السينما النظيفة
0

دافع ألان دونو في كتاب شهير له بعنوان نظام التفاهة عن أطروحة مفادها أن هذا النظام السائد هو نتاج خدمة مجموعة من التافهين والجاهلين وذوي البساطة الفكرية لأغراض السوق الذي ظلّ يواجه اليوم، أكثر من أي زمن مضى، أزمة أخلاقية وسلطوية عمّقت الهُوّة بين الثقافة والجماهير وبين أدوات التثقف والفرد.

ظهر ذلك مؤخرًا في مشرط الرقابة الذي صار يشقُّ الفنون حتى ينزع عنها جماليّتها ويفرغها من معانيها الأولى وفي مطرقة الدين والعرف التي باتت تكسر تحف السينما والشعر والفن التشكيلي بتعلّة كونها وقحة ومتّسخة.

من رحم هذه المفارقة التي لم تكن مطروحة بهذا الشكل أيام الشعر الجاهلي والقُبَلِ السينمائية المتتالية ومشاهد الراقصات وبائعات الهوى اللواتي تداعبن الحرفاء ثم تعدن معهم إلى النزل ولد مفهوم غير مفهوم ألا وهو “السينما النظيفة”.

السينما النظيفة والسينما “المتّسخة”

يقول أبو الطيب المتنبي في البيت 22 من قصيدة أمن ازديارك في الدجى الرقباء:

“ونَذيمُهُمْ وبهِمْ عَرَفْنَا فَضْلَهُ
وبِضِدّها تَتَبَيّنُ الأشْياءُ”

عملًا بعَجُزِ هذا البيت الجميل، تفترض عبارة “السينما النظيفة” وجود سينما أخرى متّسخة ومبّقعة ومدنّسة وفاسدة. بدأ الحديث عن هذه السينما “الأخلاقية” في أواخر تسعينات القرن العشرين في كلّ من سوريا ومصر ولبنان وقد جاء في سياق ردّ وحيلة دفاعية صاغها العقل بغرض حماية النفس من مشاهد القُبل والجنس والأجساد والملامسات التي ظهرت في الشاشات في فترة الثمانينات وحتى السبعينات كما لو كانت تعابير دخيلة عن الفيزيولوجيا البشرية والتجارب الحياتية.

تزامن هذا مع انتشار الإسلام الوسطي ومع تصاعد الليبرالية الإسلامية في صفوف الطبقات الوسطى القريبة من البرجوازية وقد كان تمامًا كالعنصرية المضادة إجابة مبتذلة وسطحية على النَفَس الثوري والمتمرد على النظم الاجتماعية الذي اجتاح عالم الأبيض والأسود ثم العوالم الملونة التي حلّت بعده من خلال أفلام عديدة كالفيلم السوري “راقصة على الجراح” والفيلمين المصريين “سلام يا صاحبي” و”طيور الظلام“.

لم يقتصر هذا المفهوم الذي لا يسمن ولا يغني عن جوع على فترة تاريخية محددة، إذ صار يلازم السينما كما تلازمنا ظلالنا ويظهر كلما صوّر وبُثّ مشهد اعتبره المدافعون عن هذه الفكرة مشهدًا خادشًا للحياء والأخلاق. ولئن كانت تبريرات هذه المجموعات أخلاقية في نظرهم، فهي بالعكس تمامًا حجج تشجّع على تكريس خطاب الكراهية والتحرّش الجنسي وتحرّض على العنف وعدم تقبّل الآخر علاوة على سلعنة المرأة وتشويه الجنس.

“الله جميل يحبّ الجمال” السينما بين الجمالية والرقابة

يقول الشاعر التونسي الصغير أولاد أحمد في قصيدة جميلة له:

“إذا كنت أنثى حقيقيةً
أرجعينا إلى بطنك الآن
ولْتلدينا جميعا إناثًا… لكي نتساوى
فهذا الذي اسمه رجلٌ لا يطيق التذكر من أين جاءَ
ويُحْزنه أن أمًّا له
أدخلتْ رجلًا قبْلهُ
ثمّ لانتْ لهُ.. زُنْطةً حافيهْ.”

يتبنّى المتحدثون عن السينما النظيفة رؤية هذا الرجل الذي تحدّث عنه أولاد أحمد والذي ظلّ يرفض أن يرى الحقيقة التي ولد من رحمها والفعل الجنسي الذي أتى به إلى هذا الوجود وهذه المرأة التي تنفي مشاركتها في هذه العملية الطبيعية وحاجتها لإشباع هذه الرغبة، نافين بذلك طبيعة الأشياء ومنتفين فيها. فالحقيقة هي الحقيقة التي تحتفي بنظافة لذاتها الجنسية وتعرّي قذارة خطاباتها الكاذبة والمزدوجة، والواقعية هي أن تصور الأشياء والظواهر كما هي، لا كما تفرض عليك خلفيتك الفكرية أو الطبقية أو الدينية.

فسحت هذه الأطروحة المجال للرقابة التي صارت تقطع الرؤوس وتسحب الرخص وتمنع الحفلات وتطالب البرلمانات بتغيير عناوين مسرحيات عظيمة كمسرحية المومس الفاضلة لجون بول سارتر مثلما صارت تحكم على الأفلام من خلال المشاهد التي يجتمع فيها الرجل والمرأة ثم تمنع عرضها استنادًا على مسطرة تقيس بها طول الفساتين وعلى كراس شروط تطبقه على العلاقات الإنسانية.

“السينما النظيفة جهل” هكذا قالت إلهام شاهين

دافع عن أطروحة تحرر الفن من مخالب وحوش التطهير والرقابة الكثير من الفنانين وكاتبي السيناريو والنقاد من أمثال منى زكي وشيرين رضا ونيللي وكريم عبد العزيز وسوسن بدر والعظيم وحيد حامد وخالد منتصر والسيناريست باسم شرف، وقد أجمعوا على أن في هذا النعت إساءة للفن وللفنانين وأن السينما لا يمكن أن تختبئ وراء هامش ما حين يقتضي النص محاكاة الواقع بما فيه من تبادل قبل واحتضان وتقارب أجساد.

تباينت الردود وكانت الفكرة واضحة ورافضة لكل قيد ولكل سلسلة ولكل نص مقدّس لا يقبل التأويل والقراءة والفهم، غير أن تصريحات إلهام شاهين الحادّة والفجّة التي تلت اعتزال المغني الأردني أدهم النابلسي الغناء لم تنصف القضيّة كما لا تنصف الكثير من الخطابات النسوية الهيستيرية مثلًا الحراك النسوي الإنساني. فبالرغم من صحة كلامها كان أسلوبها فظًا مما نصب لها المشانق وأحالها على المحاكم الشعبية الظالمة.

تجاوزت إلهام شاهين في برنامج كلمة أخيرة مع لميس الحديدي حادثة اعتزال النابلسي للفن وفكرة السينما النظيفة عمومًا لتهاجم بصفة مباشرة حلا شيحة التي اعتزلت التمثيل مرة أولى ثم عادت إليه حتى تتركه مرة ثانية عندما ارتبطت بالداعية معز مسعود. لم تقف حلا عند هذا الحد بل كانت تتبنّى نفس أقوال الممثلة الكويتية المعتزلة سعاد سليمان التي رفضت مواصلة التمثيل بعد ارتداء الحجاب، باعتبار الفن فعلًا محرّمًا وخبيثًا.

ذلك ما جعل ضيفة البرنامج تستشيط غضبًا وتهاجم في محطة أولى زميلتها السابقة قائلة بصريح العبارة: “اللي عايز يعتزل الفن ويختفي وميشتغلش براحته بس ميعملش فيها داعية دينية” قبل أن تردّ في محطة ثانية على الممثلة الشابة منة عرفة التي أثارت ضجة إعلامية حين قالت في أحد الحوارات: “أنا لا بتشال ولا بتحضن ولا بتباس”.

اعتبرت إلهام السينما النظيفة جهلًا ولم تكتفِ بذلك فقالت بنبرة حادة إن أنصار هذا الصنف السينمائي لا يحترمون كبار النجوم من أمثال هند رستم وشادية وفاتن حمامة. تحدثت بانفعال شديد حتى سقطت في خطأ مهاجمة زميلاتها اللواتي رفضن المشاركة في مشاهد التعرّي والأحضان، فصارت تستعمل مثلهم تمامًا خطابًا تكسوه الرداءة ويحكمه العنف.

بين هذا وذاك وبين هسترة إلهام شاهين والجانب الصائب في رأيها، تظهر ازدواجية المعايير التي يتعامل بها المشاهد العربي مع السينما العربية والعالمية، إذ يشرب نخب القبل الفرنسية التي تجمع ماريون كوتيار ببراد بيت من جهة ويلعن قبلة تشاركها عبد المنعم عمايري وكندة حنا من جهة أخرى، فاضحة بذلك رجعية هذا المشاهد الذي لا تعنيه السينما النظيفة بقدر ما تثير غضبه السينما عمومًا حين تُمارس في الربوع العربية.

اقرأ أيضًا: “الخلاعة والدلاعة مذهبي”.. هل كانت رقابة هاني شاكر ستقف أمام أغاني أم كلثوم؟

 

0

شاركنا رأيك حول "إما البوس والتعرّي أو السينما النظيفة.. لم لا يكون هناك خط معتدل؟"