مسلسل Succession
0

يقول الطيب صالح في رائعته “موسم الهجرة إلى الشمال”: “كنت أفكر أن أرى الشاطئ يضيق في مكان ويتسع في مكان آخر شأن الحياة، تعطي بيد وتأخد باليد الأخرى” إذ لا تمطر السماء نجاحات ولا تهبنا الأقدار هدايا.

نترك غرفنا كل صباح لنحقق انتصارًا صغيرًا ونسجّل هدفًا في مرمى الحياة. نضحّي بالراحة وبالجلسات العائلية وبالصحّة الجسدية والعقلية، لنفتكّ شيئًا كان سيكون لمحارب آخر اختار العيش وخوض معركة البقاء. ولكن هل يستحقّ النجاح كل هذا العناء؟ وهل الثراء هو مرادف الانتصار؟ ما الأهمّ يا ترى، عائلاتنا أم شركاتنا وأسهمنا أم لحظاتنا التي نقضيها معًا تحت سقف واحد أمام المدفأة؟

النسق السريع في مسلسل Succession

كان لنا يوم 3 يونيو 2018 أول لقاء مع مسلسل Succession الأمريكي الذي بُث على HBO، الجامع بين الدراما والكوميديا السوداء، معلنًا حلقة بعد حلقة بداية واعدة لمسلسل كتبه جيسي أرمسترونغ. ثم تواصلت رحلة هذا العمل التلفزيوني طيلة 24 حلقة قُسّمت على ثلاثة أجزاء. لكنّه من المنتظر أن يتواصل لموسم آخر سنة 2022 لا نعلم إن كان سيكون الأخير.

تتالت هذه الحلقات متبعة نسقًا سريعًا، لا يهمل بسرعته تلك دراسة الجوانب المختلفة لكل شخصية في هذا العمل، فكانت تثير إعجاب النقاد أكثر فأكثر حتى أنها تكاد تنال علامة 10 من أصل 10 وتعتلي عرش أفضل المسلسلات التلفزيونية في الآونة الأخيرة.

بمجرد إلقاء نظرة على مقالات تحدثت عن هذا المسلسل ونشرت في The Hollywood reporter وفي موقع الناقد السينمائي الأمريكي Roger Ebert، نعي أهميّته ونصافح عظمته ونهبّ إلى مشاهدته دون تردد خاصة وأننا سنلاقي فيه Brian Cox، الذي قام بدور الأب وصاحب الشركة السيّد لوغان روي، و Nicholas Braun الذي لعب بإتقان شديد دور جريج الساذج والبسيط.

هذا إلى جانب كيندال روي، الابن الذي ما زالت العائلة تعامله كمريض نفسي ومدمن سابق، يحلم بافتكاك كرسي والده وقد قام بدوره Jeremy strong، وهيام عباس ذات الأصول الفلسطينية أو مارسي روي، الزوجة الثالثة للوغان روي.

المال والسلطة والنزاعات العائلية والنرجسيّة

في هذا المسلسل كما في مقولة جاءت على لسان فيلسوف كبير هو برتراند راسل: “الحياة ليست إلا منافسة يريد فيها كل منا أن يكون المجرم لا الضحية”، إذ نجد أبًا مغرورًا ومهووسًا بالسلطة يقلّل من شأن ابنه، ويرجعه كلّما حاول الخروج إلى متاهات الماضي بما فيه من ذكريات حزينة ومؤلمة، كما نجد أخًا يحاول افتكاك مكان أخيه ضمن شركة ليست لكليهما.

هذا المسلسل هو معركة قابيل وهابيل، إن كانا يعيشان في مجتمع الواحد بالمائة، ويملكان أسهمًا وقطعًا نقدية ووالدًا يندرج اسمه ضمن أغنى أغنياء العالم. حوارات كثيرة تعرّي قبح الشخصيات المختلفة التي تتبادل الشتائم كما تتبادل التحايا، ونظرات تفضح كرهًا وأنانية ووجعًا مغلّفًا بالقسوة والقوة.

حفلة عيد ميلاد تتحول، منذ الحلقة الأولى من الموسم الأول، إلى صراع لا نعرف أين سيأخذنا، ولا نعلم ما سينجرّ عنها، ولكننا نفهم أنه صراع من أجل الجاه والمال والمكانة الاجتماعية والسلطة وإثبات الذات، ولعلّ آخر الأسباب أهمّها.

تذكرنا عائلة روي الملتفة على طاولة العشاء بلوحة العشاء الأخير لليوناردو دا فينشي، فبينما يسعى الأب لوغان إلى الاحتفاظ بالطبق الأهم وهو السلطة وكرسي الإدارة، يحب كيندال افتكاك هذا الطبق ليثبت للجميع أنه أهل لثقتهم، وأنه قد شُفي من إدمانه تمامًا وإلى الأبد، بينما يفضّل رومان الظفر بطبق العلاقات الجنسية والمكانة المرموقة أمام الآخرين.

الصراع في ظاهره صراع مالي وربحي، يحارب فيه كل فرد الآخر لينال نصيبه من الكعكة، ولكنّه إن أطلنا التحديق فيه صراع ذاتي مرتبط بتجارب وبمراحل عمرية وبأحاسيس تبادلتها هذه العائلة وعاشتها مع بعضها البعض. هذا ما يجعل من عمل يقوم على قصّة مألوفة ومتداولة عن حب السلطة وحب المال وعن السعي المتواصل نحو النجاح عملًا يحرّك قلوب النقّاد ويستهوي أقلامهم. فالمنافسة في مسلسل Succession منافسة ماديّة ومعنويّة، تنافس على المناصب وتنافس من أجل تحقيق الذات وآخر بهدف كسر الصور والقوالب التي وُضِع فيها الشخص منذ سنوات.

مسلسل Succession

مسلسل Succession في عيون النقاد

توِّج هذا المسلسل بباقة من الجوائز العالمية الكبيرة فحصل على أربع Primetime Emmy Award لأفضل مسلسل تلفزيوني درامي، ولأفضل ممثل في دراما تلفزيونية نالها الممثل الوسيم Jeremy Strong، ولآخرين كانت أولهما من نصيب Andrij Parekh لأفضل إخراج قام به في حلقة بعنوان Hunting، وثانيهما لجيسي أرمسترونغ باعتباره كاتب أفضل سيناريو مسلسل درامي لعام 2020.

كما نال نص إحدى حلقاته جائزة أفضل نص ضمن Emmy Awards سنة 2019. إلى جانب كل هذه الجوائز، اجتاحت كلمة “Succession” الصحف الإلكترونية وصارت محور مراجعات كثيرة، منها تلك التي نشرت في The guardian والتي اعتبرت صاحبتها أن هذا المسلسل هو أحد أجمل المسلسلات المعاصرة، وأن حياة عائلة روي تستحق الصبر والمشاهدة، فحروبها سرمدية لا تبدأ ولا تنتهي.

كما وصفت كاتبة ضمن فريق مجلة The Atlantic الأمريكية ذات الغايات الثقافية الموسم الثاني باعتباره موسمًا رائعًا يستحق المتابعة. مملكة لوغان روي في Succession تظلّ مهددة ومن موسم لآخر، يخرج أبناؤه فردًا فردًا إلى النور وينغمسون في معركة البقاء التي صارت في نظرهم أشبه بمعركة الخلود. هذه المملكة التي اختلط فيها الدم بالدمع والتي امتزج بين سطورها الكلام البذيء بالمحبّة الخفيّة قد أثارت إعجاب المشاركين في منصة IMDb التقييمية حتى أعطوها 8.7 من أصل 10 لتُعتبر بذلك عملًا فنيًّا ممتازًا سنسعد بمشاهدته.

غالبًا ما ترتبط الأبوّة بالفردانيّة وحب السلطة والهوس بالرأي الواحد وباللون الواحد وبالسياسة الواحدة، فلا مكان للنقاش والحوار ولا مكان للخطأ وإعادة البناء والإصلاح. هذه العلاقة السامّة التي يولد من رحمها أبناء سيظلّون ما لم ينتفضوا ضحايا لهؤلاء الآباء أمثال لوغان روي تتلخصّ في هذا المسلسل الذي يحاكي في بعض تفاصيله الدراما النفسية ويجعلنا منحازين لطرف دون آخر، راجين أن تنصف النهايات الأبناء وتوقظ مشاعر المحبّة في قلوب الآباء.

اقرأ أيضًا: هل تجرعت كأس الفشل يومًا؟ كتب تتحدث عن النجاح من رحم الفشل

0

شاركنا رأيك حول "مسلسل Succession.. حروب عائلية سَرْمَدية ونجاح يُخْسرنا أنفسنا"