أغاني المهرجانات
0

لم يكترث محمود أحمد الشاب العشريني بقرارات نقابة المهن الموسيقية في مصر سواء بحظر أغاني المهرجانات أو بتقنين أوضاعها، وقرر استئجار شقة صغيرة لتكون مقرا لأعماله الغنائية، ومكتبا يجتمع فيه بعدد من أصدقائه المهتمين بهذا النوع من الغناء.

وكان هاني شاكر، نقيب المهن الموسيقية في مصر قد قرر في فبراير من العام الجاري حظر أغاني المهرجانات نتيجة مخالفتها لقواعد الأخلاق، قبل أن يقنن أوضاعها -بعد أقل من شهر- عبر بيان ثان لنقابة المهن الموسيقية، يكشف فيه عن إنشاء شعبة جديدة داخل النقابة تحت اسم “شعبة الأداء الفني”.

يقول أحمد أو العالمي كما يلقبه أصدقاؤه في تصريحاته إلى”أراجيك” إن اهتمامه بالغناء الشعبي و أغاني المهرجانات بدأ منذ أن كان طالبا بالمرحلة الإعدادية من التعليم، وذلك أثناء حضوره لأحد الأفراح الشعبية للمرة الأولى، مضيفا بأن حبه لتلك النوعية من الأغاني وإنجذابه إليها جعله يكتفي بالمرحلة الإعدادية، وعدم حرصه على إكمال تعليمه، كما شدد على أنه لا يعرف شيئا في حياته غير غناء المهرجانات.

أبرز ما يميز أغاني المهرجانات

يُعدّد أحمد أسباب اتجاهه وغيره لغناء المهرجانات، بقوله إن الأمر لا يتطلب أموالا كثيرة، فلا يحتاج أي مؤدي للمهرجانات في بداياته سوى لجهاز كمبيوتر يكون مدعوما بكارت صوت خارجي، ومايك، وسماعة رأس، وبرنامج يتم تثبيته على الحاسوب، وهو ما لا يتعدى العشرة آلاف جنيه مصري في أغلب الأحوال (600 دولار أمريكي تقريبا)، كما أن الشهرة الواسعة والأموال الكبيرة التي يحصل عليها بعض مؤدي المهرجانات في سن صغير ساهما في زيادة الاهتمام بغناء المهرجانات وبخاصة بين الشباب، لافتا إلى الدور الهام الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في شهرة المطرب في وقت قصير، وارتفاع أجره بين عشية وضحاها.

وعن أبرز ما يميز أغاني المهرجانات ويساهم في انتشارها، يؤكد أحمد على أن كلمات أغاني المهرجانات، وانتماء غالبية مؤديها إلى الأوساط الشعبية، جعل قطاعا عريضا من الشعب المصري يشعر معها بالألفة وعدم الغربة، فضلا عن حالة البهجة التي تبعثها أغاني المهرجانات في حال مستمعيها، وهو ما يدعمه سيطرتها على النسبة الأكبر من الأغاني داخل الأفراح سواء بالأحياء الشعبية أو الراقية.

كما يتفق أحمد مع الرأي المطالب بضرورة محاربة الاسفاف والابتذال في كلمات بعض أغاني المهرجانات، ويعتبر انضمام مطربي المهرجانات لنقابة المهن الموسيقية مستقبلا بمثابة الحافز لوجود رقابة داخلية من المطرب ذاته تجعله يدقق اختياراته.

آراء الجمهور في أغاني المهرجانات

لا تقتصر متابعة أغاني المهرجانات على سن معين أو فئة اجتماعية محددة بل تمتد لتشمل فئات المجتمع كافة بصورة أو بأخرى.

هنا عبدالحميد، الطالبة بالصف الأول الإعدادي، تقول إلى “أراجيك” إنها لم تكن تعرف بأغاني المهرجانات، ولم تستمع إليها إلا بعد إنشائها لحساب شخصي على برنامج “تيك توك” الشهير (أحد برامج وسائل التواصل الاجتماعي) حيث يتم الاستعانة بتلك الأغاني في غالبية الفيديوهات الموجودة بالبرنامج، وهو ما دعاها لإعادة الاستماع لتلك الأغاني كاملة، مشيرة إلى أنها أصبحت تحفظها عن ظهر قلب، متمنية أن تستعين المؤسسات التعليمية في مصر بمطربي المهرجانات من أجل غناء المقررات الدراسية حتى يسهل حفظها.

لم يختلف الحال كثيرا بالنسبة لأحمد مجدي، الطالب بالجامعة البريطانية في مصر، إذ يؤكد حبه واهتمامه بتلك النوعية من الأغاني، مقللا من نسبة عدم متابعيها. كما كشف عن اهتمامه -على المستوى الشخصي- بالأغاني التي تحوي كلمات بذئية (مبتذلة) كونها تكشف بداية عن طبيعة الحياة داخل المجتمعات الشعبية والفقيرة بصورة ما، فضلا عن تأثيرها في طبيعة شخصيته بإضفاء بعض الخبرات، إلا أنه عاد ليؤكد اهتمامه بالكلمات المبتذلة، وبغض النظر عن نتائجها وتأثيراتها السلبية أو الإيجابية.

أما سامية أحمد، على المعاش، فتقول إنها تتابع أغاني المهرجانات وتسمعها من آن إلى آخر، وتشعر مع بعض أغانيها بالبهجة والسعادة المفرطتين، لافتة إلى أنها حينما تستمع إلى بعض الأغنيات الصادرة عبر مكبرات الصوت الموجودة بالتوكتوك (مركبة ذو ثلاث عجلات)، على سبيل المثال، تتمنى ألا تتنهي وأن يستمر التوكتوك بالوقوف بالقرب من منزلها المتواجد على الشارع الرئيسي بأحد الأحياء، وتعتبر تقنين أوضاع مطربي المهرجانات خطوة جيدة .

الآراء المؤيدة والمتابعة لأغاني المهرجانات، تبدلت لدى رفعت محمد، الضابط المعلم بكلية الشرطة بإحدى الدول العربية، والذي يقضي أجازته بمصر، إذ يشدد على عدم اهتمامه بتلك النوعية من الأغاني، ولا يفضل الاستماع إليها، إلا أنه اعتبر المطالب بالرقابة على تلك الأغنيات بمثابة التقييد الواضح لحرية الإبداع، وناشد المهتمين بحال الغناء في مصر بضرورة السماح للأجيال الصغيرة والناشئة بخوض التجربة بأنفسهم والاستفادة من أخطائهم.

الآراء النقابية، والبحثية

يقول مفتش نقابة المهن الموسيقية في مصر، عبده سعيد، إن انتشار مطربي المهرجانات داخل مصر أصبح يتطلب تدخلا مباشرا من جانب النقابة يستدعي الحفاظ على هيبة ومكانة الفن المصري على الساحتين الداخلية والخارجية، مضيفا ‌بأن هذا التدخل لا يعني الرقابة على حرية الإبداع، وإنما السيطرة على حالة الفوضى المنتشرة على الساحة الفنية نتيجة الانتشار العشوائي لأغاني المهرجانات، رافضا الاتهامات الموجهة لنقابة المهن الموسيقية بتقييدها للحريات.

كما أكد سعيد حرص النقابة في جميع الحالات على مصلحة الدولة والمواطن من ناحية، والفنان من ناحية أخرى، فلا يجب أن يخل الفنان سواء أكان عضوا نقابيا عاملا أو منتسبا بحقوق الدولة أو المواطن.

وتابع، بأن النقابة تمنح لأعضائها كافة حماية في مواجهة جهة العمل الخاصة بهم من: فنادق، وملاهي ليلية، ومنشآت سياحية..إلخ حال تجاوز الأخيرة في حق أعضائها، والعكس صحيح. فالنقابة تعتبر في هذه الحالة وسيطا بين العضو، وجهة عمله.

وعن طبيعة عمله، يقول سعيد إن النقابة تقوم بتوزيع عدد من المفتشين على جهات عمل الأعضاء المختلفة، ويختص كل مفتش بجهة عمل محددة كالفنادق، أو الملاهي الليلية على سبيل المثال، ويلتزم كل مفتش بمراجعة التراخيص الخاصة بالمطرب وأعضاء فرقته، والتأكد منها قبل بداية فقرتهم الفنية، وفي حال مخالفة أحدهم ذلك يتم تحرير محضر بالواقعة، والذي قد يترتب عليه – بعد إجراء التحقيقات- وقف مزاولة المهنة لفترة زمنية مؤقتة أو دائمة، كما قد يتم تحرير محضر بحق المطرب أو أحد أعضاء فرقته حال قيام أحدهم بمخالفة اللوائح الداخلية لجهة عملهم أو الإقدام على فعل مشين كشرب المخدرات على المسرح، مضيفا بأنه في حالات نادرة يتم توقيع مخالفة على مطربي النقابة نتيجة كلمات أغنياتهم المبتذلة.

إلى ذلك، وفي دراسة صادرة عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير في مصر، حملت عنوان: “فخ تقنين المهرجانات: الاعتراف مقابل نزع الهوية” للباحثة سارة رمضان، اعتمدت فيها على رصد وتحليل للتصريحات والقرارات الصادرة عن مجلس نقابة المهن الموسيقية بخصوص أغاني المهرجانات، كذا القوانين المنظمة لعمل النقابة، فضلا عن إجراء الباحثة لمقابلات مع 4 من مطربي المهرجانات.

تقنين أغاني المهرجانات

تنتقد الباحثة في دراستها تراجع نقابة المهن الموسيقية في مصر عن أداء دورها كجهة تستهدف رعاية المهنة والعاملين بها إلى أداة تميل إلى تبني مواقف أيدلوجية بعينها -منذ عام 2015 وتولي هاني شاكر رئاستها – تتماهى وتتفق مع الدولة وتوجهاتها الرقابية والعقابية، حتى وصل الخلاف إلى تحديد ما هو هابط وما هو راقي.

وتشدد رمضان على أن الأمر لا يتوقف على تعريف ما يدخل ضمن إطار الفن وما لا يعد فنا من الأصل، بل يقوم على جملة من: الإدعاءات الأخلاقية الخاصة بمحتوى الأغنية، وسلوك وخلفية منتجيها، والتأثير الاجتماعي السيء المزعوم، يضاف إليهم اتهامات قانونية تتعلق بشكل الإنتاج.

أقرأ أيضًا: أغاني جعلتنا نتعلق بهذه الأفلام العربية

وعن أغاني المهرجانات، تعتبر الباحثة أن واحدا من أهم ما يميز عملية إنتاج المهرجانات هو خلقها وانتشارها بمعزل عن منظومة الإنتاج التقليدي، لذا فإن البيئة الحاضنة لهذا الفن تتمتع بهامش كبير من الحرية، جعلت استيعابه بكل ألوانه صعبا.

وتعتبر الباحثة أن هجوم النقابة على أوكا وأورتيجا أو الهجوم على حسن شاكوش كان أقل حدة من المعركة الأبرز والأطول بحق “حمو بيكا” والتي بدأت منذ عام 2018، واستمرت إلى الآن. وبدا أن بيكا صعب التطويع، إذ يعلن بوضوح عن عدائه للمنظومة الأمنية، ولا يكاد يخلو مهرجان له من جملة واحدة على الأقل تدين أداء الشرطة في مصر، كما أعلن في أكثر من موضع أنه لن يتراجع عن الغناء، وأن الجمهور هو الفيصل في ذلك.

وتشير رمضان إلى أن القانون رقم 35 لسنة 1978 والمنظم لعمل النقابات الفنية لا يمنح أي سلطة عقابية على الأفراد أو المنشآت الخارجة عن نطاق تصرف النقابة، وأن قرار النقابة في فبراير من العام الجاري بحظر أغاني المهرجانات في الأماكن العامة والسياحية، وحظر التعامل مع قائمة محددة من مغني المهرجانات يعتبر تغولا في عمل وزارة السياحة المعنية بالإشراف والمراقبة على النشاط السياحي، قبل أن يتم إلغاء الحظر وتقنين أوضاع مطربي المهرجانات في بداية مارس من العام الجاري باستحداث شعبة للأداء الشعبي أو الفني، والذي يسمح فقط بإعطاء تصاريح تجدد سنويا، ويجوز سحبها وعدم تجديدها دون إجراء تحقيق، وهو ما لم يختلف عما كان في أوقات سابقة بإعطاء النقابة تصاريح غناء وإقامة حفلات بمقابل مادي بعد إجازة هيئة الرقابة على المصنفات الفنية، لذا فاستحداث شعبة للأداء الشعبي أو الفني لا يعدو عن كونه إجراءا شكليا لا يعبر عن انفتاح في رؤية النقابة للفنون والأشكال المختلفة من الغناء بل مواءمة توصلت إليها النقابة تبين عجزها ورغبتها في التربح ولكن بتطويع جديد يلائم رؤيتها عن الفن والمجتمع والذوق العام.

أقرأ أيضًا:تيك توك يخرج من أيدي ByteDance بموجب اتفاقية جديدة مع الإدارة الأمريكية!

0

شاركنا رأيك حول "أغاني المهرجانات بين الحظر الفعلي والتقنين الشكلي"