل ممثل أثار الجدل، بين مؤيد ومعارض للنتيجة النهائية، المعارضين رأوا أنه في السابق قدم أداءات فنية أهم من دوره في شخصية ريتشارد، ويوجد في قائمة الترشيحات ممثلون جسدوا أدوارًا تليق بها الأوسكار أكثر منه.. وهناك من عدَّ الجائزة مستحقة لسميث، بعد أداء شخصية ملأى بالسحر والكاريزما، تتخبط بين لين المشاعر والتعقيد، وصرامة الأفكار.. نجح ويل بتقمص حالات السيد ويليامز، واندماجه معه، واحتوائه جيدًا والإيمان به كمؤسس حقيقي وفعلي لامرأتين أمريكيتين، نشأتا في مجتمع تطغى فيه العنصرية على الإنسانية المدعاة، والحرية والمساواة فيه مجرد شعارات ذات بريقٍ زائف.. وهو لديه خطة تجاه حرفة بناته المستقبلية، والتي ستغير عالم الملونين، وتنتشلهم من القاع.. يريد أن يحترمه الجميع، وبناته.

شخصية “ريتشارد ويليامز” لافتة بضعفها وصلابتها ونزعتها للوصول، فضلًا عن تعجرفها ورغبتها في التغلب على العنصرية والفقر، ربما أراد تصحيح مساراته كأب مع بناته الخمس، فمن خلال أحداث الفيلم يتضح لنا أن ريتشارد كان له بعض الأخطاء التي لا تغتفر، حيث كان متزوجًا في السابق ولديه أولاد مهملون من قِبله.

يخامرك الشك صوب نواياه، هل يريد المجد لينعم به، أم بالفعل يشعر بمسؤولية تجاه الأختين، وهمُّه أن تلحظهم الملاعب وتلاحقهم أعين الجمهور والكاميرات، لكن مهلًا هناك أمور يتضح من خلالها، مدى خوفه وحرصه عليهم، لا ضرر من بعض الفخر لنفسه.. إلى جانب التمارين الطويلة والقاسية، يحرص على مدهم بالتعليم والتطور المعرفي، يحثهم على مكارم الأخلاق، ليسطروا التاريخ الذي سيروي بطولاتهم، بفخر واعتزاز.

اقرأ أيضًا: الأفلام المرشحة لجوائز الأوسكار 2022


دراما عائلية

فيلم “King Richard” مثير للمشاعر، هو عن الأبوة والأمومة، عن التربية والسعي المستمر لتحقيق الحلم، عن الشعور بالآخر الضعيف، وعن التنس أخيرًا، عن الحلم الذي يتصاعد مع كل رمية كرة في الهواء. عن لوس أنجلوس الملأى بالعصابات ومروجي المخدرات، وعن التاريخ الذي يكتبه المنتصر والأقوى.

يفتقر الفيلم للإبهار البصري السينمائي في تصوير ملاعب التنس والمباريات الحاصلة.. الطفلتان مميزتان تحملتا الضغوطات، جابهتا، واجهتا، ونجحتا نهاية المطاف، إلا أنهما لم تتذمرا كثيرًا، لم تثورا من أجل طفولتهما، كان من الجيد لو أضاء النص على مدى التأثير النفسي الذي تركه والدهما، لا بكثرة الخناق عليهما، على عكس الأم “أونجانو إيلز” التي أظهرها بكل الحنان والاعتناء اللذين منحتهما لأطفالها، والتي عانت من تجاهل زوجها قليلًا وإلقاء الفضل عليه وحده في بناء بناته، والتقليل من الدور الذي لعبته.

فيلم “King Richard” دراما عائلية أكثر من كونها سيرة ذاتية عن رياضة التنس، دراما عن الحلم والمواظبة على تحقيقه مهما كثرت العقبات، والمشككون بذلك.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة