فيلم Eternal Sunshine .. عن قيمة الحب وعمق الذكرى

فيلم Eternal Sunshine
5

ماذا لو توفرت تلك المعجزة العلمية التي تسمح لنا بأن نعدل على ذواكرنا وتجاربنا وجراحنا؟ ماذا لو وُجدت تلك الشفرة البرمجية التي تنفذ برنامج السعادة على عقولنا ثم تُظهر لنا الــ”Out Put” المرجو مع صفارة النجاح المحببة “تيت تيت” “لقد تمت العملية بنجاح.. تهانينا أنت الان سعيد تماماً “؟! ماذا لو قُدم حتى عقاراً طبياً نتناوله ثم نستغرق بالنوم لنصحو ونجد أنفسنا مُحَررين تمامًا من ذكريات مزعجة لا نجني منها ثمارًا سوا أنها تشدنا بأغلالها إلى الوراء؟

حسنًا.. ربما سوف تجيب هذه التحفة السينمائية عن بعض هذه التساؤلات.

قصة الفيلم

جيم كاري و كيت وينسلت فيلم Eternal Sunshine

تدور أحداث الفيلم حول الثنائي الرومنسي “جول” (جيم كاري) و”كلمنتين” (كيت وينسليت) حيث تنشأ بينهم قصة حب تستمر لعاملين كاملين وفي غضون أسبوع واحد فقط يتحولان الى غرباء بسبب عمليه مسح لذاكرة كليهما، تبدأ بها “كليم” بأن تمحو كل ذكريات “جول” وكل ما يتعلق به ليتبعها هو بدافع الانتقام والهروب من بقايا ذكريات علاقة غدت أُحادية ولا يتألم من انتهائها أحد سواه.

تشعر “كليم” بأن رواسب سنتين من هذه العلاقة أثرت سلباً عليها لدرجة أنها جعلتها تكره نفسها، ويفجر كل هذا شك أو بالأصح ظنون “جول” السيئة حولها مما يدفعها لأن تتخذ قرار محو الذكريات.

يحدث كل هذا في عيادة أو مركز طبي يسمى “lacuna” وتحديداً في شهر فبراير، أنه الوجه الاخر لفبراير ولنقل فبراير الاسود – الذي في منتصفه عيد الحب -حيث يجد “جول” المكان مزدحم جداً بالمنكسرين الطامعين بجرعة من نسيان، ليبدو -وبشكل ساخر- وكأن الامر عمل موسمي لمركز النسيان من جهة ولشركات بطائق التهنئة الموجهة للحالمين الواعدين من جهة أخرى.

صراع الذكريات

كيت وينسلت و جيم كاري بالقطار فيلم Eternal Sunshine

يذهب “جول” الى العيادة بحماس وغضب ورغبة عارمة ليمحو أيضًا “كليم” من حياته نهائيًا، يطلب منه الطبيب أن يتخلص من كل أغراضه المتعلقة بها كالهدايا والصور والمذكرات والصوتيات وغيرها وذلك بأن يسلمهم للعيادة. يقوم بتسليمهم بالفعل ويسلم أيضًا رأسه للأطباء وللأجهزة التي تقوم بتتبع ذكريات “كليم” وتدميرها، وفجاءة يتحول هذا الغضب والرغبة العارمة في النسيان من “جول” الى رغبة عكسية تمامًا وهي الاحتفاظ بذكريات “كليم” وحمايتها من الاختفاء والزوال لا بل وينخرط في صراع مرير من أجل تحقيق هذا.

تُمكّن هذه التجربة “جول” من الدخول الى ذكرياته او بالأصح الدخول الى رأسه ليرى كل شيء ويسترجع المواقف من الأحدث الى الأقدم ليكتشف ان هذه الذكريات لا يجب أن تموت لأنها تستحق الحياة. يحاول أن يهرب بحبيبته بعيدًا عن تعقب أجهزتهم المتطورة، فمرة يعود بها الى الطفولة ومرة يهرب بها الى أخر نقطه في هذا العالم (القطب المتجمد) وهكذا يستمر صراع الذكريات هذا الذي يطول الى أكثر من نصف الفيلم بشكل خيالي فانتازي سريع ومتعاقب يظهر من خلاله تفاصيل القصة على خطين متوازيين بين ذكرياته القديمة وما يحدث في رأسه الان، يسترجع فيه “جول” كل ذكرياته مع “كليم” ويدرك كم أحبها رغمًا عن أنف تلك الخلافات السخيفة التي بالغ كثيراً في تقديريها والتي لا تساوي شئيا مقابل مرارة النسيان الى الابد.

آلام الحب وفلسفته

صورة ابطال فيلم Eternal Sunshine

الفيلم يخدم قيمة الحب بفلسفة مختلفة تجعل منه رائعاً وبديعاً كلما انغمسنا في تفاصيله أكثر حتى في تلك اللحظات السريعة الخاطفة التي لم نُلقى لها بالًا أو ربما لتلك السخافات التي تململنا منها كثيراً، قيمة الحب أللا مشروط ومعنى قبول الاخر كما هو لا أن نتوقع منه تغيرات أخرى (أو أفضل) لأن هذا في الحقيقة هو أفة العاطفة وسرطانها.

يُصور الفيلم معنى لحظات الفراق المأساوية وعن قسوة النهايات التي تقتلنا بلا رحمة والتي تجعلنا نتصور حينها وبشكل ساذج أن القفز على هذه اللحظة الانتحارية والنسيان هو الحل الوحيد لكل ما سبق مستسلمين لفكرة الهروب الفاتنة والتي ربما قد تعقبها تبعات أخرى لا نتوقعها، وحتى إذا افترضنا تحقيق هذا النسيان الفوري وأستطعنا أن نبدد كل ذكريات العقل فأين ذهب القلب؟ خاصًة بعد أن أزعجونا الاطباء مؤخراً بأبحاثهم وأراءهم بأن القلب ما هو إلا دماغ ثانٍ يتذكر ويقرر ويبدو هذا صحيح الى حد لا يمكن إنكاره.

هذا ما حدث فعلا مع “جول” بعدما خسر معركة العقل مع الاطباء، فيقوده قلبه الى محطه “مونتوك” ليقابل تلك الفتاة صاحبة البلوزة البرتقالية التي سحرته أول مرة. يظهر الفيلم أن العاطفة أقوى بكثير من تلك الصورة المسطحة البليدة التي تعاملوا فيها مع الحب في رغبتهم المؤقتة لتجاوزه من خلال النسيان.

أيضاً يُظهر الفيلم فلسفة التكامل بين ثنائي مختلفين تماماً (الرجل الهادئ الانطوائي والشابة المشوشة المتقلبة) فحيث أن “جول” يحب القراءة الا أن “كليم” أقصى ما يمكن أن تتصفحه هو المجلات فقط رغم طبيعة عملها في مكتبة، يسخر منها جول في إحدى مذكراته ويشير إلى أنها تحرجه أمام اصدقائه بسطحيتها المفرطة، ليظهر لنا هذا أننا أحيانا نتذمر من تلك الاشياء الغير كاملة أو التي قد تبدو أنها لا تشبهنا تماماً ولكن السحر يكمن في هذا الاختلاف والتكامل.

السيناريو والإخراج

صورة فيلم Eternal Sunshine

كتب سيناريو الفيلم (تشارلي كوفمان) بطريقة تحمل في طياتها الكثير من الخيال والفانتازيا التي مُررت بسلاسة وخفة بالغة ليستحق فعلاً على هذا السيناريو جائزة الأوسكار 2005 لأفضل نص سينمائي، كما رُشحت وينسليت لجائزة أفضل ممثلة. إنتاج الفيلم كان في عام 2044 وهو للمخرج الفرنسي  ميتشل غوندري.

5

شاركنا رأيك حول "فيلم Eternal Sunshine .. عن قيمة الحب وعمق الذكرى"

أضف تعليقًا