أمهر صُنّاع العود العرب في القرن العشرين

0

لا شك أن الموسيقى العربية كانت قد بلغت ذروة مجدها وتألقها خلال القرن العشرين؛ فقد لمع في سماء الموسيقى العربية العذبة العديد من النجوم آنذاك .. من ملحنين وعازفين ومطربين، استطاعوا النهوض بالموسيقى العربية والوصول بها حتى إلى العالمية.

لكن هناك من صُنّاع الآلات الموسيقية من كان لهم عظيم الأثر في بزوغ تلك النجوم في سماء الفَنّ الموسيقي العربي في أثناء تلك الفترة، ومنهم صُنّاع آلة العود العربية العريقة الذين كانوا دائمًا مقصد العديد من أشهر الملحنين والعازفين الراغبين في امتلاك أحسن الأعواد على مستوى الوطن العربي.

وبذلك سطّر صُنّاع العود العرب بحروفٍ من نور قسمًا – ليس بهَيّن – من تاريخ الموسيقى العربية الأصيلة، ورغم ذلك ذهبت أسماء هؤلاء الفنانين طي النسيان وسقطوا من ذاكرة الكثيرين، فلا يذكرهم سوى المهتمين بصناعة العود أو العازفين العاشقين لهذه الآلة.

لذا من هنا .. وفي محاولة لإنصاف رجال صنعوا على أيديهم تاريخًا وتراثًا وثقافة لنتذكر معًا ثلاثة من أفضل وأمهر و اشهر صناع العود العرب في القرن العشرين:

خليل إبراهيم الجوهري

ولد في مصر لأسرة ذات أصولٍ تركية، وشغل منصب رئيس قسم صناعة الآلات الموسيقية بمدرسة الصناعات الزخرفية ببولاق، تميزت أعواده بروعة ودقة زخرفاتها ومتانتها وعذوبة نغماتها، مما يجعله يستحق لقب إمام صُنّاع العود في مصر والوطن العربي عن جدارة.

قام الجوهري بإهداء الملك فاروق عودًا مطعّمًا بالذهب من صناعته، كما تعامل مع أشهر ملحني القرن االعشرين كأحمد صدقي ورياض السنباطي الذي صنع له أربعة أعواد، أيضًا كان للجوهري الفضل – بطريقة غير مباشرة – في ظهور موهبة عز الدين حسني (شقيق نجاة الصغيرة وسعاد حسني) التلحينية، حيث كان الجوهري صديقًا لوالده ’حسني البابا‘ وكان يهديه عودًا كلما تنجب زوجته عليه اسم المولود الجديد، اكتشف عز الدين حسني ذات مرة عودًا عليه اسمه، ففرح به كثيرًا وبدأ تعلّم العزف عليه، وكانت هذه الخطوة الأولى لعز الدين حسني في مشواره الموسيقي.

يمكننا الاستماع إلى نغمات عود من صناعة خليل إبراهيم الجوهري يعزفها الموسيقار نزار إسماعيل من خلال هذا الفيديو:

جميل جورجي

ولد في حلب بسوريا، وانتقل برفقة عائلته إلى مصر سنة 1900 حيث افتتحوا أشهر ورشة لصناعة آلة العود في شارع محمد علي بوسط القاهرة عام 1906، وعُرِف جميل جورجي بصناعة أفخم الأعواد وأدقها صنعًا؛ حتى أن الكثير من الأسماء الرنانة ذائعة الصيت من الفنانين والملحنين من داخل مصر وخارجها قصدوه طالبين منه صناعة أعوادٍ لهم مثل فريد الأطرش وطلال مداح ومحمد القصبجي.

يُذكر أن جميل جورجي هو صانع العود الذي غنّى به الفنان فريد الأطرش أغنيته الشهيرة “الربيع” عام 1949، وقد استغرقت صناعته ستة أشهر كاملة، وكلّف أربعة آلاف جنيه حينئذٍ، وقد أُعجب به الفنان فريد الأطرش إعجابًا شديدًا حتى أنه أهدى جميل جورجي ساعًة ذهبية تقديرًا لعمله الرائع.

لنستمع معًا إلى أغنية “الربيع” التي عزف الفنان فريد الأطرش ألحانها على عود الراحل جميل جورجي:

محمد فاضل حسين

ولد محمد فاضل حسين في بغداد، العراق عام 1910، وتعلّم حرفة صناعة العود من خالٍ له، عمل موظفًا بالمتحف العراقي ثم قام بافتتاح ورشته لصناعة العود بشارع الرشيد ببغداد سنة 1932، وقد قام بصنع أفخم الأعواد لعدد كبير من أشهر الفنانين والعازفين مثل: ناظم الغزالي، مخمود الكويتي، ومنير بشير، ويُعدّ محمد فاضل حسين من أمهر وأشهر صانعي العود في القرن العشرين حتى أن شهرته تخطت حدود الوطن العربي لتصل إلى العديد من أرجاء العالم كبريطانيا واليابان.

تخصص فاضل في صناعة عود السحب الذي ابتكره واشتهر بصناعته، وأول مرة صنع فيها عود السحب كانت للفنان العراقي منير بشير الذي طلب من فاضل صناعة عودٍ مُقاوم لتقلبات الجو؛ فكان عود السحب الذي تم فيه تحويل الفرس الذي يربط الأوتار إلى ظهر العود كي يستطيع العازف سحب الأوتار لأعلى درجة دون الحاجة إلى الضغط على وجه العود، وقد بُهر الفنان منير بشير بهذا العود حتى أنه انحنى مُقبلًا يد فاضل وقال له: “عاشت إيدك يا أبو فايق”.

لنستمع إلى عزف نصير شمة عازف العود العربي الأشهر على عود محمد فاضل سليمان:

أصبح من الواضح أن صانع آلة العود هو بطل مجهول للكثيرين وقف خلف نهضة موسيقية عربية شهدها القرن العشرين وأبدع في حرفته حتى صار يستحق لقب “فنان” عن جدارة؛ حيث قام بصنع تراثًا موسيقيًا على يديه وكانت بداية الفَنّ الموسيقي العربي عنده أولًا قبل الملحن والعازف والمطرب. لذا كان يتوجب علينا نقل جزء من سيرتهم إلى الأجيال التي لم تعاصرهم تمامًا كما بلغنا ذكر زرياب أشهر صانع عود في زمن هارون الرشيد.

أيضًا ينبغي للمهتمين بالموسيقى العربية إبراز دور صُنّاع آلة العود كي يتم إنصافهم معنويًا – على الأقل – بعدم تجاهلهم وكي نحمي هذه الحرفة العريقة من الإندثار ونحمي هذا الإرث من السرقة، ويجب على كل دولة عربية معنية بالفن أن تقوم بتنظيم مهرجان عالمي ضخم خاص بآلة العود وأبرز مُصنعيه، يحضره أبرز صُنّاع العود في الوطن العربي والعالم ويناقشوا أحدث تقنيات صناعة هذه الآلة العربية العريقة.

كما يحضره أبرز عازفي العود والملحنون والمطربون وكل مهتم بالموسيقى العربية الأصيلة، وسيكون من الجيد جدًا أن تتضمن تلك المهرجانات ورش لتعليم صناعة العود والعزف عليه، فلابد للعرب أن يحسنوا استغلال تراثهم بشكل يساهم في نهوض الموسيقى العربية من كبوتها ويصنع نهضة موسيقية عربية جديدة كما يسلط الضوء على التراث الفني للعرب أمام العالم.

0

شاركنا رأيك حول "أمهر صُنّاع العود العرب في القرن العشرين"