يحاول الظهور الأول لـ ماجي جيلنهال في عالم الإخراج الكشف عن الأسطورة القائلة بأن الأمومة شعور غريزي طبيعي لدى النساء، من خلال فيلم The Lost Daughter، هكذا أرادت جيلنهال أن تقول، ولكن هل وُفقت في ذلك؟ 

مع بداية الفيلم نستطيع أن نشعر بوجود سر غامض يطارد عطلة البحر الأبيض المتوسط ​​المشمسة لـ السيدة ليدا، لعبت شخصيتها الممثلة أوليفيا كولمان، أستاذة اللغة الإنجليزية في الأدب المقارن البالغة من العمر 48 عامًا، والتي تقضي إجازة عملها في جزيرة يونانية.

لكن الأمر لن يمر بهذه البساطة والهدوء، لأن ذكريات الماضي أحيانًا تكون عاملًا قويًا في خلق اضطرابات عصبية ونفسية للحاضر بل تتسبب له في تشويش وألم ممتد بطول السنوات الفارقة بين الماضي والحاضر، تعاني ليدا فجأة من اضطرابات ونلاحظ أنها تبدو في حالة غير مستقرة نفسيًا وتظهر على وجهها علامات الانزعاج عندما تشاهد طفلةً تمرح على الشاطئ أو أمًا تعاني من عنف ابنتها، أو امرأةً لا تزال في شهور حملها الأخيرة، كل ذلك لا يمر مرور الكرام أمام عيون ليدا، لذلك نستطيع أن ندرك المشكلة لديها مبكرًا نوعًا ما.  

لا يستمر شعور ليندا بالراحة طويلًا مع وجود عائلة أمريكية إيطالية صاخبة، حيث تتسبب في إزعاج لها وتعطل قراءتها على شاطئ البحر، وفي مواقف أخرى متفرقة، ولكن أكثر ما يؤثر في ليدا ما تشاهده من تعقيد في علاقة نينا، لعبت دورها الممثلة داكوتا جونسون، العضوة الجميلة الضعيفة في العائلة، مع ابنتها الصغيرة، وتتذكر بسببها ذكرياتها مع ابنتها بيانكا.

يعتبر فيلم The Lost Daughter، المقتبس من الرواية القصيرة التي تحمل نفس الاسم من تأليف إيلينا فيرانتي، مرآة حاولت جيلنهال عكسها على عين المشاهد لكي تريه بعض الأمور التي لا يراها، سواء كان هذا المشاهد رجلًا أم امرأة، إنها تحاول الكشف عن مخزون من المشاعر المختبئة وراء الخوف والتردد، الخوف من إلقاء اللوم ونظرات الاندهاش، وجمل مثل "أنت أم إذًا لماذا تشعرين بالضجر؟" "الأمومة شيء غريزي يولد مع الإناث" "إذا لم تتحملي طفلك فأنت لا تستحقين لقب أم"، وغيرها من الجمل، هكذا كانت تنوي أن تضعنا داخل عقول النساء الحائرة بين ذواتهن وهذه الكائنات الصغيرة التي خرجت من أرحامهن، ولكنها لم تنجح بشكل كامل بأن توظف العمل لصالح هذه الفكرة.

محاولات لخلق صورة بصرية لثمن الأمومة

الأشياء لا تبدو جميلة كما نراها من الخارج، هكذا لخصت المخرجة في لحظة ومشهد واحد قصير معاني كثيرة، شعرت بها عندما رأت ليدا طبق الفاكهة يلمع وبه مجموعة من الفاكهة الطازجة من بعيد عندما دخلت إلى مقر سكنها الجديد في الجزيرة اليونانية، ولكنها بعد ساعات بسيطة حاولت أن تأكل منه وعندما أمسكت بواحدة اكتشفت أن الفاكهة فاسدة تمامًا، هكذا الأمومة تخدع السيدات من بعيد بكثير من اللحظات الجيدة المختلطة بمشاعر تكون غير مفهومة أحيانًا تجاه هذا الكائن الذي خرج من أرحامهن، ولكن في باطنها تحتوي على كثير من القلق والتوتر والاضطرابات الجسدية والنفسية، والانصهار مع ذوات هؤلاء الكائنات ونسيان الذات.

في مشهد آخر تحاول المخرجة أن تجعلنا نتلمس كسور النساء التي تنتج عن الأمومة ومتاعبها، كان لدى ليدا دمية صغيرة تدعى "مامي"، كانت تحاول أن تمنحها لابنتها لكي تكف عن ملازمتها طوال اليوم والعبث بشعرها وأوراقها وإفساد لحظاتها الخاصة، لكي تكون الدمية بديلًا لها، ولكن الابنة لم تتقبل الفكرة وقامت بإفساد الدمية تمامًا وتشويهها، وفي لحظة تفقد الأم قدرتها على التحمل تصرخ وترمي الدمية من النافذة، وتكون المخرجة حريصة على أن نرى شكل الدمية "مامي" بعد سقوطها، لقد تهشمت إلى أجزاء صغيرة، في دلالة على الحالة التي وصلت لها الأم بسبب ابنتها. 

أما عن أكثر المشاهد تأثيرًا في رأيي داخل أجواء الفيلم، هي اللحظة التي قررت فيها ليدا ترك بناتها والمغادرة، هذا الصراع بين أن تكون ذاتك وبين أن تكون أمًا، كما صورته جلينهال، ففي اللحظة التي تتودد لها بناتها أن تعلمهم كيف تصنع شكلًا متماسكًا من قشرة البرتقال الهشة كما اعتادوا أن تفعل وينادونها لا تغادري تمسك ليدا بمقبض الباب وتقرر الخروج رغم كل هذه الضغوط، ولا تريد جلينهال أن تخلق من ليدا بطلة أو أن تضعها في قفص اتهام بل تعرض صورة لما يجري داخل هذا العقل المنهك المستهلك كليًا، وقد مهدت لهذه النتيجة جيدًا من خلال عنف ابنتها المبالغ فيه مثل صفعها أو ضربها أثناء عملها، ومعاناتها من احتياج آخر بسبب ضعف قدرات زوجها الجنسية.

فيلم The Lost Daughter

كانت هذه المشاهد التي تتداعى على ذاكرة ليدا أثناء مشاهدتها لنينا وابنتها على الشاطئ مرسومة بدقة وفي موضعها، وهذا الخط الدرامي ككل في موضعه تمامًا، بل يخدم الفكرة الرئيسية بقوة ويدعم ترسيخها، وقد نجحت المخرجة في بناء هذا الخط، ولكن ليس هذا كل شيء!

عندما تفقد خيوط الفكرة 

العائلة التي تتقاسم الشاطئ مع ليدا يتضح من وجودهم الأول أنها عائلة مزعجة للغاية، ولكن الأمر لا يقف عند ذلك، بل يتطور لكره أفراد هذه العائلة لليدا، ولكن المخرجة لم تعطنا سببًا كافيًا ومنطقيًا لهذا العداء المبالغ فيه، بل إن المشاهد التي تجمع بين العائلة وليدا تضم كثيرًا من المشاحنات بسبب مضايقتهم لها غير مفهوم تمامًا سببها، وما دورها في سياق الأحداث، فهي تخلق شعورًا أن هناك شيء ما سوف يحدث، أو صدام كبير أو تأثير ضخم من هؤلاء عليها أو العكس، ولكن كل ذلك لن يتحقق، بل ترى تصاعدًا للأحداث في هذا الإطار يخمد فجأة مع النهاية دون فهم كامل لتواجده من الأساس.

أما عن علاقة نينا بـ ليدا، تتطور بينهما النظرات والأحاديث القصيرة التي تنقطع سريعًا بسبب أفراد عائلة نينا المزعجين، وخوفها منهم، ولكن مع الوقت تكتشف ليدا خيانة نينا لزوجها مع الشاب الذي يعمل على الشاطئ، ولكنها لا تخبر أحدًا وتصمت، وذلك ما يجعل نينا تزداد ثقة بها، وتطلب منها أن تلتقي بحبيبها في منزل ليدا، ولكن نهاية هذه العلاقة بين المرأتين تنتهي بشكل غريب وغير منطقي، بينما ليدا تقبل استقبال العاشقين في منزلها، وتكشف لنينا أنها أخذت دمية ابنتها المفضلة منذ أيام، نتفاجأ بتصرف نينا العنيف تجاه ليدا والتعدي عليها وإصابتها، بسبب الدمية! على الرغم من أن ليدا في يدها سر خطير يرتبط بحياة نينا إلا أنها لا تخشى هذا السر وتتجرأ وتتعدى عليها، رغم أنه في مشهد سابق قالت نينا إن زوجها لو علم بهذه الخيانة سوف يقتلها.

ومن الأمور الأخرى غير المنطقية في أحداث الفيلم، أنه رغم ضعف شخصية نينا الواضح وخوفها من أفراد عائلة زوجها ورعبها من زوجها، إلا أنها تقوم بفعل الخيانة في المنزل ذاته الذي تسكنه العائلة على الشاطئ! في تناقض تام مع ما تم تأسيسه عن الشخصية.

أما علاقة ليدا بدمية طفلة نينا، تبدأ بتذكر ليدا الدمية التي أطلقت عليها "مامي" ومنحتها لابنتها، وعندما ترى دمية الطفلة على الشاطئ تتجمع الذكريات لديها وتعود بها إلى الماضي، ثم تختفي الدمية من على الشاطئ ونتفاجأ بها في حقيبة ليدا، وفي علاقة ليدا بالدمية الكثير من الغرابة، نلاحظ أن الدمية تخرج سائلًا غريبًا من فمها كلما ظهرت في مشهد، وفي النهاية تخرج من فمها إحدى الديدان الشريطية بنية اللون! تقرر بعد ذلك أن تعيد ليدا الدمية.

ينتهي الفيلم بعد تصرف نينا العنيف وإصابة ليدا بجرح تقرر بعده مغادرة المكان والعودة، وفي الطريق تترك سيارتها وتتحرك نحو الشاطئ وتتحدث مع إحدى بناتها هاتفيًا.

ربما ليدا امرأة مضطربة نفسيًا نتيجة لقرارها في الماضي عندما تركت بناتها عامين دون أن تعرف عنهما شيئًا بعدما شعرت أنها تفقد ذاتها في سبيل تربية الفتاتين الصغيرتين، وتظهر معاناة ليدا النفسية عندما تشعر بالدوار أو تفقد الوعي أحيانًا وأحيانًا أخرى تنهار بالبكاء عندما تتحدث عن الأمومة أو تمسها إحدى تفاصيلها، وهو الجانب الذي نجحت في إبرازه صانعة العمل جيدًا.

اقرأ أيضًا: أفلام عن الأمومة: ليس كلها دفء ومحبة البعض منها صادم!