من الصعب تصنيف فيلم The Gray Man ووضعه في خانة محددة؛ فصحيح أنه فيلم «أكشن»، إلا أن للجاسوسية فيه نصيب كبير، كما أنه يضرب في السياسة بسهم كبير أيضًا، بل يمكن النظر إليه، من زاوية ما، على أنه فيلم سياسي في المقام الأول.

وبخلاف مساعي النمذجة والتصنيف تلك، فقد تناول الفيلم _وإن بشكل غير مباشر بطبيعة الحال_ العديد من القضايا، ابتداءً من جرائم الـ CIA، مرورًا بالعديد من القضايا ذات الصلة بالجريمة والعدالة، وصولًا حتى إلى بعض القضايا الجنسانية وتلك المتصلة أيضًا بالهويات الفردية. هذا التعدد في الطرح أو في الأفكار المتناولة أحد مزايا فيلم The Gray Man من دون شك، وإن كان الفيلم قد شابته عدة شوائب سنأتي عليها في حينها.

ولكن، بعيدًا عن كل هذه القضايا والمسائل، يمكن القول إن فيلم The Gray Man يدعونا إلى الاستمتاع بالجحيم في لعبة إطلاق نار أنيقة وآسرة، يقوم بها أفراد ذوو مظهر جيد، حتى إن المرء لَيُكرِه نفسه، في خضم هذه الحرب المستعرة بين الخصوم في هذا العمل والتي تجري في عدة دول، أكثر من مرة على تذكُّر أنه يشاهد عملًا سينمائيًا لا يتابع حربًا حقيقية عبر البث المباشر.

باختصار يمكن للمرء أن يقوم، وهو مطمئن الخاطر، أن فيلم The Gray Man هو أحد أذكى أفلام الأكشن التي قدمتها Netflix مؤخرًا وقد يكون أحد أكثرها متعة أيضًا.

اقرأ أيضًا: أفضل أفلام نتفلكس 2022.. نماذج متنوعة من أشهر منصة عرض في العالم

ما هي حكاية فيلم الرجل الرمادي The Gray Man؟

قصة فيلم The Gray Man الذي أخرجه أنتوني وجو روسو، وأنتجه كلٌ من: جو روث، جيف كيرشنباوم، جو روسو، أنتوني روسو، مايك لاروكا، كريس كاستالدي، بسيطة إلى حد بعيد، فأنت أمام رجل مسجون سيطلق عليه فيما بعد SIX وهو الممثل رايان جوسلينج نظرًا لقيامه بقتل أبيه، ولنلاحظ هنا أمرين: الأول أن الجريمة التي سجن من أجلها هذا الرجل هي جريمة قتل، والثاني أن المقتول أبوه، وكأن هذا تمهيد لكل الجرائم التي سترتكب فيما بعد، والتي سيتم القيام بها بدم بارد وبلا عواطف، بل ستراه يردد أكثر من مرة إنه لا دخل للعواطف فيما بعد، ويبدو أن هذا مبدأ قد تدرب عليه بالفعل في وكالة الاستخبارات الأمريكية.

يتم التقاط/ تجنيد SIX من قبل فيتزروي (الممثل بيلي بوب ثورنتون) ليكون رجلًا رماديًا، يعمل لدى وكالة الاستخبارات الأمريكية كقاتل مأجور أو لقتل «الأشرار» كما يقولون، وسينضم هذا الرجل إلى برنامج اسمه سييرا يديره كارمايكل (الممثل ريج جان بايدج).

بعد تجنيد SIX يأخذ فيلم The Gray Man، القائم على قصة لجون روسو وكريستوفر ماركوس وستيفن ماكفيلي، منحى مثيرًا، فهذا الرجل ماهر في عمله، بل يقوم به ببراعة مطلقة، كما أنه سيكتشف وهو في خضم عملية قتل ما أنه مكلف بقتل زميل له في العمل وهو FOUR؛ إذ إن الأشخاص في برنامج سييرا ذاك يأخذون أسماءهم على هيئة أرقام كنوع من إخفاء الهوية.

سيقتله بالفعل، لكن Four سيمنحه، وهو في غمرات الموت، «فلاشة» عليها الكثير من فضائح القتل والتعذيب التي تدين وكالة الاستخبارات الأمريكية، ويمكن أن تقود الكثير من الأشخاص إلى السجن. هنا ينقلب فيلم the gray man رأسًا على عقب؛ إذ سيصبح six مطاردًا، ومطلوبًا قتله، لكن بشرط الحصول على الفلاشة التي بحوزته، وسيتولي هذه المسألة «كارمايكل» (الممثل ريج جان بايدج»؛ فهو أكثر المتضررين من فضح هذه الأسرار، وسيقوم بدوره بتجيند لويد هانسن (كريس إيفانز) _وهو قاتل مجنون مصاب بالكثير من العقد النفسية وأحمق في ذات الوقت_ للقيام بهذه المهمة.

ستتم، على إثر ذلك، مطاردة SIX في العديد من المدن والبلدان على ظهر هذا الكوكب، ولن يفلح لويد هانسن في مسعاه، بل سيكون القتل مصيره.

اقرأ أيضًا: مراجعة مسلسل The Terminal List.. تحقيق للعدالة أم إمعان في الانتقام؟

نظرية لومبروزو ووسامة القَتَلة

تقول نظرية لومبروزو؛ وهو أحد مؤسسي علم اجتماع الجريمة، إنه من الممكن جدًا التعرف على المجرم من خلال ملامحه، بل إنه يقول _وهي مسألة باتت مشكوكًا في صحتها كما خضعت للكثير من النقاش والجدل_ إن المجرم يولد بصفات تؤهله لكي يكون كذلك.

وبغض النظر عن نظرية لومبروزو؛ إذ يضيق المجال هنا للاشتباك معها أو مناقشتها، فإن المؤكد أن فيلم The Gray Man يصيبها في مقتل، وأعتقد أن هذه المسألة مقصودة، فالقاتلان الشهيران في الفيلم وهما الممثلان كريس إيفانز ورايان جوسلينج على قدر كبير من الوسامة، بل لن يخطر على بالك أنهما قاتلان محترفان. ويبدو أن القائمين على الفيلم يعرفون تفاصيل نظرية لومبروزو في علم الإجرام فعمدوا إلى السير عكس مسارها إمعانًا في إخفاء هوية هؤلاء المرتزقة.

عقيدة الصدمة والتذرّع بالجرائم

منذ عدة سنوات خلت قدمت نعومي كلاين كتابًا أسمته «عقيدة الصدمة» تتمثل فكرته الأساسية في أن بعض النظم _الرأسمالية من وجهة نظرها_ لا تعمد إلى الاستفادة من الجرائم والكوارث لتحقيق مصالح مالية واقتصادية واسعة فحسب، وإنما تعمل على صنع هذه الكوارث أيضًا.

أليس هذا ما يحدث في فيلم The Gray Man؟! أعتقد أن الأمر هو كذلك بالضبط، فأنت أمام قوم لا يعرفون طريقًا لتحقيق مصالحهم _بغض النظر عن ماهية هذه المصالح وأخلاقيتها_ إلا القتل والتعذيب. ولو كان صناع هذا الفيلم واعين بتلك المسألة، فلا شك أن هدفهم سيكون فضح هذه الممارسات، ومناصبتها العداء، لكن يصعب الجزم بأمر كهذا.

الهوية والحياد

يحيل اسم الفيلم _The Gray Man_ إلى فكرة الحياد؛ فالمواقف الرمادية لا تنتمي إلى طائفة دون أخرى، لا لطائفة دون غيرها، لا يعني هذا أن أصحاب الهوية الرمادية سلبيون أو لا يفعلون شيئًا _الرجال الرماديون في هذا الفيلم أمعنوا في القتل_ ولكنهم يفعلونه بلا قلب.

وتلك خطورة المواقف الرمادية عندما يتعلق الأمر بقضايا أخلاقية، فالقتل ليس وجهة نظر، ولا يحتمل أن تكون منه على الحياد، كما أن الشخص الذي لا هوية له يمكنه أن يدافع عنها، يمكنه أن يقتل ويرتكب الكثير من الجرائم دون أدنى شعور بتأنيب الضمير.

صحيح أن أمين معلوف قد كتب «الهويات القاتلة» لكن غياب الهوية قاتل أيضًا، وتلك واحدة من أذكى أفكار فيلم The Gray Man على الإطلاق.

مشاهد مثيرة تحبس الأنفاس

من محاسن فيلم The Gray Man أنه انطوى على طائفة واسعة من مشاهد الأكشن المثيرة بحق، والتي قد لا يبدو أن ثمة رابط بينها إلا أنها تنطوي على قدر كبير من المتعة. خذ، على سبيل المثال، مشهد الصراع في الطائرة، وهو مشهد لا يصدق فعلًا، بل إنك قد تشك أن هذا تمثيل أصلًا، وأيضًا مشهد إنقاذ الطفلة كلير فتزروي (الممثلة جوليا باترز) يمكن القول إنه مشهد عبقري جدًا.

ثم هناك تبادل كثيف ومتكرر لإطلاق نار ضخم، وتقييد SIX في مقعد في الشارع، واضطراره للحرب وهو على هذه الحالة، حتى يتمكن من فك نفسه، ومواصلة الحرب في الشارع. وكل ذلك لا يساوي شيئًا إلى جوار مشهد الحرب في القطار، ومحاولة SIX القفز من القطار إلى سيارة إحدى حليفاته في هذه الحرب، فذاك مشهد مذهل بحق.

آراء نقدية لفيلم The Gray Man

وعلى الرغم مما فات، ومن انطواء فيلم The Gray Man على بعض القضايا والأفكار الذكية، إلا أنه اعتراه بعض الخلل وانطوى على نقاط ضعف، وهو ما سنحاول الإتيان عليه في الجزء التالي.

طعن في المصداقية

على الرغم من أن فيلم The Gray Man مبهج ومثير، إلا أنه يفتقد إلى المصداقية، إذ ينجو Six من كل شيء يصادفه تقريبًا، وتلك مسألة غير منطقية ولا متوقعة، فالأمر في الحياة إنما هو شيء من النجاح وشيء من الفشل، أما أن ينجح/ينجو أحد على طول الطريق، فليس ذلك أحد خصائص الحياة البشرية. وعلاوة على ذلك، فإن كل شيء في فيلم the gray man ثنائي الأبعاد، ويحمل وجهتي نظر، فـ SIX على سبيل المثال يمكن اعتباره رجلًا صالحًا أو قاتلًا مأجورًا في ذات الوقت، ولم ينتصر الفيلم لإحدى وجهتي النظر على حساب الأخرى، ويبدو أن هذا متعمد.

يتم عرض الفيلم بأكمله مثل الرسوم المتحركة الحية والمشاهد المتقطعة، ذات الإيقاع السريع غير المترابط، أضف إلى ذلك أن الإمعان في القتل واستخدام العبوات الناسفة، وتدمير المباني التاريخية.. إلخ قد يعد طعنًا في مصداقية الفيلم أيضًا.كما أن العبوات الناسفة العديدة من القنابل اليدوية إلى قاذفات الصواريخ قد تحمل علامة "قمة".

فيلم مخيب للآمال

ويمكن القول أيضًا إن فيلم The Gray Man مخيب للآمال بعض الشيء من حيث التنوع العرقي والجنساني؛ فعلى الورق يحتوي The Gray Man على شخصيات ملونة ونساء قويات في أدوار يحتمل أن تكون كبيرة. ولكن في حين أن ألفري وودارد _التي قامت بدور موريس كاهل_ هي الأبرز في هذا الصدد، إلا أن هذا له علاقة بجاذبيته الشخصية أكثر مما هو مكتوب على الورق بالفعل.

وعلى الرغم من أن آنا دي أرماس _التي قامت بدور داني ميراندا_ تلعب دور قاتل مأجور في هذا المجال مثل Six، إلا أن دورها لم يُعطَ نفس الثقل والأهمية التي أعطيت لدور رايان جوسلينج، وأخشى أن يكون هذا تحيزًا ضد المرأة.

وبالمثل، ليس لدى جيسيكا هينويك الكثير لتقوم به على صعيد شخصية سوزان؛ علمية وكالة الاستخبارات الأمريكية، لا سيما وأنها خضعت لجرعات مكثفة من السخرية والتنمر والحط من شأنها من قبل ديني كارمايكل ولويد هانسن: الممثلان ريج حان بايدج وكريس إيفانز على التوالي.

وعلى أي حال، إذا كنت تحب رؤية السيارات تحترق والناس يتقاتلون، فهذا الفيلم يناسبك طالما يمكنك البقاء هناك لمدة ساعتين أو أكثر، ولكن إذا كنت من أولئك الذين يبحثون عن قصة جذابة فمن المرجح أن تجد بعض المتعة في المشاهد الفردية، وليس في قصة الفيلم بشكل كامل.