مسلسل “الندم” … عندما يتحول علقم الأزمة السورية إلى عسل الإبداع الفني!!

مسلسل الندم ... عندما يتحول علقم الأزمة السورية إلى عسل الإبداع الفني!!
1

في عام 2006، عندما كنت تمشي في أحد الحارات والحواري الشامية، كنت ستسمع من كل نافذة ومن كل باب، صوت أبو شهاب وهو يهدد، صوت أبو عصام وهو يعطي نصائحه، وبالطبع صوت صطيف وهو ينادي بأعلى صوته “وحدو”.

كان الجميع مشدوداً لهذه البيئة التي خلقها بسام الملا في عمله، فهي تتحدث عنهم بشكل أو بآخر، لكن اليوم، تكرر المشهد، مع عمل آخر، لكن هذه المرة وصلت أصدائه للنوافذ والأبواب الألمانية.

ستمشي اليوم، وستسمع صوت “عروة” وهو يروي تلك الحكاية المؤلمة الرائعة، ستسمع صوت “أبو عبدو” وهو يلقي على ابنه سهيل ألعن الصفات، وبالتأكيد لن يخلو الأمر، من لمسة الرائعة كارمن وهي تصدح بكل رقة ” قلبي علينا”.

خلق هذا المسلسل، جوًا كان ينقص مدينة الياسمين منذ زمن بعيد، جوًا رائعًا، أمطر إبداعاً من جميع النواحي، حتى سقى قلوب العاطشين من السوريين في مدن الغربة حول العالم أجمع، رواهم وزاد ظمأهم في نفس الوقت، شعروا بقربهم الشديد من هذا الوطن الذي يحملونه في صدورهم وبعدهم عنه في ذات الوقت.

الكثير من المشاعر، الكثير من الألم، الكثير من الحنين، الكثير من الدموع، والأهم من كل هذا، الكثير من الإبداع الذي حلق طائره بعيداً عن هذه البلاد منذ فترة ليست بالقريبة، حتى استطاع كل من شارك في هذا العمل أن يعيد هذا الطائر إلى عشه الأول والأخير مرة أخرى.

مسلسل الندم

بطولة : محمود نصر، دانا مارديني، سلوم حداد، سمر سامي

تأليف: حسن سامي يوسف

إنتاج :سما الفن الدولية للإنتاج

إخراج: الليث حجو


النص

نص مسلسل الندم

لجميع الفلسطينيين حول العالم وطن واحد، جرح واحد، حب واحد وأمل واحد في حياتهم كلها، إلا الفلسطينين في سوريا، لهم وطنان، أصبحوا منذ ست سنوات، جرحين، وأملين لا ينافس أحدهما الآخر على المرتبة الأولى.

حسن سامي يوسف، أثبت القاعدة بكل صراحة، كتب سوريا كما لم يكتبها كاتب سوريّ حتى، أخرج ما في صدره من حب وحنين لهذه الأم التي حوت الجميع ولم تجد من يحيوها عندما ضعفت ضعفة بسيطة.

يتحدث النص عن عائلة ثرية قبل الأزمة السورية، أبو عبدو العصامي الذي بدأ ووصل إلى ما وصل إليه من لا شيء، زوجته التي تمثل الأم بكل ما تحملها من حنان يمكن أن تشاهده على هذه الأرض، عبدو البكر الطاغية الذي لا يحمل في قلبه شيء سوى حب المال، سهيل الابن العاق في نظر والده والمسيح المنتظر للعائلة في المستقبل، ندى روح المنزل ببرائتها، وعروة فخر هذه العائلة، الكاتب الشاب الذي يلتمس طريقه في عالم الأدب.

يبحث المسلسل في أوضاع هذه العائلة قبل الأزمة السورية ووصولاً إليها، متحدثاً عن أوضاع سوريا بشكل عام ودمشق بشكل خاص قبل الأزمة وخلالها، يتحدث عن أبو عبدو الذي وصل إلى كل شيء يمكن للإنسان أن يطمح إليه وانتهى بلا أي شيء غير الضعف والوهن والندم قبل كل شيء.

أم عبدو، تلك الأم التي تحمل من الحب لزوجها وأولادها بقدر ما يحمل الكون كله، تغدق على الجميع حنيتها، حتى على أبو عبدو الذي يظهر قاسي القلب أمام أبنائه إلا أنه لا يلين إلا أمامها.

عبدو الذي يعبد المال ولا يعرف في الحياة شيئاً غيره، يتبعه أينما ذهب، يحرص على تجميعه، ينتظر حتى يضعف الغول الكبير، فيأخذ على كل شيء، يستغل عدم معرفة إخوته بأمور المال والأعمال، ليسيطر على كل ما يملك والده ويضعه في جيبه.

سهيل، الابن العاق في نظر والده، لا يرى شيئاً في هذه الحياة إلا تمييز والده بينه وبين إخوته، يعامله بكل عنف وبكل قسوة، يضربه في أحد الأحيان، يشتمه في الكثير منها، يلقي عليه بجلّ غضبه، ينتظر منه أي خطأ من أجل تأنيبه، ويقابله الابن بالكثير من الأشياء التي تؤلم قلبه قبل أن تفعل أي شيء آخر، قابيل العائلة المتعطش للانتقام بقلب يخاف على إخوته.

ندى، الفتاة الرقيقة، الدكتورة المستقبلية، حبيبة قلب أبيها، تلك الطفلة التي أخطأت وأحبت في تلك المدينة المليئة بالقسوة، فما كان منها إلا أن ردت عليها بأقسى العقوبات، فدمرتها قلباً وعقلاً وجسداً وحياةً.

عروة، الفتى المدلل، وأخر العنقود، الكاتب، العاشق الولهان، هابيل المقتول بين عنف الإخوة، كل همه، كتبه وحبه الأبدي، الذي سينقضي قبل أن يصبح أبدياً، ولم شمل عائلته التي يبدو أنه لن يحصل على هذا الامتياز، قاص الرواية، وصاحب المعاناة، الرجل الذي يحمل قلب الطفل، وعقل الحكيم، وكلمات أعظم من مسك القلم بيديه وشعر ابن زيدون في كلامه.

وأخيراً، هناء، سندريلا المسلسل، المهندسة المهتمة بالأدب، المعادلة مستحيلة الحل، “ولّادة” دمشق، حملت في قلبها حباً لم يستطع أن يظهره الكاتب بالكلمات فعبر عنه المخرج صورةً، والذي فاق حبها هو ضعفها وألمها اللذان استبدا بها، دون أن يتركا منها شيئاً سوى جسدها.

الإخراج

اخراج مسلسل الندم

لن أعرف بالمخرج هنا، فكيف يمكنك أن تعرف بمدرسة إخراجية في سطور قليلة؟ استطاع بكل موهبة أن ينقل لنا الليث كلام على ورق، ليضعها في أبهى حلة.

الفكرة التي انتبه إليها جميع من شاهد المسلسل ولو للحظة واحدة، هي الألوان، لا أعرف فكرة من هي المخرج أم الكاتب أم المنتج، لكنها فكرة عبقرية بكل تأكيد، فالماضي بالألوان جميعها، والحاضر بالأبيض الأسود فقط، يمكنك أن تستدل منها على آلاف الأشياء، أولها الماضي الرائع لتلك البقعة من الأرض، والحاضر اللعين الذي نعيشه.

اختيار الأماكن كان في محله في جميع حلقات المسلسل، لن تستطيع أن تتبين هذا إلا إن كنت من قاطني مدينة دمشق، لكن يمكنني أن أخبرك كأحد هؤلاء، أنني مازلت أبحث عن تلك القهوة التي يجلس فيها عروة وهناء في الكثير من أوقاتهم لقضاء بعض الوقت فيها.

الأهم من اختيار الأماكن، كان اختيار الممثلين، كما نقول في اللغة العامية “لابسو الدور لبس” ، الجميع في مكانه، كأن المسلسل كتب لهذه الشخصيات بالتحديد لا لغيرها.

فالممثل الكبير، سلوم حداد، أدى واحداً من أفضل أدواره في الدراما العربية على امتداد مسيرته المهنية العظيمة، فعندما ترى أبو عبدو القوي الديكتاتور خارج البيت وداخله، وترى نفس الشخص يمشي على عكازة، لا يستطيع اطعام نفسه، يسقط على الأرض من فرط وهنه، لا تسطيع إلا أن تعترف بقدرة هذا الشخص التمثيلية العالية.

يحسب للمخرج، صنعه نجوم من الدرجة الأولى وإخراجهم للعلن، فالمسلسل يعتبر دور البطولة الأول لكل من محمود نصر ودانا مارديني، لكنك من الوهلة الأولى، سترى نجوماً صنعتهم براءة الممثل وليس خبرته، استطاعوا بشيء من الحرفية والطفولة في التمثيل، خلق مسلسل نستطيع أن نقول عنه أنه المسلسل العاشر مع بعضهم وليس الثاني أو الأول.

الإنتاج

انتاج مسلسل الندم

كيف يمكنك إنتاج مسلسل في بلد تعاني حرباً منذ ست سنوات؟ السؤال الأول هو كيف ستحمي طاقم العمل الذي يتطلب أكثر من خمسين شخص على الأقل.

كيف ستخلق الجو المناسب للعمل، لكنك عندما تريد إنتاج مسلسل يحكي عن الحرب، يجردها من لباسها الذي تختفي به، ستساعدك الظروف من تلقاء نفسها، ستعمل الحرب على إيقاف نفسها لدقائق عندما يطرح عليها عروة أسئلته الوجودية، والسؤال الذي أرقه طوال المسلسل وأرق كاتبه قبله عشرات السنوات، “هل الأخلاق نسبية؟”، ثم سيتركك من دون أي إجابة لأنه يعلم أن الإجابة تكمن عندنا لا في الحلقة الأخيرة.

تم إنتاج المسلسل من قبل شركة سما الفن للإنتاج والتوزيع، والتي حصلت فيما على بعد على جائزة إنتاج أفضل مسلسل اجتماعي، في مونديال القاهرة.

يُحسب لشركة الإنتاج وللكاتب أيضاً على ما يبدو، تصويرهم المسلسل في دمشق، فجميع مشاهد الحرب هي مشاهد حقيقة تقريباً مأخوذة من أرض الواقع، كان سيبدو المسلسل بثوب آخر وحلّة أخرى في حال صور خارج أسوار الياسمين، مع العلم أن الكاتب – حسب ما نشر على صفحته الشخصية -رفض عرضاً مالياً كبيراً من إحدى شركات الإنتاج العربية المرموقة لأنها طلبت تصوير المسلسل في بيروت، على ما يبدو أن الشقيقتين تختلفان حتى في هذه الأدوار.

هل نجح المسلسل في إيصال رسالته؟

ابطال مسلسل الندم

الهدف الأول والأخير من الدراما هي تسليط بعض الضوء على الواقع الذي نعيشه، في هذا المجال وبعيداً عن حبكة المسلسل وأحداثه، استطاع المسلسل وبنجاح منقطع النظير، إيصال صورة عن سوريا خلال الأزمة وقبلها بشكل واضح وصريح لا مجال للشك فيه.

يمكنك من خلال مشاهدة المسلسل أن ترى دمشق قبل أزمتها، أن تراها شابة طموحة تعمل على الخروج من المستنقع الذي أحاطها به أعدائها، كانت لديها بعض الأحلام، وكالكثير من الفتيات الكثير من الأحلام الوردية حتى غرقت فيها ونست واقعها بعض الشيء، فأحاطوا بها وأعادوها إلى مستنقع أكثر عمقاً، ولكن أحاطوها هذه المرة بسياج حتى لا تستطيع التحرك في حال استطاعت الخروج من المستنقع.

سترى دمشق تلك العجوز الواهنة التي أصابها العجز من عقوق أبنائها لها مثل ما أصاب أبو عبدو، تلك غير القادرة على الصراخ فيهم وهم قطعة منها، وغير قادرة على تركهم يستبيحونها فعزتها لا تسمح لها أيضاً.

سترى انقطاع الكهرباء في منتصف أوقات الشتاء وستبرد مع رشا حتى تنتخر عظامك من البرد، ستشعر بالفقر الذي يعم المدينة الغنية بتاريخها وأولادها العاقين عندما يرى عروة هؤلاء الشحادين، ستشعر بالعشق والحب الذي يحوم حول المدينة ويحرسها في الليالي في الليل مع هناء، ستبكي على حال أبو عبدو عندما يأكل فتة بالحليب على يد ابنته، وستحكم إغلاق باب منزلك عندما ترى ذاك العسكري يقتحم منزل رشا.

في نهاية المقال ليس عليك إلا أن تفتح اليوتيوب وتكتب “قلبي علينا” وتستمع لتلك النغمات التي أخرجها إياد الريماوي كأبهى ما يكون على تلك الكلمات التي ستحكي قصة عروة وهناء باختصار شديد ببضع كلمات، تغنيها تلك الصيدلانية كارمن توكه جي بصوت رقيق يكاد يقطر القليل من الحنية وتبدأ في مشاهدة المسلسل في حال فاتك مشاهدته في رمضان الماضي.

أخبرنا كيف وجدت مسلسل الندم كسوري، أو كغير سوري، وما هي السلبيات التي من الممكن أن نلاحظها في عمل من مثل هذا العمل؟
1

شاركنا رأيك حول "مسلسل “الندم” … عندما يتحول علقم الأزمة السورية إلى عسل الإبداع الفني!!"

أضف تعليقًا