لطالما كانت أفلام الكائنات الفضائية والفضاء الخارجي أحجية يتنافس العلماء على تجميع قطعها واحدة تلو الأخرى، وعالمًا كبيرًا ومخيفًا يقبع داخل مخيلة الناس ويختلف سكانه وأشكال حياتهم باختلاف مدى جرأة تلك المخيلة وقدرتها على اختلاق العديد من السيناريوهات المحتملة لوجود كائنات حية أخرى غيرنا، وهو الأمر الذي مازال حتى الآن يعده البعض مغامرة شيقة وممتعة. فالعلم لم يقدم حتى الآن دليلًا على وجود كائنات غير البشر، فلماذا لا نتخيل إذا كان العكس صحيحًا؟ وإلى أي مدى ستأخذنا عقولنا إذا تخيلنا أننا استيقظنا يومًا ما لنجد "كائنات فضائية" تجوب الشوارع حولنا؟

ولأن الخيال هو اللعبة المفضلة للسينما؛ فإن الكائنات الفضائية ظهرت في الأفلام منذ بدأت السينما. ومع الوقت استمرت في اكتساب معجبين من كل حدب وصوب حتى أصبحت جزءًا مهمًا من أفلام الخيال العلمي.. ومجرد الإعلان عن فيلم جديد يدور حول الفضائيين يخلق حالة من الترقب لدى المشاهدين تستمر حتى لحظة صدوره.

ظهور بدأ منذ بدايات السينما وحتى الآن

كان الفيلم الفرنسي القصير "رحلة إلى القمر A Trip to the Moon" الذي صدر عام 1902 للمخرج "جورج ميليه" والمستوحى من رواية "من الأرض إلى القمر" للكاتب "جول فيرن" هو بداية ظهور الكائنات الفضائية في الأفلام، حيث مجموعة من علماء الفلك يذهبون في رحلة لاستكشاف القمر ليقابلوا هناك مجموعة من "السيلينيت" وهم سكان القمر، وينجحوا في الرجوع إلى كوكب الأرض وبحوزتهم أسير منهم.

وقد استوحى منه المخرج المصري "حمادة عبد الوهاب" فيلمه الذي يحمل نفس الاسم، رحلة إلى القمر، الصادر عام 1959 ومن بطولة "رشدي أباظة" و"إسماعيل يس"، ويُعد "أول فيلم مصري عن غزو الفضاء" كما هو مدوّن على أفيش الفيلم.

تبع الفيلم الفرنسي أفلام الفضاء والكائنات الفضائية بمعدل على الأقل فيلم كل عام، فنجد فيلم "رسالة من المريخ" عام 1913، وفيلم "امرأة في القمر" عام 1929، وفيلم "رحلة فلاش جوردن إلى المريخ" عام 1938 وفيلم " مغامرات بارون مونشاوسن" عام 1943. ولكن منذ بداية الخمسينات، وحتى يومنا هذا، يتم إنتاج أكثر من فيلم من ذلك النوع في العام الواحد، الأمر الذي يصل إلى أكثر من خمسة أفلام في نفس العام. ونجحت معظم تلك الأفلام في خلق حالة مجتمعية شديدة الخصوصية قد لا تتكرر مع أي أفلام أخرى، مثل السلسلة الشهيرة "حرب النجوم"، وجميع أفلام شركة "مارفل" التي تنجح كل مرة في حصد إيرادات لا ينافسها فيها أي فيلم آخر.

وكما تطورت السينما فإن أفلام الكائنات الفضائية قد تطورت أيضًا، ومع الزمن تطور شكل الفضائيين في الأفلام تبعًا لعدة أسباب، من أهمها التطور العلمي والتكنولوجي، والتغير المجتمعي.

كيف غيّر التطور العلمي والتكنولوجي شكل الفضائيين في الأفلام

في أفلام الخيال العلمي في الخمسينات والستينات، إذا رغب صناع فيلم ما في خلق كائن فضائي فإنه عادة يكون ممثلًا مرتديًا بدلة أو زيًا مصنوعًا ليشبه تصوراتهم عن شكل الكائنات الفضائية، وعندما تطورت الصناعة أكثر أصبح من السهل على المخرجين خلق أشكال مختلفة للفضائيين، لكنها كانت تشبه البشر، فهي إما كائن أخضر لزج برأس كبيرة، أو كائن بشري ولكن بمجسات على رأسه أو أطراف يختلف شكلها عن أطراف البشر مثل سلسلة أفلام "حرب النجوم". فكان هناك تصور عام أن المخلوقات الفضائية تشبه البشر في هيئتها العامة، وهو التصور الأقرب للعقل البشري، فإذا كان هناك كائنات حية أخرى على أي كوكب آخر فلابد أنها تشبهنا في الشكل، أليس كذلك؟

كائن فضائي مثير للريبة

ومع صدور فيلم "مخلوق فضائي" عام 1979 للمخرج "ريدلي سكوت"، والذي تبعته سلسلة أفلام تحت نفس الاسم، فإن الشكل الذي اختاره المخرج للكائنات الفضائية قد أثر بشكل كبير على صناعة هذا النوع الفيلمي بل أصبح أحد أهم المحطات التي مر بها في رحلة تطوره. فالفيلم يدور حول رحلة مجموعة من رواد الفضاء إلى أحد الكواكب ليتفحصوه عقب تلقي إشارة منه، ويبدأ الفيلم بمشهد هجوم مخلوق يشبه العنكبوت على رائد الفضاء ويظل متشبثًا بوجهه، وبعدما ينجح باقي الطاقم في قتل المخلوق وإبعاده عنه، ينفجر رائد الفضاء ليخرج منه مخلوق فضائي يصبح فيما بعد عملاقًا ببشرة سوداء لامعة، ومخالب، وذيل، وأسنان حادة.

وظل هذا الشكل مرجعًا لكل من رغب في صنع أفلام عن الكائنات الفضائية، ورسم شكل لما يمكن أن تكون عليه الكائنات الفضائية في مخيلة صناع الأفلام.

لكن مع تبني وكالة "ناسا" لهدف البحث عن أشكال الحياة خارج الأرض، فإن الفهم العلمي لما قد تبدو عليه الكائنات الفضائية قد تمحور حول نوع من الحياة مختلف عما صوره المخرج "ريدلي سكوت"، فالآن يجد علماء الفلك أنها من المرجح أن تكون "مجهرية" في طبيعتها.

وكان من الطبيعي لتلك الاكتشافات أن تغيّر من نظرة صانعي الأفلام إلى الحياة خارج كوكب الأرض، وبدأوا داخل هوليوود في تقدير هذه الفكرة والعمل على خلق كائنات فضائية أقل "بشرية" ووفقًا لعالم الفيزياء والمؤلف "سيدني بيركوتيز" لمجلة "ذا إنسايدر" فإن "أيام المخلوق الأخضر اللزج والوحوش العملاقة قد ولّت".

كما أضاف "بيركوتيز" أن لجوء "سكوت" وغيره من المخرجين إلى تصوير الفضائيين كمخلوقات أشبه بالبشر أيضًا يرجع إلى أسباب إنتاجية، فتكلفة إنتاج مخلوقات فضائية تشبه البشر ليست عالية على أي حال".

ولكن مع التطور التكنولوجي إلى جانب التطور العلمي السابق ذكره، فإن خاصية مثل "السي جي آي" وهي "الصورة المنشأة بالكومبيوتر" فقد أصبح من السهل خلق مخلوقات تشبه ما قد تكون عليه في الواقع، بعيدًا عن الهيكل البشري تمامًا.

مع كل تلك الاكتشافات لم يعد لدينا أي سبب لاعتقاد أن الكائنات الفضائية قد تشبهنا على الإطلاق، فالهيئة الحالية للإنسان هي نتاج ملايين السنين من التطور. وهذه النقطة تسلط الضوء على مشكلة أخرى كانت تعتري جميع أفلام الكائنات الفضائية.

فمشكلة أفلام مثل "مخلوق فضائي" وغيرها ليست فقط في شكل تلك المخلوقات، بل كيف صورها على أنها كائنات "متوحشة"، تفتقر إلى الذكاء ولا تحاول التواصل مع الجنس البشري بل تندفع إلى مهاجمته والتهامه على الفور.
فإذا كان البشر قد مروا بعقود كثيرة من التطور ليس فقط في الشكل بل في الطريقة التي ينظرون بها إلى أنفسهم والقوانين التي وضعوها ليحكموا بها عالمًا أكثر تحضرًا، فما الذي يدفعنا للاعتقاد، إذا كانت هناك بالفعل كائنات تعيش خارج كوكب الأرض، أنها لم تمر بنفس مراحل التطور، وأنها الآن تسعى أكثر للتواصل مع الكائنات التي تعيش خارج كوكبها، مثلنا تمامًا؟ فوفقًا إلى "بيركوتيز"، من الصعب تخيل أن كائنًا حيًا قد يكون لديه رد فعل عنيف وسلبي اتجاه كائن حي آخر مختلف عنه.

الأفلام مرآة لهواجس المجتمع

كما يؤثر التطور التكنولوجي والعلمي على جميع نواحي الحياة، فإن التغير الذي يصيب المجتمعات يلعب القوة المقابلة التي تؤثر وتتأثر بدورها. فالتغير المجتمعي يؤدى إلى تطور عام في جميع المجالات، ومن ثم ينعكس التطور على المجتمع ويُحدث المزيد من التغييرات في دائرة لا تنتهي من الفعل ورد الفعل.

ويمكن تطبيق هذا هنا أيضًا، فالأفلام بشكل عام هي مرآة لما تمر به المجتمعات من أزمات أو تغييرات، ولا سيما مخاوف وهواجس المجتمع.. وبشكل خاص، تقوم أفلام الخيال العلمي بعكس كل ذلك داخل حبكة خيالية بها ما يكفي من المتعة اللازمة لجذب انتباه المشاهد.

زومبي

ولذلك، كانت أفلام الكائنات الفضائية لفترة طويلة تصورهم كوحوش آكلة لحوم تغزو كوكب الأرض، فكانت تلك هي مخاوف المجتمعات آنذاك وتصوراتهم عن شكل انتهاء الحياة على الأرض، مثل مخاوفهم من "الزومبي" و"الديناصورات" التي تلتهم البشر وتقضي على البشرية.

لكن الآن، لم تعد تلك هي هواجس البشر، ولم يعد وجود البشرية، داخل مخيلتهم، مهددًا بالتهام الوحوش لهم.. الآن يخاف الناس من كيانات بيولوجية أو فيروسات مجهرية تنتشر بسرعة وتسبب أضرارًا جسيمة.

ولأن هوليوود تصب اهتمامها الأكبر على تأثير الاكتشافات العلمية على المجتمعات، وليس دقة المعلومات العلمية نفسها، وبجانب التطور التكنولوجي السابق ذكره، فإن بعض أفلام الكائنات الفضائية الآن تميل إلى تصوير الفضائيين سواء بشكل كائنات بكتيرية، أو بشكل أبعد ما يكون عن الشكل التقليدي للوحوش ذات المخالب.

وبرغم أن بعض الأفلام اتجهت إلى تصويرهم كمخلوقات عالية الذكاء مثل فيلم "حياة" الصادر عام 2017 وفيلم "مكان هادئ" الصادر عام 2018. إلا أن فيلم "وصول" الصادر عام 2016 هو الفيلم الوحيد حتى الآن الذي نجح في خلق كائنات فضائية ليست ذكية فقط بل وتسعى إلى التواصل مع البشر بدلًا من محاولة التهامهم. وهو يُعد أفضل فيلم قد تناول موضوع الفضائيين، وأكثرهم وعيًا للشكل المحتمل للقاء البشر مع الكائنات الفضائية.

وتطور العلم المستمر بجانب تطور السينما يضمن لنا أن محاولات تصور الحياة في الفضاء وما قد تبدو عليه الكائنات الفضائية لم تنتهِ بعد، بل ومن المؤكد أننا سنشهد فيما بعد أشكالًا أكثر تطورًا وأكثر تطابقًا مع الواقع المُتخيَل.

اقرأ أيضاً: فيلم “The Royal Treatment”.. قصة سندريلا لا تموت إنها تتحور