المكانة الاعتبارية لرجل الدين بين الشعوب على اختلاف ثقافاتهم وانتماءاتهم، تمنحه حصانة وقُدسية مستمدة من قوة الأديان ومكانتها في قلوب الناس، أحيانًا يتم استغلال هذه المكانة بشكل سيئ من خلال فساد مادي أو تحرش واغتصاب وغيره، وأحيانًا أخرى يقف مع الحق والعدل ضد الظلم، هكذا تقريبًا نجد رجل الدين في السينما العالمية، بمزايا حسنة لطيفة وأخرى سيئة إلى حد الشناعة. 

قس في مواجهة هنري الثاني

تدور أحداث فيلم Becke 1964 حول الملك هنزي الثاني (بيتر اوتول)، والذي يرغب في الحد من نفوذ الكنيسة ورجالها طمعًا في حكم مطلق وصفات ألوهية، فيقرر تعيين صديقه القديم القِس توماس بيكيت (ريتشارد بيرتون) لورد المستشار ليصبح رجله هناك، ويتفرغ هو للصيد والخمر وبيوت الدعارة، مما يزيد من غضب الملكة والدة هنري والنبلاء حول نفوذ بيكيت.

يطالب هنري بزيادة الضرائب على الكنيسة لتمويل حملاته العسكرية، ويدخل في صراع مع الأسقف ورجال كنيسة، في هذا الوقت يقف بيكيت في صف الكنيسة ضد هنري بسبب رعونته وأخطائه.

 رجل الدين في السينما.. بريء هَزمه الباطل 

في فيلم 2008 The doubt - أو الشك، تدور الأحداث داخل مدرسة كاثوليكية في أواخر الستينات، من خلال بطلين رئيسين؛ مديرة المدرسة الراهبة بوفير المُتشددة (ميريل ستريب)، والتي تمثل التيار المحافظ التقليدي، والقِس برندان (سيمون هوفمان)، والذي يمثل تيار التسامح والتُجديد في الكنيسة.

البداية مع القِس الذي يلقي عِظة عطلة الأسبوع حول الشك وأثره على المجتمع، ويربطه بانعدام الثقة في المجتمع والخوف من المستقبل، في نفس المشهد نجد الراهبة تتلصص على الطلبة لمراقبة سلوكياتهم، كما نرى الخوف منها في عيون الجميع.

تتصاعد الأحداث لنشهد القِس ينصح إحدى الطالبات بالاعتراف لزميلها بحبها، كما يجلس مع الطالب الوحيد في المدرسة ذو البشرة السمراء، والذي ينصحه بالاندماج وسط الطلبة وأنه ربما يكون أفضلهم بأخلاقه ونجاحه.

بين الراهبة والقِس، تقف الراهبة الشابة جايمس (ايمي ادامز)، هي إنسانة طيبة وبريئة، تقف حائرة بين الراهبة المُتشددة التي تحبها، وتلتزم بتعاليمها وتعتبرها القدوة لها، وبين القِس المتسامح والذي تحبه وتقتنع بأفكاره، ونتيجة إدارة الراهبة الصارمة للمدرسة وخوفها من نجاح القِس في التأثير على الطلبة، تتهمه بوجود علاقة شاذة بينه وبين الطالب ذي البشرة السمراء، وتنجح في فصله من المدرسة والكنيسة، لينتهي الفيلم بنجاح التيار المُحافظ، لكن تسأل نفسها عن مدى صحة ما فعلته مع القس، وتبدأ هي نفسها مرحلة الشك في كل شيء.

قَداسة تنتهك الإنسانية 

قصة حقيقية يعرضها فيلم Spotlight 2015 حدثت في إحدى كنائس بوسطن، من خلال فريق سبوت لايت والذي يبدأ تحقيقات في واقعة اعتداءات جنسية تجاه أطفال متهم فيها قساوسة، وهي الجريمة التي هزت بوسطن في وقتها وتواطأ الجميع مع الكنيسة خاصة الشرطة والقضاء بالصمت وهو ما سمح باستمرار هذه الاعتداءات لمدة 10 سنوات.

كشف الفيلم بوضوح أنه لا أحد يتمتع بالقداسة أمام انتهاك إنسانية أحد ومخالفة القانون، كما أدان الصحافة التي التزمت الصمت حتى جاء رئيس تحرير جديد وهو الذي فجر القضية وأعادها للأضواء وكان سببًا في فتح التحقيق في هذه الممارسات، وطلب الفيلم في النهاية بأن تكشف وسائل الإعلام عن كل ما هو مسكوت عنه مهما كانت قوة وأهمية المخطئ.

 رجال الدين والعسكر.. جلادون وقتلة 

فيلم المستعمرة (Colonia) 2015 هو أيضًا عن قصة حقيقية، حدثت في شيلي عقب الانقلاب الدامي عام 1970 للديكتاتور بيونشيه، المدعوم من المخابرات الأمريكية ضد الرئيس سلفادور اليندي، حيث جرت أعمال قتل واعتقال الآلاف من الشعب، ومنهم بطل العمل المصور دانيال، الذي يتم إيداعه وآخرين في مستعمرة الكرامة، حيث مورست شتى أنواع التعذيب الجسدي ضدهم.

من بعيد يقف خلف النافذة رجل الدين بايوس المهووس جنسيًا بالأطفال، يتابع مشاهد التعذيب، ثم يتدخل موضحًا أن ما فشلت فيه أدوات التعذيب والخوف سوف تنجح فيه أساليبه النفسية وكلمات الرب.

تنضم لينا إلى المعسكر متطوعة من أجل البحث عن دانيال، وتخضع في البداية للتحقيق من قِبل بايوس والذي يستخدم كلمات الرب وأسلوبه الناعم في إغوائها، حتى أنه ينزع عنها ملابسها الخارجية ويضمها إليه، كان الحوار وملامح وجهه دليلًا جديدًا على فسقه وفساده، تبدأ لينا في البحث وسط المستعمرة عن حبيبها ولأن المستعمرة غلب عليها الطابع الديني والعسكري كان هناك فصل بين الرجال والنساء.

الغلبة لتيار الكنيسة المٌتشدد 

يتحدث فيلم (The Two Popes) 2019 عن رحلة صعود واختيار البابا، ومنها نتطرق للصراع بين الجبهة المُتشددة المحافظة وتيار التغيير والتجديد، من خلال المنافسة بين الكاردينال الألماني جوزيف راتزنغر والكاردينال الأرجنتيني ماريو بيرجوليو.

قبل ذلك كانت الكنيسة غارقة في الفضائح المسربة عن فساد مالي وتحرش بالأطفال، عبر عنها المخرج بكل ذكاء من خلال إحدى لوحات الكنيسة لرجل يخبئ عورته، مع الحديث عن فساد مالي داخل الكنيسة.

لا يهتم الفيلم بتوثيق رحلة اختيار البابا ولا كواليس الكنيسة بقدر ما يعرض مقارنة بين تيارين متناقضين؛ من خلال التطرق لشخصية المرشحين حيث نجد البابا بينديكت محافظًا يعيش بمفرده ومريضًا (دليل على ما أصاب الكنيسة من شيخوخة ومرض)، أما المنافس له البابا فرنسيس يتمتع بالحيوية من خلال ركوب الدراجة ولعب كرة القدم وأكل البيتزا في الشارع ورقص التانجو داخل الكنيسة، وفي النهاية يفوز التيار المحافظ وتنهزم رياح التغيير والتجديد.

وأخيرًا ستبقى شخصية رجل الدين مسار اهتمام صُناع السينما لما لها من مكانة كبيرة خاصة وإن كانت تحمل كثيرًا من التناقضات وبعض المخالفات الأخلاقية والفساد، وتُخفي أكثر مما تُظهر فلا قداسة لأحد أمام القانون والأخلاق.  

اقرأ أيضًا: كوميديا “طرطوف” لـ موليير.. مُحتال ومُتلاعب بالعقول تحت مظلة الدين