مراجعة فيلم "الباب المفتوح"
0

“وأنا أحبك وأريد منكِ أن تحبيني، ولكني لا أريد منك أن تفني كيانك في كياني، ولا في كيان أي إنسان، ولا أريد لكِ أن تستمدي ثقتك في نفسك وفي الحياة، مني أو من أي إنسان، بل أريد لكِ كيانك الخاص المستقل، والثقة التي تنبعث من النفس لا من الآخرين”.

تلك كانت الرسالة التي وجهها صناع فيلم “الباب المفتوح” لبطلة القصة، ولكل فتاة تنتظر تلك اليد التي ستمسك بها لتمنحها الثقة والقوة، وتصل بها لبر الأمان، فتكون الرسالة واضحة للمرأة، بألا تستمدي قوتك من أي إنسان، وألا تفني كيانك في كيان أي إنسان، بل كوني مستقلةً بذاتك.

الفيلم قدمه المخرج “هنري بركات” عام 1963، وشارك في بطولته: فاتن حمامة، صالح سليم، حسن يوسف، شويكار، محمود مرسي، ومحمود الحديني، مقتبس عن رواية الكاتبة “لطيفة الزيات” التي تحمل الاسم نفسه، والتي خرجت للنور عام 1960، وشارك في كتابة السيناريو والحوار “يوسف عيسى”، وقد فاز الفيلم بجائزة مهرجان جاكارتا السينمائي كأفضل فيلم، وفازت “فاتن حمامة” بجائزة أفضل ممثلة في المهرجان ذاته.

تناول الفيلم فترة ما قبل ثورة 1952 حتى العدوان الثلاثي 1956، وتدور أحداثه حول شخصية (ليلى)، التي تعيش في أسرة من الطبقة المتوسطة، تتأثر بما تنتجه الثورة من أفكار، تحاول معها أن تعبر عن تمردها وتشارك في التظاهرات الطلابية التي تملأ البلاد، إلا أنها تُقابل برفض تام من أسرتها، التي تحاول أن تعيدها للمسار التقليدي المرسوم لأي فتاة من هذه الطبقة.

فيبدأ الصراع بداخلها بين الحياة التقليدية التي تنتظرها بعد أن تقدم لخطبتها أستاذها في الكلية، الرجل الشرقي المتسلط، وبين وقوعها في حب شاب ثائر متفتح ومتمرد على الأشكال النمطية في الحياة، والذي يساعدها على التحرر من قيودها، ولكن خوفها من هذا التمرد يدفعها لأن ترضخ لما تريده لها عائلتها، ولكن في النهاية تقرر أن تكسر قيودها، وتبدأ رحلتها من أجل إيجاد ذاتها، فتنضم لصفوف المقاومة الشعبية في بورسعيد أثناء العدوان الثلاثي، برفقة من تحب.

مشهد من فيلم الباب المفتوح

افتحوا الأبواب للحرية

أهم ما يميز الفيلم هو ذلك الربط بين حرية المرأة وحرية الوطن الذي عانى من ويلات الاحتلال والحروب لسنوات، حتى أن (حسين) ذكرها بشكل مباشر في خطابه الذي أرسله لـ (ليلى) في الجامعة، حينما قال لها “أصبحتِ أنتِ رمزًا لكل ما أحبه في وطني”، فـ (حسين) هو المهموم بالبحث عن حرية (ليلى) تمامًا كما يبحث عن حرية وطنه، فهى الوطن الذي يحن إليه، ويريده أن يتحرر من قيوده، ويريد أن يضحي لأجله.

كما أننا رأينا الأحداث السياسية في مصر تسير بالتوازي مع تطور أحداث (ليلى) الشخصية، بل والمحركة للأحداث، فنرى حريق القاهرة، عقب اكتشاف (ليلى) لخيانة (عصام)، والتي تعبر عن الحريق الذي يشتعل بداخلها أيضًا، ومع ثورة 52 والأمل المنتظر ومن بعدها العدوان الثلاثي، نقابل في الكلية رسائل (حسين) التي تدفع (ليلى) نحو التحرر والانطلاق، ثم يظهر الدكتور (فؤاد)، فالعدوان الثلاثي الذي وقع على مصر كان يقابله قهر وسلطة على حياة (ليلى)، ومحاولة لقتل أي أمل لها في الاستقلال.

حتى أننا نجد العنوان الرئيسي في الجريدة يقول “فرنسا وإنجلترا تقرران الهجوم على مصر” مباشرة بعد مشهد تقف فيه (ليلى) بين أبيها و(فؤاد)، وبالرغم من خطابية الفيلم ومباشرته الشديدة في بعض المشاهد، إلا أنه يُعتبر علامة من علامات السينما النسائية.

فهنا الحرية التي يُنادي بها الفيلم هي أيضًا حرية لوطن نتمنى له أن تُفتح أبوابه المغلقة عليه وعلى أهله، وأن ينطلق ويصبح أكثر تقدمًا اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا، والأمر نفسه لحرية المرأة وتعبيرها عن حقوقها، ليكون “الباب المفتوح” هو باب للحرية وللحب ولإثبات ذاتها.

فبالرغم من خوف (ليلى) الذي جعلها تغلق الباب أمام حريتها وأمام حبها لـ (حسين)، إلا أن نداء الحياة وتيارها الجارف كان الأقوى، وظل يصارع بداخلها حتى ينجو، فنحن من نقرر مصيرنا ونختار ما الذي سنكون عليه.

مشهد من فيلم الباب المفتوح 2

وصايا الفيلم للفتيات في كل زمان

حمل الفيلم في طياته الكثير من الرسائل والوصايا للمرأة، والتي تصلح لكل وقت ومع كل جيل، فهو لا يزال حتى الآن ملهمًا للفتيات، الوصايا المباشرة وغير المباشرة لكل فتاة متمثلة في شخصية “ليلى” والتي ظهر أغلبها على لسان “حسين”، كان أهمها بأن يكون للفتاة كيانها المستقل، ألا تنجرف خلف عواطفها فتتلاشى في الحب وتلغي شخصيتها تمامًا، وتنسى معها أحلامها.

أن تثق بأنها الأفضل لأنها كذلك وليس لأن أحدهم يعتقد ذلك، فلا تستمد ثقتها بنفسها وصورتها الذاتية من الشخص الذي تحبه، لكن تحب نفسها في كل الأحوال، وأن تلمع عينيها دائمًا بالحب، ولكن الحب الحقيقي الواقعي وليس كما تقرأه في الروايات.

“الركود موت لا حياة” هذه الجملة التي جاءت على لسان “محمود” شقيق “ليلى” في خطاباته، كانت هي أيضًا رسالة هامة لكل فتاة تحلم بالحياة الهادئة المستقرة، وتراها هي الحياة المثالية، رغم أن المغامرة هي سبب استكشافنا لكل جديد، ومصدر خبراتنا في الحياة، فهناك فرق كبير بين الركود والاستقرار.

“كل السكة دي لوحدي! دي السكة اللي ضروري تمشيها لوحدك” رسالة أخرى هامة، حيث تعيش الفتيات حياتهن بين الاعتماد على الأب والأخ، ثم الاعتماد على الزوج، دون الاهتمام بالاعتماد على أنفسهن، أو أن يعشن مغامرة الحياة دون الاعتماد على أحد، فتمر حياتهن دون اكتشاف قوتهن الحقيقية، ودون أن يجدن أنفسهن.

لم يهمل الفيلم أهمية أن تعيش الفتاة واقعها وتفعل ما تؤمن به دون خوف، وألا تفكر في العوائق التي يضعها في طريقها المجتمع تحت مُسمى العادات والتقاليد، فتضيع سنوات عمرها في التمني والتحسر على ما فاتها، فلا تكبري أبدًا على الحب والسعادة والاستمتاع بالحياة، لا تتوقفي عن ارتداء الألوان المشرقة خوفًا من أنها لا تناسب سنك، لا تتوقفي عن الحلم والحب، فكانت هذه وصية أخرى من (حسين) اختصرها بأن يقول “الواحد أحسن له ما يكبرش من إنه يضيع إيمانه بالحب”.

الباب المفتوح

 

رصد لحال البيت المصري في هذه الفترة

اهتم المخرج أن يُظهر في الفيلم أهم ما كان يميز هذه الفترة، من طبيعة الحياة، لاهتمامات أفراده، حيث نجد العمارة التي تسكنها عائلتين مصريتين هما بيت الأم وبيت الخالة، المختلفين في أسلوب التربية، لكنهم متفقين في الخوف من الناس ومن الفضائح، وضرورة اتباع الأصول وفق ما يراه الناس من حولهم.

كما تظهر اختلاف طريقة التعامل بين الولد والبنت داخل الأسرة، ومقدار الحرية التي يحصل عليها الولد في طريقة التعبير وفي السماح بالتواجد في المجال العام، بخلاف الفتاة التي ترى الأسرة أن مشاركتها في مظاهرات سياسية سوء تربية وخروج عن الآداب كما ورد على لسان والد (ليلى)، وتعرضها للضرب كأداة للتأديب والعقاب للخروج في المظاهرات، وعتاب والدتها لها بكون ما قامت به “فضيحة في الحتة”.

الصح والخطأ، العقل والجنون، مفاهيم كثر استخدامها أيضًا في الفيلم، فمن يتبع عادات وتقاليد الآباء والأجداد كما هي دون نقاش، فهو العاقل المطيع الذي يفعل الصواب، على عكس من يتمرد لأي سبب كان، فهو المجنون الذي يخالف الأصول، كما أن من الحوارات المهمة في الفيلم، حوار الفتيات الثلاث يوم حفل خطوبة (جميلة)، ونقاشهن حول الزواج وكيف يكون بغير حب، ويتطرق الحوار إلى نقطة هامة وهي عدم فهم الجيل الذي تنتمي له الثلاث فتيات لمفهوم الحب، وما إذا كان حلالًا أم حرامًا.

فحرية المرأة في الوقوع في الحب الذي لا تتوقف الروايات والأغاني عن الكلام عنه، هو نفسه الذي إذا ما فكرت فيه الفتاة مجرد التفكير، يثير ذلك حفيظة المجتمع، ويصفها بأسوأ الصفات.

رصد لشكل الحياة في البيت المصري

نماذج مختلفة من الرجال في حياة “ليلى”

ظهرت نماذج متعددة من الرجال في حياة (ليلى) وهي الموجودة غالبًا في حياة كل فتاة، حيث نجد الأب المتسلط العنيف، الذي يقمع الابن عندما يمارس نشاطًا سياسيًا، لكن عقابه له بعيد عن الأذى البدني، على عكس ما تتعرض له الفتاة، والتي هي عرضة للقهر والقسوة المضاعفة لأنها لا تنتمي إلى عالم الذكور، وتتحول أخطاؤها إلى خطايا لا مجال فيها للتهاون، وحتى برغم التحاقها بالجامعة وتهيئها للزواج والعمل، فإن هذا لا يشفع لها لكي تتغير معاملة الأب العنيفة معها.

أما (محمود) الأخ المتفتح التقدمي، المؤمن بنظريات الحرية والمساواة، ولكنه ما زال حبيسًا للثقافة التي نشأ بها، والتي تُملي عليه ما يمكن فعله وما لا يمكن، ورغم اعتماد (ليلى) عليه في دعمه لها، إلا أنه يستسلم لأعراف المجتمع وبما يقوله والديه.

وهناك (فؤاد) الدكتور الجامعي، الذي لا يرى في (ليلى) سوى زوجة مطيعة، يسهل تشكيلها وإخضاعها وفق ما يريد، وهو يمثل ذكورية المجتمع رغم قشرة المثقف التي تغلفه، ولكنها لا تغير جوهر الاستبداد والتحكم فى المرأة بداخله، فهو متشبث بالأصول والتقاليد الموروثة، دون مراجعة جدواها ومدى توافقها مع متطلبات الحاضر، وهو صورة أخرى مكررة للأب الذي يرفض تحرر المرأة، ويرفض إبداءها لرأيها حتى فيما يخصها.

نماذج للرجال في حياة ليلى

أما (عصام) ابن خالتها وحبها الأول، فهو لا يرى فى المرأة إلا جسدًا، تحركه فقط الشهوة الجنسية ويغلفها بكلمات الحب، وخيانة (عصام) ليست هي السبب الوحيد لفشل قصة حبه معها، وإنما يكمن السبب الحقيقي في شخصيته المهتزة، ومفاهيمه عن الوطنية والمرأة التي لا تتوافق مع مفاهيم (ليلى).

ثم يظهر مع الأحداث (حسين) الشاب الوطني الواعي صاحب المبادئ، الذي يريد لها الحرية والكيان المستقل مثلما يريده للوطن، ويرى في حبه لها القوة التي تدفعه للأمام، لكن يصطدم بتهربها من حبه، بسبب فقدان الثقة الذي تعاني منه بعد تجربتها مع (عصام)، ولكن رده عليها يكون بأن الحياة لم تنتهِ، وأنها فقط أساءت الاختيار.

فهو بداخله يدرك بأنها لم تستطع أن تقف على قدميها بمفردها، وإنما اعتمدت دائمًا على شخص آخر، فهي مفروض عليها التبعية للرجل، سواء الأب أوالأخ أوالحبيب أو جميعهم، لهذا تعجز بمفردها عن مواجهة الحياة، وهنا نرى مدى إظهار الفيلم لهذه النماذج بشكل واضح وصريح.

فيلم الباب المفتوح

“هنري بركات” أحد فرسان الواقعية والمنتصر للمرأة في أفلامه

رغم أن كل ما في الفيلم كان يؤهله لأعلى درجات النجاح، إلا أنه لم يحقق تلك النجاحات المتوقعة وقتها، ويرجع السبب كما رآه البعض لخلوه من المفاجآت، وأن القصة لا تحمل جديدًا، ومع ذلك استطاع الفيلم أن يصبح واحدًا من أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية.

وفي مسيرة “هنري بركات” السينمائية، نرى علاقته الفنية الطويلة بـ “فاتن حمامة”، التي لعبت الدور الأساسي في أكثر من 20 فيلمًا من أفلامه، كما أنه واحدًا من أهم السينمائيين الذين عبروا عن قضية المرأة المصرية، فكان “بركات” المنتصر للمرأة بقوة، ويقف إلى جانبها ضد ظلم المجتمع لها، وعدم فهمه دوافعها.

تصوير الفيلم الذي استمر لسنة كاملة، نجح فيه “بركات” في إظهار شكل الحياة في تلك الفترة بواقعية شديدة، وأهم الأحداث التي كان من أهمها حريق القاهرة، حيث لم يجد “بركات” أي أرشيف سينمائي له، فقرر أن يعيد الحريق بمعالجة سينمائية، فطلب من المسؤولين أن يتم غلق مدخنة شركة الكهرباء لمدة طويلة، ثم فتحها فجأة فيخرج منها دخان كثيف.

وكان التصوير على سطح واحدة من العمارات أمام الشركة، كما استخدم قنابل دخان وحرق 12 برميلًا من المازوت، حتى يظهر الدخان كثيف وأسود، لدرجة شعر معها سكان القاهرة بأن هناك حريقًا بالفعل، حتى أن “فاتن حمامة” لم تستطع أن تنطق باقي الحوار بسبب دقة تنفيذ المشهد، فاكتفى “بركات” بتعبيرات وجهها الصادقة، كما أنه قام بتأجير قطار خاص بسائق في مشهد النهاية، ليتمكن من تصوير المشهد بدقة ومصداقية عالية.

أما بالنسبة لأداء الشخصية التي قدمتها سيدة الشاشة، فقد نجحت معها أن تحقق نقلة نوعية لصورة المرأة التي قدمتها على شاشة السينما، حيث تخلصت معها “فاتن” من شخصية الفتاة المظلومة والمغلوبة على أمرها، التي حُصرت فيها في أفلام الخمسينيات، واعتبر النقاد أن “بركات” ساهم في إبراز الأداء التمثيلي التلقائي لـ “فاتن”، واعتمادها على نظرة العين وتعبيرات الوجه، دون مبالغات في الأداء بشكل مسرحي.

مشهد من فيلم الباب المفتوح 3

0

شاركنا رأيك حول "أطلقي جناحيكِ وحلقي في السماء.. رسائل “الباب المفتوح” للفتيات من كل جيل"