القدرات اللغوية والمعرفية للأطفال .. ودورك “كأب أو أم” في تطويرها

القدرات اللغوية والمعرفية للأطفال.. ودورك "كأب أو أم" في تطويرها 1
أسامة فاروسي
أسامة فاروسي

6 د

يولد الأطفال وفي عقولهم تعطش شديد للتعلم، تعلم اللغات تحديداً، قد تظنهم صغاراً جداً ليقوموا بهذا العمل، لكنهم في الحقيقة يستمعون لكل صوت بإصغاء شديد حتى يتعلموه، وهم يتمتعون بقدرة على تعلم اللغات تفوق الأطفال في عمر السابعة وما بعدها، أو حتى تفوق قدرة البالغين بكثير!

ربما خاض جميعنا تجربة تعلم لغة جديدة وعانى من صعوباتها الكبيرة، لكنها – حسب ما ذكر الباحثون – ليست بتلك الصعوبة بالنسبة للأطفال!

القدرات اللغوية والمعرفية للأطفال

تتنوع الفترات التي تتطور فيها القدرات المعرفية للأطفال من طفل لآخر، لكن هناك خطوات عامة يمر بها كل منهم، حيث أظهرت الدراسات أن الأطفال في عمر الثلاثة أشهر أو ما دونها لا يفهمون العالم حولهم، ولا يميزون الناس، لذلك يمكنك أن تحمل الطفل دون أن ينزعج لأنه لا يميز بينك وبين غيرك.

بعد الشهر الثالث وحتى السادس، يتمكن الطفل من تمييز الأشياء وتصنيفها، فإذا عرضت عليه ست صور متتابعة لقطط مثلاً، ثم عرضت صورة لحيوان آخر، يمكنك أن تشاهد الإنفعال على وجهه.

ذو صلة

ويمكنك ان تشاهد الإنفعال نفسه إذا وضعت مرآة بجانبه وأظهرت عليها بعضاً من تعابير وجهك، كما يتمكن الطفل في هذه المرحلة من أن يتذكر أن اللعبة التي في يده هي نفسها اللعبة التي استخدمها بالأمس، وسيستخدم فمه لإجراء تجاربه الخاصة عليها

بداية من الشهر السابع وحتى التاسع، يميز الطفل الغرباء تماماً، ويصبح حذراً في التعامل معهم على غير عادته، وهي المرحلة نفسها التي يبدأ فيها باتخاذ القرارات، كما يصبح قادراً على التفكير في خطة ما، ويمتلك مهارة تقليد الآخرين، فربما تجده يفعل شيئاً قمت به بجانبه بالأمس، ويستطيع أن يميز اسمه عند مناداته.

وهكذا حتى يتمكن أخيراً من الوصول إلى واحد من أعظم الإنجازات في حياته، سيبدأ بتركيب الجمل، بعد أن قضى حوالي السنتين في سماعك تتحدث، ربما أخذ بعض الكلمات من الناس حوله أثناء التسوق، ربما التقط بعضها من أصدقائك الذين يزورونك، ربما وربما…

في الحقيقة، لقد بدأت هذه العملية في تعلم اللغة بدءاً من الشهر السادس، ففي هذا العمر يستطيع الطفل أن يميز الأصوات التي تتألف منها اللغة التي يسمعها منك، ومن العجيب أن تعلم أن هذا الطفل الصغير يقوم بتصنيف الأصوات التي يسمعها، ويأخذ إحصائيات لأكثر الأصوات تكراراُ، ومن ثم يركز انتباهه عليها!

وبالتالي سيستجيب للأصوات التي تتألف منها لغته أكثر من غيرها، فمثلاً في اللغة السويدية هناك 18 حرفاً صوتياً، بينما في اليابانية يوجد 5 أحرف صوتية فقط، ولكن إذا سمع الطفل الذي يكون دون سن السابعة أحرفاً صوتية أكثر سيكون قادراً على استيعابها بفترة قليلة.

ففي تجربة أجريت على أطفال أمريكيين في سن التسعة أشهر، لوحظ بعد 12 جلسة دامت كل واحدة منها خمساً وعشرين دقيقة، على مدى أربعة أسابيع أن الأطفال الأمريكيون قد استجابوا للُغة الماندرين (إحدى أصناف اللغة الصينية التي لا تنتهي  بنفس الكفاءة التي استجاب لها الأطفال الصينيون الذين قضوا حوالي 9 أشهر من عمرهم يستمعون إليها من أبيهم وأمهم ومحيطهم الإجتماعي بكامله.

القدرات اللغوية والمعرفية للأطفال

هذه المرحلة العمرية من حياة الطفل قبل سن السابعة تتميز بنشاط دماغي كبير، ينحدر هذا النشاط مع التقدم بالعمر حتى يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها الشخص تمييز اللغات الأخرى بسرعة إذا لم يخضع لنشاط تعليمي مكثف..

ومع ذلك سيبقى الطفل الصغير أقدر على تعلم اللغات بسرعة أكبر، بناءً على الإحصائيات العجيبة التي يأخذها في دماغه الصغير بسرعة خارقة.

وقد نال هذا اهتمام العلماء وانتباههم، فالناس الذين يتحدثون أكثر من لغة يحتفظون بإحصائيتين صوتيتين أو أكثر من ذلك، ويمكنهم التبديل بينها بناءً على لغة الشخص الذين يودون التحدث إليه.

لكننا عندما نتحدث طوال طفولتنا بنفس اللغة، هذا يعني أننا نستخدم الإحصائيات الصوتية ذاتها التي استخدمناها منذ ولادتنا، وهذا ما يسبب ضعف “المرونة” الدماغية  في التقاط الأصوات، أي أن الدماغ سيحتاج عندها لوقت أطول ليشكل المشابك بين الخلايا العصبية، بينما تتشكل هذه المشابك في دماغ الطفل بسرعة أكبر بكثير.

مارس التفكير النقدي.. وكوّن أفكارك الخاصة

القدرات اللغوية والمعرفية للأطفال

الخط البياني للانحدار التدريجي في القدرة على تعلم اللغات مع تقدم العمر

وفي تجربة تم إجراؤها على طفلة صغيرة تدعى (Emma) وهي في شهرها السادس، توضحت مناطق الدماغ التي تكون بحالة فعالية عند سماع الأصوات عند الأطفال، وتم ذلك في جهاز يدعى (Magnetoencephalography (MEG، وهو مجهز ببنية إلكترونية خاصة (السكويد) وهي فائقة التوصيل، ولها قدرة كبيرة على التقاط المجالات المغناطيسية الصغيرة جداً..

عندما وُضعت الطفلة في هذا الجهاز، ووُضع في أذنيها سماعات تنقل إليها أصواتاً من لغات مختلفة تتضمن لغتها، شوهدت مناطق الدماغ المتحفزة بشكل خاص عندما سمعت أصوات لغتها..

بينما شوهد نشاط في مناطق أخرى من الدماغ عند سماع أصوات من لغات أخرى، يعتقد أن هذه المناطق مسؤولة عن نسق السمع العام، وهذا يبين مفهوماً بسيطاً عن النشاط الذي يقوم به دماغ الأطفال أثناء الإحصائيات التي تحدث فيه.

القدرات اللغوية والمعرفية للأطفال

وبهذا نستطيع أن نعتبر الأطفال في سن ما دون السابعة عباقرة نابغين لا يمكن مجاراة قدراتهم في التعلم، إلا أن الممارسات الخاطئة من بعض الناس قد تحول دون ذلك.

فالتلفاز الذي يظنه الناس أداة تعليمية ممتازة ويمكن أن يفيد كثيراً في تعليم الاطفال لم يكن كذلك عندما أجريت التجارب على الأطفال عملياً، حيث لوحظ أن الحاصل اللغوي أو التعليمي الذي يحصل عليه الأطفال في سنواتهم الأولى هو حاصل معدوم!

لا يمكن أن تنفع الآلة الصماء في تعليم الأطفال أو تحسين مهاراتهم اللغوية حسب ما أثبتت التجارب، بل كانت الأصوات التي يسمعها الطفل من أهله ومحيطه الاجتماعي هي ما ينال اهتمامه ويثير فضوله للتعلم، وبدونها لن تكون النتيجة مقبولة أبداً.

لذلك تحدث إلى طفلك، ضع هاتفك “الذكي” جانباً، وانظر إلى حياتك الاجتماعية الحقيقية بدلاً من الواقع الافتراضي الموهوم الذي كونته لك التكنولوجيا، وإياك والتهاون في الحديث إلى طفلك، فأنت مصدره التعليمي الأول، وربما يقود الإهمال إلى مشاكل لغوية عند الطفل تحتاج أن تعالجها لدى الأطباء في حين كان الحل عندك.

ولا تكتفِ بالحديث بلغة الأطفال “كوتشي.. كوتشي..” 🙂 ، بل تأكد تماماً أن الكلمات ذات المعنى ستكون أكثر فائدة لطفلك، وأكثر تنمية لعقله.

لا بد أن أشير في الختام إلى قول شهير نعرفه جميعنا، وهو:

“العلم في الصغر، كالنقش على الحجر” فليستغل كل منا حداثة سنه وسن أطفاله بما هو مفيد، بدلاً من مواقع “التقاطع الاجتماعي”، ولنكن على يقين أن نتائجها ستكون سيئة بالنسبة لنا ولأطفالنا..

فعدم تعلم الأطفال من التلفاز يعني أن البالغين كذلك الأمر، لن يتعلموا من التلفاز، وتشارك التلفاز في ذلك الهواتف الذكية وإلى ما هنالك من تقنيات عديمة الجدوى، وقد صدق أينشتاين حين قال..


أخشى اليوم الذي ستتخطى فيه التكنولوجيا التواصل الإنساني، سينجب العالم عندها جيلاً من المغفلين

المصادر: 1،2،3،4

إقرأ أيضاً لأسامة فاروسي:

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة