مراجعة فيلم The Lighthouse التغلب على نمطية أفلام الرعب

فيلم The Lighthouse
0

أفلام الأبيض والأسود لها رونق خاص، وطابع مُختلف، ونفوذ محدود ومُركّز على عقولنا، لأنها مُرتبط إلى حدٍ كبير بالنوستاليجا والحنين للماضي، ولكن هُنا تختلف المواضيع، وتُشَق القوالب، ويرتدع التأثير منقطعاً، حتى تنزل به النوائب ويُصبح فناً من نوع آخر، فناً كابوسياً، وتُمسي الصورة التي تفتح أبواب الذكريات الجميلة، هاوية خانقة وقاعاً للأوهام، وملجأ لكُل ضلال.

الجزء الثاني من فيلم Knives Out بدأ إنتاجه بالفعل

قصة فيلم The Lighthouse

تدور قصة فيلم The Lighthouse في القرن التاسع عشر، حول حارسيّ منارة في جزيرة معزولة عن الحياة في (نيو إنجلاند)، العجوز (توماس ويك) الذي سكن المنارة لأكثر من ثلاثين عاماً، والشاب (إفرايم وينسلو) مُساعد حارس المنارة المستجد، الذي كان من المُفترض أن يمكث لمجرد أربعة أسابيع فقط، ولكن الأمور تتطور في إطار ميتافيزيقي غريب، ليتحول الاثنين لمهوسين، حين تضربهم عاصفة هادرة تُفقدهم صوابهم. تحفز الجو بالظلام، والكراهية عندما رفض (توماس ويك) أن يسمح لـ (إفرايم وينسلو) بالولوج لقنديل الضوء في الأعلى، كان يرده دائماً بقوله أنه ينتمي للضوء والضوء ينتمي إليه وحده؛ إنما ذلك على النقيض يربي داخل الفتى اليافع شهوة الفضول التي تدفعه لما لا يُحسب عقباه. الغطرسة، الجنون، الأنانية، الخوف، والشهوة كُلّها محتشدة في عُزلة ذاك المكان القصي.

*تنويه: بداية من هُنا المقال يحتوي على حرق للأحداث*

الأسطورة

الفيلم يمزج بين مصاريعه الأسطورة والخُرافة والواقع والمرض، لأنه يحمل في ذاته رمزية يصعب تفكيكها، ولكن هُنا سنتناول بالشرح تناول المُخرج الرائع (روبرت إيغرز) للأسطورة، والنفخ في رمادها، بالخرافة والمرض. تدور الأسطورة حول (بروميثيوس) وهو أحد الجبابرة -العمالقة- الحُكماء في الأساطير اليونانية، وتحديه لسيد الآلهة (زيوس) إله السماء والصاعقة، التي لم تنته بالخير.

في أول الأمر، كانت حرباً بين (كرونوس) سيد الجبابرة -(Titans)- ووالد (زيوس) وابن (غايا) وهي تُمثل الأرض في الأساطير اليونانية، و(زيوس) نفسه، وأحتدم بينهم الأمر، وسيطر الخوف على (كرونوس) أن يفعل به ابنه (زيوس) كما فعل هو بوالده. فنشبت الحرب، ولكن، في التأجج والنزاع، أخذ (بروميثيوس) الحكيم كفة (زيوس)؛ وبالفعل انتصر (زيوس) على أبيه (كرونوس)، وعفا عن (بروميثيوس) وأعوانه الذين تخلوا عن غريمه وعدوه.

رأى (زيوس) في (بروميثيوس) حكمته، وأوكل إليه مُهمة خلق والبشر، وفعل ما طُلب إليه ولكنه استغرق الكثير من الوقت، فذهب جميع القوى للحيوان، إنما الظاهر من الأمر أنه وقع في حُب صُنع يديه، وأتصل بهم روحياً، وأولى لهم الاهتمام حتى يتمكنوا في شق طريقهم في الحياة، كجنس قوى يخوض في الصعاب، بيد أنهم الآن مُجردين مما يُميزهم عن الحيوان، فأراد أن يُهديهم شيئاً ما، يُضاعف من حظهم، فمال على (زيوس) والتمس إليه المُساعدة، ولكن رده خائباً، فود لو كانوا ضعفاء حتى لا يقاوموه. فسرق (بروميثيوس) وأختلس من الآلهة الكثير من الهبات، ومنحها للبشر، حتى استل قبسٌ من نار جبل الأوليمب المُقدسة، وقدمها للبشر، كما أنه خدع الكثير من الآلهة، ونهب من هباتهم وأمد البشر، فعلم (زيوس) بخيانته، ونهبه للنار المُقدسة، وعندما تقدم البشر بأنفسهم، وسارعوا الخطوات، وجابهوا الطبيعة بمخترعات، غضب (زيوس) أقوى ما يكون الغضب، وأنزل به أشد العقاب، فقيده بسلاسل عملاقة، وعلّقه على جبل القوقاز، وأمر النسر (أثون) بنهش كبده، وفي كُل مساء ينموا كبده مرة أخرى كعذاب أبدي.

وإذا طبقنا تلك الأسطورة على الفيلم، لخرجتا متطابقتين تقريباً، يحل (إفرايم وينسلو) محل (بروميثيوس)، ويأخذ (توماس ويك) دور (زيوس) إله الصواعق، ومُحتكر المعرفة، وتبقى المنارة هي الكنز الباهظ، والضوء النفيس، والمعرفة الحقّة. (إفرايم وينسلو) الذي خان سيده السابق أو صديقه، وتركه يغرق في المياه، كما فعل (بروميثيوس) مع (كرونوس)، وفي النهاية عندما وصل لمراده، نجده مُلقى على الأرض، وطيور النورس تنهش في لحمه، كما النسر مع (بروميثيوس).

ولكن هُناك عدة أشياء يجب أن نُلقي الضوء عليها، مثل أسطورة أخرى تُشبه كثيراً شخصية (توماس ويك) الذي يُطلق على نفسه “أقدم عجوز في البحر”، وفي ذلك يُشبه إله البحار (بروتيوس) الذي يُطلَق عليه “رجُل البحر العتيق”، والذي من مواهبه التحكُم في لُجة البحار.

وهناك إسقاط آخر حريٌ بنا ذكره، وهو تسليط الضوء على إلَهين مفضلين عند الفيلسوف (نيتشه)، وهُما، “ديونيسوس” وهو إله الخمر والمرح، البهجة والسرور، الفتنة والعواطف، الغريزة والمُخَاطرة التي يصبر عليها بالمشقة والآلام ويُجابهها بالجرأة والبسالة والغناء والرقص والموسيقى. ثم “أبولو” إله السلام والراحة، السكون والتأمل العقلي، فتنة العواطف والمنطق، الفلسفة والنحت والشعر والتصوير. وهُما وجهان مُختلفان يحملهما بطليّ الفيلم، على جه الخصوص العجوز (توماس ويك) وما يتصل بينه وبين الإله “ديونيسوس” في العادات والمفضلات، أو كما كان يقول (نيتشه): إنها الحكمة الديونيسية.

بالإضافة لبعض الخرافات التي انتشرت قديماً مثل أن النورس هي فائل سوء، أو أرواح الغرقى، وقتلها يجلب الشؤم والسوء.

فلسفة الأسطورة والفيلم

الأسطورة هي المجهول المنطوق، هي حياة أبدية مُختزلة في رمزٍ أقوى وأعظم من أن يحبسه الإنسان في الكلمات، إنها حيوات كاملة، وصراعات هائلة، وعلى الرغم من الإبداع والبراعة التي تقف عليها الحكايات الأسطورية، تبقى النمطية والتقليدية تنخر فيها باعتلال، وتُفقدها الرزانة في التطبيق. وهُنا يأتي دور “الأفلمة” في تحويّر المحتوى، وذلك يأتي بخلع الأسطورة من ردائها التقليدي الخارق -صراع الخير والشر التقليدي- وتفكيك رموزها، والزج بها في عوالم عادية، ومدّها بالحيوية والحياة، في إطار ينزع لتفاعل الإنسان أكثر منه للآلهة، ولكن هذه الوجبة لا تُقدم على طبق من ذهب، بل تحتاج من المُتلقي العناية كما على المُخرج الاجتهاد والبصيرة، فالرمزية تظل رمزية، حتى لو تدثرت برداء عصري قريب من ذاكرة الأحياء.

ولذلك أود القول إن أضافة الأسطورة إلى الحكاية، هو تآلف الرمزية بالحكي، وفتح أبواب التكهنات، والنظريات والاحتمالات، بجانب الانسلاخ عن كون الحكاية ذات وجه واحد، بل يُمكن تصويب الحواديت وتقديمها بأسلوب يصب في منطقة أخرى تماماً غير التي ترمي لها الأسطورة.

فيلم Uncut Gems .. عن الخط الرفيع بين سوء الحظ وسوء التقدير

من الأسطورة إلى الصورة

استخدم المُخرج (روبرت إيغرز) في فلمه كاميرا بمُعدل 35 مم، وحبس الصورة داخل مُربع من الأبيض والأسود بنسبة تُعادل 1.19:1 والتي ساهمت في تصدير شعور بالإزعاج، وولدت سحابة وحاجب أمام المُشاهد الذي يُعاني نوعاً ما داخل الإطار لفهم القصة التي تضغط عليه بشكل أقوى، لأن الفيلم يبسط نوعاً من التساؤل والتأزم.

الشيء الآخر هو نجاح المُخرج والطاقم في أسقاط الأسطورة على الحياة الحقيقية، ومركزية الحدث تنبع بأن الفن ليس بمعزل عن الحياة، إنه صراع بين الصورة والكلمة، وذلك يظهر في اختيار المكان، صخرة على الشاطئ، ومنارة كان رمز قديم في حكايات البحارة القديمة. وما تفتأ تجد التقارب بين السيناريو المكتوب بحرفية عالية، والأطروحة المُراد نقاشها من خلال الفيلم، وهي احتكار المعرفة من طرف، واشتهائها من طرف آخر.

وبالتقليب بين المشاهد ستلقى المُخرج بطريقة ما يحمل ثقل العالم وعذاب البشرية على ظهره، في بحثه الجلد عن المعرفة واللذة، وتارة أخرى ينحاز للأبدي، وينزع للأسطورة التي تختزل بداخلها جذور كُل ما هو فاتن، فالفيلم هو تباري بالشد بين طرفين. ورُبما الصفاء والسناء والجمال هُم التغلب الفني على الخوف والألم، إنما فيلم المنارة هُنا يبعث الفن من بين أطياف الأشباح، التي لا تحمل سوى القُبح والشهوة؛ لأنه يلعب في منطقة أن الخوف والألم هم كُل ما يمكن إيجاده في تلك المنارة، ثُم يظهر أن هناك نقطة من النور، يُلقيها من الأعلى ويتركهم يتعاركون عليها.

التأثر بالإرث الأدبي والفني (لافكرافت – هنري ملفيل – صامويل كولريدج – ساشا شنايدر)

تأثر المُخرج بالأدب في كتابة السيناريو والقصة، وظهر ذلك التأثر في ذكره لـ (كابتن إيهاب) بطل الرواية الأشهر (موبي ديك) للكاتب العظيم (هنري ملفل)، ويوضح مدى التقارب بين الشخصيات وخصوصاً شخصية (توماس ويك) بشخصية (كابتن إيهاب) التي تشرب الخمر وتبوح بأساريرها في خضم العلة والسكر، بالإضافة لإصراره على الاحتفاظ بالنور لنفسه، مثلما قرر (كابتن إيهاب) مطاردة الحوت. رُبما الدوافع مختلفة لكن الرأس الصلدة نفسها.

بجانب تأثره بالشاعر (صامويل تايلر كولريدج)، بالأخص قصيدته “قافية البحّار العجوز” التي تدنو كثيراً من كونها جزء من حكايتنا، فهي تدور في مُتنها حول جماعة من البحارة، وطائر القطرس الذي يحلق من حولهم، مؤنساً أوقاتهم، مسامراً لهم في ليلهم ومطمئناً لهم نهارهم، بيد أن البحار أختلى بالطائر مرة، ودار بينهما حوار انتهى بقتل البحار للطائر، فلامه البحارة، وأنبوه على فعلته، فندم أشد الندم، وخلع قلادته واستبدلها بشي من بقايا الطائر، حتى يفك لعنة الحظ السيئ التي واجهتهم بعد ذلك.

بالإضافة للاثنين السابقين، تأثر المُخرج في أسلوب سرده القصصي بالمُعلم والكاتب الأكثر شهرة في مجال الرعب (لافكرافت)، لأن الأخير كان يعتمد في رواياته على صُنع عالم كامل، وتسريب الشعور والعاطفة لقلوب القراء عبر هذا العالم الغريب القاتم، وكأنه يهرب من عالمه إلى عالم أسوء وأشرس. وهذا ما أنتهجه المُخرج في الفيلم، اعتماده على صنع عالم كامل، مُختلف تماماً، وليس مثيراً للرعب مثل أفلام المشهورة في هذا المجال، بل أعتمد على التحرك ببطء وثقة، والاهتمام بالرتم الذي يسير بسرعة جيدة.

كما أنه تأثر بالرسام والنحات الألماني (ساشا شنايدر) ومثّل واحدة من لوحاته المشهور في الفيلم بكُل وضوح وهي لوحة (Hypnosis – التنويم المغناطيسي) التي رُسِمت عام 1904.

التأثر بمدارس السينما السابقة

لا يجب أغفال ذكر بعض المدارس السينمائية التي تأثر بها المُخرج في عرضه، وسنكتفي بذكر المدرسة التعبيرية الألمانية، هي واحدة من أقدم المدارس السينمائية، والتي تم إنشائها بعد الحرب العالمية الأولى، والتي تعتمد على تصوير وتوظيف الخيال بشكل مُنافي نوعاً ما للواقع، وهذا يُناسب حالة هذا الفيلم المتأثر بالأساطير. كما أن الأداء التمثيلي كان متأثر بالمدرسة الكلاسيكية في التمثيل، التي تعتمد اعتماداً كلياً على حركة ولغة الجسد، والملامح وتعابير الوجه وقوة حضور العين.

التغلب على النمطية السردية لأفلام الرُعب

والحق أن الفيلم، لم يسير على نهج أفلام الرعب السابقة له، التي تستمد قوتها من الدماء أو الوحوش المُخيفة، أو حتى اللقطات المفاجئة المروعة، بل تغلب على تلك النمطية السردية، ووضع لنفسه نهج خاص، يستمد قوته من الحكاية، ويمتثل للفعل ورد الفعل المُقابل، حتى لو كان هذا الفعل مُنافي للواقع، وذاك ببساطة لأن (روبرت إيغرز) يود من أول ثانية للفيلم أن ينتصر للخرافة والأسطورة.

الأداء التمثيلي والأوسكار الضائعة

بالطبع كان يستوجب على لجنة الأوسكار أن تُرشح على الأقل أحد الممثلين الرائعين للأوسكار، إذا لم يستلزم الأمر ترشيحهما معاً. (روبرت بيتنسون) كان مفاجأة بالنسبة لي، لقد انفجر هذا الفتي دون احتراق، وبالفعل كان على قدر هذه الفرقعة التي تحوم حوله بعد اختياره لدور “الرجُل الوطواط” مذ شهور… لقد كان الفتى رائعاً بكُل ما تحمل الكلمة من معنى. أما العجوز (وليام ديفو) فكالعادة، يقوم بالأدوار الصعبة، بأداء مُذهل، استثنائي.

الإخراج كان مُدهشاً، تجميع الضوء والظلام كان مميزاً، التصوير السينمائي استثنائي، إنها تجربة مُستقلة رُبما لم تأخذ حقها في وسط المعمعة التجارية، بيد أنها بالتأكيد تجربة من أفضل تجارب العام دون أي نوع من المجاملة.

0

شاركنا رأيك حول "مراجعة فيلم The Lighthouse التغلب على نمطية أفلام الرعب"