لا شك أن أفلام الرسوم المتحركة قد تطورت وازدهرت كصناعة ترفيهية بمرور الوقت، مع ظهور التقنيات الجديدة والأنماط المرئية المختلفة التي ساهمت في ابتكار آليات سرد حكائية وتنفيذية مبهرة، تخاطب وتوازي عوالم التخيل الجامح لدى العقل البشري. وهذا ما نلاحظه في إنتاجات نتفليكس الأصلية للرسوم المتحركة، عبر فيلم الأنيميشن The Sea Beast “وحوش البحر”، الصادر في 8 يوليو/تموز.

حيث يأخذنا فيلم وحوش البحر إلى عوالم أعالي البحار، ومعارك الصيد الذي يخوضها رجالاته بحق أسياد البحر والمحيطات من وحوشٍ شرسة.

فيلم "The Sea Beast" من كتابة وإخراج “كريس ويليامز” مخرج فيلم الأنيميشن "Big Hero 6" الذي صدر في عام 2014. قام بأداء الأصوات الرئيسية كل من كارل أوربان “جاكوب هولاند”، وزاريس-أنجل هاتور “مايسي برومبل”، جاريد هاريس “كابتن كرو”، دان ستيفنز “الأدميرال هورناغولد”، ماريان جان بابتيست “سارة شارب”.

اقرأ أيضًا: مراجعة فيلم Minions: The Rise of Gru.. عودة الكائنات الصفراء الحمقاء من جديد

فيلم The Sea Beast.. حياة رائعة وموت عظيم

لطالما أغرتنا فكرة الإبحار والغوص في البحار وأعماقها، للتعرف على هذا العالم الذي نجهل، ولنكتشف بعضًا من أسراره وخباياه التي لم تظهر كلها على سطح البحر بعد. أو نخوض رحلةً بحريةً لصيد الأسماك، أو لرؤية الأسماك المفترسة التي أبهرتنا رؤيتها لعقود في المجلات والبرامج الوثائقية.

ومثلنا في ذلك نجد مايسي برومبل وهي فتاة ملونة تبلغ من العمر 11 عامًا، كانت تقرأ في الكتب عن البحار الملأى بالمخلوقات الكبيرة والخطيرة والسفن الشاهقة، والمغامرات التي يقوم بها البحارة لاصطياد وحوش البحر، وتحديدًا قصص الكابتن كرو وطاقم سفينته، فكانت تحلم بمشاركتهم والانضمام إليهم، واختبار المكان الذي توفي فيه أبواها. لذلك تقرر الهرب من دار الأيتام بعد أن عقدت العزم على خوض التجربة، والالتحاق برحلة الكابتن برو المنشودة لصيد أخطر الوحوش البحرية (والذي أخذ عينه) بمساعده جاكوب الصياد القوي اللامع الذي يعرف كيف يجابه الوحوش ولا يخشى البحر وأعاصيره، فتقوم بالاختباء في أحد البراميل الخاصة بالسفينة.

هذه الرحلة تعد الأخيرة لطاقم سفينة The Inevitable، حيث تم إصدار مرسوم ملكي من قبل الملك والملكة لقتل وحش ضخم يطلق عليه Red Bluster، ولكن من أحد بنود المرسوم هو إيقاف سفينة الكابتن برو عن الخدمة البحرية في حال فشل المهمة.

ينطلق قبطان السفينة وطاقمه إلى عرض البحر بحيوية وحماس مفعم بالتحدي والإصرار وهم يرددون على ألسنتهم وفي قلوبهم شعار “عش حياةً رائعة ومُت موتًا عظيمًا”، لكن هذه المرة برفقة الطفلة مايسي التي صارت بشكلٍ أو بآخر مسؤولية الصياد الماهر جاكوب.

في الليل تحدث معركة حامية الوطيس بين الصيادين والوحش الأحمر العملاق، على إثرها يضيع جاكوب ومايسي في البحر وينتهي بهما الأمر في داخل الوحش الكبير، لتصبح مايسي لاحقًا صديقة مع Red Bluster وتتغير نظرتها تجاه الوحش الأحمر.

فيلم The Sea Beast.. التاريخ يكتبه المنتصرون

تقول شخصية الطفلة مايسي في أحد مشاهد الفيلم “لا أعرف كيف بدأت الحرب، ولعل نهايتها هي كل ما يهم”. ما يميز هذه الدراما المسلية عدم طرح نفسها على أنها دراما للأطفال، وإنما دراما عائلية عاطفية تصلح للمتعة والحوار، ولجلسة نقاشية للبحث في الأفكار التي تم طرحها بسلاسة وعناية فائقة، تخاطب عقل الطفل وتترك له العنان للتفكير والاستفسار مع من هم أكبر منه وتحديدًا والديه، رابطًا الأفكار بمساحة جمالية بصرية متكاملة مبهرة.

نص يتخلله دروس وعبر تناسب الكبار وأسئلة حول إذا ما كان عليك أن تثق بكل ما تم إخبارك به، وأن ترفض استعمار العقول الذي يحدث بطرقٍ ملتوية وغير مباشرة وتكافح من أجل ذلك. فالتاريخ يكتبه المنتصرون حسب ما يناسبهم، وأنت لديك العقل ومنطق التحليل للتغلب على كل أمر لا يتقبله عقلك، وإنسانيتك.

تمكن المخرج “كريس ويليامز” من رواية مغامرة ملحمية بسيطة عن الصراع بين الإنسان والكائنات الحية الغريبة عن جنسه، عن الفضول وحب الاستكشاف، وأهم شيء عن العاطفة الإنسانية. هي حكاية قوية ولطيفة في آنٍ معًا في إطارها العام، وتفاصيلها الدقيقة التي تكاد تكون حية بفضل الدقة في الرسم والتصميم وتصوير الخلفيات واللقطات. هي حدوتة تجري في عرض البحر، نجح صناع الفيلم بالانغماس في أعماق البحر الهادئة، وتحريك المعارك الدائرة فيه بحرفية متقنة، كل تفصيل تم الاعتناء به على أكمل وجه، لكن وجوه الشخصيات لم ترتقِ لمستوى التمثيل الصوتي، لم تبرز الملامح الانفعالات بما يتناسب وحجم الصوت.

عالم واقعي مفصل.. لكن هناك شيء مفقود

في حوار صحفي رأى المخرج “كريس ويليامز” أن عملية إعداد فيلم رسوم متحركة على الماء أمر صعب، ويتطلب بعض التحديات. كما صرح أنه كانت لديه رغبة كبيرة في الحصول على هذا الفيلم أكثر من أي فيلم آخر سبق واشتغل عليه، وأراد أن يحصل الناس على تجربة التمكن من الاختفاء في هذا العالم لفترة من الوقت.

حصل فيلم The Sea Beast على 7.1/10 من الأصوات في موقع IMDb، وعلى 95% من إجمالي أصوات النقاد ضمن موقع Rotten Tomatoes “الطماطم الفاسدة”.

في معرض حديثه عن الفيلم ضمن مراجعته النقدية في موقع “نيويورك فولتشر” يقول “بيلج إيبيري”:

على عكس العديد من أفلام الرسوم المتحركة الحديثة، التي تجد الإلهام في الخيال وتقدم لنا تصميمات فريدة وخيالية، فإن عالم The Sea Beast يتم تقديمه بشكل واقعي ومفصل للغاية، لدرجة أنه يُشعر في كثير من الأحيان وكأنه حركة حية مغامرة. إنها غامرة تمامًا لدرجة تجعلك تؤمن بوحوش البحر، حتى تصميمات الشخصيات البشرية تشعر أنها بعيدة عن الواقع بدرجتين فقط.

بينما كتب “مارك دوجسيك” في مدونته إن سيناريو ويليامز ونيل بنجامين مألوف قليلًا، أيضًا في الطريقة التي يستخدم بها هذه الوحوش والمعركة المستمرة ضدهم كذريعة لمشاهد متعددة، مع قليل من الفكاهة، وجرعة كبيرة من الرمزية. وعلى الرغم من مزاياه الفنية الواضحة وطموحاته السردية، هناك شيء مفقود.