إعلان ديزي: بستين ثانية فقط تغير مفهوم الدعاية السياسية برمتّها

الدعاية السياسية
رُواء سيد
رُواء سيد

7 د


”الدعاية السياسية لا تخدع الناس، لكنها تساعدهم على خِداع أنفسهم“ – إريك هوفر 

هل سبقَ لكَ وأن رأيتَ شِعارًا وربطتَه مُباشرةً بأغنيةٍ ما في عقلِك؟ أو هل سبقَ وأن رأيتَ مشهورًا ما على شاشةِ التِلفاز وجمع عقلُك بينه وبين منتَجٍ ما على الفور؟ ولأنّ أغنية الإعلانِ قد تمّ انتقاء كلماتِها ونغماتها بعنايةٍ فائقة؛ فقد علقت في ذهنك تلقائيًا، وعلق معها شعارُ الشركة المموّلة للإعلان، ولأنّك تحب هذا المشهور الذي ظهر في الإعلان مروّجًا لذلك المنتَج، فقد ارتبط في عقلك لا إراديًا باسمِ المنتَج. وهكذا؛ تلعبُ الدعاية على مشاعرِنا جميعًا دون أن نُدرك. ولأن أي دعاية تتطلبُ إعلانًا، فالسؤالُ هُنا هو كيفَ وُلدت فكرةُ الإعلان وكيف طُوّرت عبر الزمن؟


تاريخُ الإعلانات وكيف تطورت صناعتها عبر الزمن

ظهرَ مفهوم الإعلان لأول مرةٍ في نهايةِ القرن السابع عشر ولكنه بدأ في الانتشارِ فعليًا خلال منتصفِ القرنِ الثامن عشر، ومن بعدِها؛ وتحديدًا مع بدايةِ القرن التاسع عشر أصبحَت الإعلانات بمثابةِ قوةٍ رئيسيّة تعتمدُ عليها اقتصادات الدول.

وفي شهر يونيو عام 1836 كان إيميل دو جيراردن، وهو مُحرر في صحيفةِ ”La presse“ الباريسيّة الشهيرة حتى يومِنا هذا هو أول من اعتمد على فكرة الإعلانات مدفوعةِ الأجر، لتوسيعِ رُقعةِ قُراء الصحيفة وزيادة ربحِها، وقد نجحَ جيراردن بالفعلِ في تحقيقِ ما أراد.

ذو صلة

وسُرعان ما قُلدّت طريقته من قِبَل جميع الصحفِ والمجلّات؛ حيثُ كانت وسائل الإعلامِ المطبوعةِ في ذلك الوقت هي الشكل الوحيد للإعلانِ عن مُنتَجٍ ما أو شركة. واستغرقَ الأمرُ قرابة القرن تقريبًا لفهمِ ومُلاحظة أن الإعلانات النصيّة البسيطة لم تكُن تفي بالغرض، وسُرعان ما أدركَ أصحابُ الإعلانات أنهم في حاجةٍ ماسّة إلى خطةٍ بديلة!

وبدأت من هُنا الحملات الدعائية في اتخاذِ مسارٍ آخر، حيثُ قاموا بالاتجاهِ إلى تدعيمِ إعلاناتهم النصيّة بصورٍ متنوعة لجذبِ انتباهِ العملاء، ومع هذا لم تستطع أيّ شركة دعاية أن تتخلى عن النصّ والاكتفاء فقط بالصورِ والملصقاتِ إلا نادرًا.

ولعقودٍ من الزمان استخدم المُعلنون سردَ القصصِ كأداةٍ قد أثبتت بالفعلِ مدى فعاليّتها لإنشاءِ اتصّالٍ عاطفيّ مع عملائهم، وقد أثبتت الدراسات فيما بعد أنّ الناس يستطيعون تذكر المعلومات بشكلٍ أفضل عندما يتمّ سردِها على شكلِ قصةٍ مصحوبةٍ بأحداث بدلًا من تقديمِها كقائمةٍ متراصّةٍ من الحقائق.

الدعاية السياسية

إعلان كوكاكولا لعام 1946

وخلال سنواتِ الكسادِ العظيم في ثلاثينات القرن الماضي، ومع صعوبةِ تحقيقِ النجاح، واجهت الأعمال الإعلانيّة كغيرِها من الأعمالِ حينَها تحدياتٍ شديدة، خاصةً في الولايات المتحدّة. وعلى الرَغمِ من أنّ وكالات الإعلان قد أكدّت على حماقةِ تقليصِ الترويج خلال الأوقاتِ العصيبة، وجادلت كثيرًا أنّ الإعلانات قد تساعد في انتشالِ الأمةِ من فوهةِ الركودِ التي علقت بها، إلا أنّ العديد من الشركات ومع انخفاضِ الإيرادات اعتبرت أن الإعلان نفقةٌ غير ضروريّة.

وبعدَ أن كان الإعلانُ رمزًا للنفقاتِ غير اللازمة، بلغ الإنفاقُ على الإعلانات ذروته عام 2011 حيث وصل إلى 143 مليار دولار في أمريكا وحدها، بينما وصلت الأرقامُ إلى 467 مليار دولار في جميع أنحاء العالم. وعندما اعتلى الإنترنت الساحة؛ قفزت مُعدلات ازدهار مجال الدعاية والإعلان بشكلٍ ملحوظ، فقد ساعد بشكلٍ كبير المعلنين للوصولِ إلى كمياتٍ لا نظيرَ لها من البيانات حول المستهلكين وميولاتهم المتعددة.

الدعاية السياسية

والآن، أصبحت الإعلانات حولَك في كل مكانٍ، تلتفتُ يمينًا فإذا بكَ أمام إعلانٍ لمعجونٍ أسنان، تلتفت يسارًا فتجد إعلانًا آخر لسجائر. أصبح عالمُنا الحالي مزدحمٌ بالإعلانات بشكلٌ مهول، وكل ما نستطيع فعلَه هو فهم كيفيّة تأثير الإعلانات على عقولِنا.


الإعلان، لعبةٌ عاطفية أم لوحةٌ إبداعيّة؟

هُناك نوعان من ردّاتِ الفعل التي يُعطيها العميل فور مُشاهدته للإعلان:


النوع الأول: مبنيّ على المشاعر

وهي ردّة الفعل التي يُعطيها العميل عندما يتعاطف مع علامةٍ تُجاريّة ما، ويتحقق ذلك من خلال عدّة طرق، وأهمها هو عرض صور لأطفالٍ أو قططٍ أو كلابٍ ضمنَ الإعلان، وبهذا فأنتَ تضمن شِراء العميل لمنتجك، فقط لأنك قمتَ باللعب على عواطفِه دون أن يُدرك.

*إعلان شركة كلوجيت لمعجونِ الأسنان، تنشرَ الوعي بأهمية المياه* 

النوع الثاني: مبنيّ على الإبداع

وتحدث ردّة الفعلِ تلك عندما يثيرُ الإعلان الحسّ الإبداعيّ والخياليّ لدى الشخص الذي أمامَه، ويتحقق ذلك من خلال عرض فكرةٍ مبتكرة وجديدة، واستخدام الألوانِ المناسبة، واستخدام أقل الكلمات لإيصال تلك الفكرة. ويقول ميث بيشبيل المسؤول عن قسم الدعاية لشركة ماكدونالدز”إنّ الإعلانات التي تميزّت بالإبداعِ حققت عائدًا أكثر بنسبة 54% من غيرِها“.

وهُناك عدّة مشاعرٍ بعينِها تُحبّ الإعلانات استغلالِها لتضمن نجاحها:


التعاطُف والحُزن

وغالبًا ما تكون هذه الإعلانات فعّالةً في نشرِ الوعي بالقضايا الاجتماعية أو السياسيّة.


الخوف

غالبًا ما يتمّ استخدام هذا الشعور في سبيلِ نشرِ الوعي الصحيّ، مثل تذكير الناسِ بأضرارِ التدخين أو تعاطي المُخدرّات الجسيمة.

الدعاية السياسية

إعلان ديزي، الأول من نوعِه في تاريخ الدعاية السياسية

وبعدما استفضنا بالحديث عن تاريخ الإعلانات وكيفية تأثيرِها على عقولِنا، حان الآن وقت إفساحِ الطريق لتعتلي الإعلانات السياسية ساحةَ المسرح. فتتبعُ الإعلانات السياسية في أغلبِ الأحيان منهجًا يُعرَف بالحملاتِ السلبيّة، وهذه الحملات تنقسمُ إلى نوعيْن. الأول يعتمدُ على الهجومِ والثاني يعتمدُ على التباين.

في الحملاتِ الهجومية، يعرضُ الإعلان الجوانب السلبيّة للخصم وفقط، أمّا في حملاتِ التباين، فيعرضُ الإعلان كلا الجانبيْن، ويتضمنُ معلومات إيجابية عن المُرشح الذي يدعموه، وأخرى سلبيّة عن مُنافسِه. ولهذا؛ يُنظَر إلى حملاتِ التباين على أنها أقل ضررًا من الهجوميّة.

الدعاية السياسية

التُقِطَت هذه الصورة عام 1964 لطفلةٍ صغيرةٍ تبلغُ من العمرِ ٣ سنوات وترتدي فستانًا بسيطًا وهي تقفُ وسط حقلٍ مليء بأزهارِ الأقحوان وتُمسك واحدةً وتبدأُ في قطفِ بتلاتها واحدةً تِلوَ الأخرى. هذه الصورة مأخوذةٌ من إعلانٍ عُرفَ باسمِ ”Daisy Girl“ أو ”سلامًا أيتها الفتاة“، والذي اعتبر الإعلان الأول من نوعِه الذي اتبّع منهجيّة الهجوم السياسيّ المُبطّن في الدعاية السياسية.

فيديو يوتيوب

وبالرغمِ من أن ذلك الإعلان قد تمّ بثّه مرةً واحدة على شاشةِ التِلفاز خلال الانتخابات الرئيسيّة عام 1964 لصالح الرئيس ”ليندون جونسون“، إلا أنه قد أثارَ جدلًا واسعًا حينَها. واعتُبِرَ ذلك الإعلان بمثابةِ قفزةٍ عملاقة في عالم الدعاية السياسيّة، فقد استطاع أن يوصِلَ رسالته في ستين ثانية فقط وذلك لم يكُن شائعًا حينَها، فقد كانت الإعلانات السياسيّة آنذاك مبنيةٌ بشكلٍ كاملٍ على الخطابات الطويلة التي يقوم بها المُرشّح.

الدعاية السياسية

واعتُبِرَ إعلان ديزي عاملًا مهمًا في انتصارِ جونسون الساحِق على مُنافسِه ”باري غولد ووتر“ ونُقطة تحوّل فارِقة في تاريخ الدعاية السياسية وما يزال حتى يومِنا هذا من الإعلانات الاستثنائيّة. ويبدأ الإعلانُ بعدّ الطفلة لبتلاتِ الزهرةِ واحدةً تِلوَ الأخرى حتى تصلَ إلى رقم ٩، ثم يلي ذلك صوتُ رجلٍ أجشّ يقوم بعدٍّ تنازليّ وفجأةً وفورَ أن يصلَ إلى رقم ١ يعلو صوت دويّ لقنبلةٍ نووية وتظهر بوضوحٍ وهي تُدمرّ كل ما حولها؛ في إشارةٍ منهم إلى تدميرِ حقلِ الأقحوان.

وكانت الرسالة من الإعلانِ في غايةِ الوضوح، وإن كانت ضمنيةً فقط وألا وهي أنّ المُرشّح الرئاسيّ باري ووتر كان مهووسًا بالإبادةِ الجماعيّة؛ وفي خطابٍ قديمٍ له قال: ”بالضغطِ على زرٍ واحد يُمكنك القضاء على ٣٠٠ مليون شخص قبل غروبِ الشمس“.

وبعد شهريْن من بثّ ذلك الإعلان، فاز الرئيس جونسون بسهولةٍ بالغة، حيثُ أنه بحلولِ الوقتِ الذي تمّ عرض الإعلان فيه كانت بالفعل فرص ووتر ضدّ جونسون ضئيلة؛ فقامت ديزي بوضعِ لمستِها الأخيرة فقط لحسمِ الأمر. وعلى الرَغم من أنّ هذا الإعلان لم يُذكَر فيه مرةً واحدة اسم المُرشح المنافس؛ إلا أنّ الشعبَ استطاعَ أن يُدركَ جيدًا الرسالة الكامنة وراءه.

ومن بين عشرين إعلانًا آخرين يحملون نفس الرسالة، استطاعت ديزي أن تُصبحَ أيقونة عصرِها. ولكن ما السببُ بالتحديد؟

في نظرِ المحللين السياسيين إنّ إعلان ديزي قد جمع بين مشاعرِ التعاطفِ والخوف معًا؛ وكما أشرنا من قبل فهذان الشعوران قد يضمنان نجاحِ أي إعلان، فكان مزيجٌ بين تعاطفٍ مع قصةِ طفلةٍ بريئة وخوفٍ من قنبلةٍ قد بترت القصة قبل أن تنتهي.

وقد تمّ ابتكار فكرة إعلان ديزي بواسطةِ شركة الإعلانات الشهيرة Doyle Bernbach. وهي عبارة عن مجموعة انتقائية من صانعي الإعلانات المتمرسّين في فنّ الدعاية وأساليبه، وما أرادوا فعلَه آنذاك هو كسر القواعِد التي كانت تسيطر على مجال الإعلانات حينَها، حيثُ كانت الخطابات الطويلة التي تتراوحُ مدتها بين العشرين أو الثلاثين دقيقة، وكانت في أغلب الأحيان تحيد عن الموضوع الأساسيّ وتميلُ إلى ضخّ العاطفة في نفوسِ الشعب، وجميعُنا صِرنا الآن نوقِن أن أقصر طريق لإقناع أحدهم بأي شيء هو اللعب على عواطفِه!

في عالم الإعلانات يمكنك أن تقرأ:

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.