تريند 🔥

🤖 AI

الصراخ الصامت: سلبيات وآثار جانبية يعانيها الأطباء من ممارسة الطب ويكتمنوها

تأثيرات الطب الجانبية على الأطباء
محمد إيهاب
محمد إيهاب

7 د

تنتشر الافتراضات الساخرة بين عامة الناس عن الأطباء النفسيين، تلك الافتراضات التي يقع أغلبها في دائرة الأساطير. يعتقد البعض أن الأطباء النفسيين مرضى نفسيين بالضرورة، هذا بين اعتقاداتٍ أخرى خاطئة، كاعتقادهم أنّ المرض النفسي مسٌّ من الشيطان، وغيرها من الخرافات والأباطيل. وعلى الرغم من أسطورة الخلل النفسي للأطباء النفسيين، الذي يصمهم بتأصّل المرض النفسي فيهم، أو يعتمد افتراضاتٍ مسبقة عن شخصيتهم، فإن الآثار الجانبية لممارسة الطب على الصّحة النفسية للأطباء بشكلٍ عام وللأطباء النفسيين بصورةٍ خاصة شغلتنا لكتابة هذا المقال.


كيف تتناول الأعمال الفنية مشاكل الأطباء؟


تأثير طيف اسطنبول

لعل الجملة الفرويدية الأشهر تنتمي إلى نظرية الكبت؛ فكل المشاعر المكبوتة لم تختفِ من الوجود إلى العدم، بل عبّرت عن نفسها بأشكالٍ أخرى. وعند الحديث عن آثار الطب الجانبية على الأطباء بصورةٍ عامة والأطباء النفسيين بصورةٍ خاصة، فإننا نتحدث عن كمٍّ هائل من المشاعر المكبوتة، سنتناول أصلها وتداعياتها في قسمٍ لاحق من هذا المقال. لا تختفي تلك المشاعر من الوجود كما قال فرويد، ولكنّها تعبر عن نفسها بأشكال أخرى.

آثار الطب الجانبية

يتناول المسلسل التركي طيف اسطنبول عدة حكايات عن أشخاص تتشابك حيواتهم دون أن يدروا. يبدأ مشهد الافتتاح بالبطلة «مريم» تتحدث إلى طبيبة نفسية عن بعض الأفكار التي تراودها، ربما يتعجّب المشاهد فيما بعد لهذا الوضع، فـ «مريم» ذات الأصل الريفي، لم تنشأ على تصديق الطب، بل على الدين، وعلى الخرافات. ولكنّها تذهب إلى الطبيبة وتحكي لها. تنصت الطبيبة إلى مريم بالحياد المعهود للطبيب النفسي، دون إظهار الانفعالات والمشاعر التي تراودها، ودون الحكم عليها. ثم نتفاجأ في مشهدٍ آخر، بزيارة تلك الطبيبة لطبيبةٍ نفسيةٍ أخرى، وتنفجر بالبكاء وحسد تلك المريضة الريفية البسيطة، فهل هذا المشهد نادر الحدوث؟


مذكّرات طبيبٍ شاب

لم يكن مسلسل طيف اسطنبول أول من تناول حياة طبيب، فرواية مذكرات طبيب شاب، من تأليف الكاتب ميخائيل بولغاكوف، توضح معاناة هذا الطبيب الذي وجد نفسه ينتقل من كلية الطب إلى الممارسة دون تدريبٍ جيد، حتى وقع في فخ إدمان المورفين، من كثرة المآسي التي يواجهها في العمل، والضغوطات والمكوث خارج المنزل لفتراتٍ طويلة، والمناوبات الليلية والشعور بالوحدة والاستماع لشكاوى المرضى كعرضٍ مستمر.


وباء المرض النفسي بين الأطباء


الإحصاءات

أصدرت دورية «جاما» العلمية تقريرًا تحذّر فيه: «ثمة شيء مهم ومثير للقلق يصيب السلامة النفسية للأطباء»، لكن الدورية لم تفصح بالضبط عن تلك الأسباب والعوامل التي دفعت بالوضع لتلك النقطة المثيرة للقلق.

وفي إحدى الدراسات المنشورة في دورية جاما لقياس حالة الإرهاق المهني التي تصيب الأطباء، تكونت العينة من 4732 طالبَ طبٍ وطبيبًا، كان طلبة الطب في السنة الرابعة من الدراسة [الأخيرة]، والأطباء المقيمون في السنة الثانية من العمل كطبيبٍ مقيمٍ في المستشفى.

استخدمت الدراسة أسئلةً استطلاعية من نوعية «لقد ازداد شعوري بالإرهاق منذ بدء العمل»، وكذلك «لقد صرت قاسيًا مع الناس منذ البدء بتلك المهنة»، وطلبوا من المشاركين تقييم إجابتهم بالموافقة على الجملة أو عدم الموافقة. أجاب 45.2% من الأطباء المقيمين بالإيجاب على تلك الجمل؛ أي أنهم شعروا بالإرهاق وصاروا أكثر قسوة منذ البدء بالعمل، مما أثار حفيظتهم. كما وجدت الدراسة أن هذا الإرهاق زاد بين الطبيبات عن الأطباء، وزاد بين تخصصات المسالك البولية وطب الطوارئ والأعصاب والجراحة العامة.

أما عن الأطباء النفسيين، فقد أشار استطلاع أجراه موقع ميدسكيب (Medscape) أن 42% من الأطباء النفسيين والعاملين في مجال الصحة العقلية يعانون من الإرهاق المهني. كما ينتشر الاكتئاب بينهم بكثرة، وتصيبهم الأفكار الانتحارية بمعدلٍ أعلى عن العامة، إذ أقرّ 30% منهم أنهم يفكرون في الانتحار بصورةٍ مستمرة، كما أقرّ 4% منهم بأنهم حاولوا الانتحار بالفعل.


الحيثيات

يواجه الأطباء النفسيون معضلة مزدوجة، أو إن شئت القول سلاحًا ذا حدين، ولكن نصلَي الحدين موجهان إلى الطبيب.


«لقد نشأت صبيًا في ولاية أوهايو، كانت عائلتي رائعة، باستثناء اختفاء والدي المتكرر، اختفاءً يصل إلى شهور في ذلك الوقت. لم تخبرني أمي أين كان أبي، بل لم أعلم حتى إن كان حيًا أو ميتًا. لم يعلن أحد عن طبيعة هذا الاختفاء، لم يفسره أحد؛ لذلك اعتدت التكتم على الأمور [السيئة]»

دكتور ستيفن هينشو، الحاصل على الدكتوراه في الطب النفسي وعلم النفس من جامعة كاليفورنيا، بيركلي.

يعلل هينشو دراسته للطب النفسي وعلم النفس بفضوله معرفة ما يعانيه أحباؤه. اكتشف هينشو فيما بعد أن والده شُخّص بالفصام في بداية الأمر، فتغير التشخيص إلى اضطراب ثنائي القطب، لكن هذه المعلومات لم تمرّ على مسامع الأطفال مرور الكرام، فقد حرمت الأم على نفسها الحديث معهم عن هذا الأمر، واتفق الجميع أنه مُشين.

لا تتوقف تلك الوصمة على المرضى وحسب، بل تطال الأطباء النفسيين أيضًا. وعلاوةً على تلك الوصمة التي على الأطباء النفسيين التعامل معها، عليهم أيضًا أن يتعاملوا مع عنف بعض المرضى وحالات الانتحار، والموارد المحدودة، والمستشفيات المكتظة بالمرضى، ومتطلبات العمل المرهقة، والعجز عن تغيير المجتمع ككل. ربما تختلف العوامل، والنتيجة واحدة، سنتناول في الجزء المتبقي من المقال بعضًا من تلك العوامل، لعلنا نتحدث بلسان هؤلاء الأطباء ونرفع صوت الصراخ المكتوم.


عوامل الضغط النفسي على الأطباء


الأخلاقيات الطبية وبيئة العمل القانونية

لقد صاحب نشوء الطب الحديث في المجتمع الغربي مجموعةً من الأخلاقيات والقوانين لا يمكن إغفالها عندما نتحدث عن حالة الطبيب العقلية والنفسية، نبعت تلك الأخلاقيات والقوانين من الحالة الليبرالية التي يعيشها ومواثيق حقوق الإنسان والمنجزات الديموقراطية التي حققها الشعب في تلك المجتمعات، لا من المنجزات العلمية التي حققها الطب، بل على العكس، ثمة أخبار تاريخية مشينة في هذا الصدد.

تشمل الأخلاقيات الطبية حياد الطبيب تجاه شكوى المريض، والصبر عند الاستماع، تحييد القناعات الشخصية وتعطيل الأحكام الأخلاقية عليه مهما كانت أفعاله، فإذا كان الشرطي يرى أفعال المجرم، فإن الطبيب لا يرى سوى حالته، أو تلك “النظرة الطبية” المطروحة في كتاب ميشيل فوكو مولد العيادة، إذ يقول إن الطب الحديث يختزل الإنسان إلى مجموعة من الأعراض والعلامات المرضية، ولا يراه كإنسان.

أما المناخ القانوني، فناهيك عن الرعب والأيدي المرتعشة الناتجين عنه. إذ يعمل الطبيب بحالةٍ دائمة من القلق أن يقاضيه المريض ويسحب منه رخصة مزاولة المهنة على أقل تقدير، هذا إن لم يتسبب في تغريمه أموالًا طائلة أو سجنه إن لزم الأمر. هذا ويتصارع داخل نفس الطبيب رغبته الإنسانية في علاج المريض وشفائه من آلامه، كرغبة إنسانية صادقة، دون أن يفهم المريض أحيانًا كيف أن هناك أعراض جانبية لكل دواء ومضاعفات واردة لكل عملية جراحية.


المناوبات، الامتحانات وساعات العمل الطويلة

آثار الطب الجانبية على الطبيب

قد يظن المرء أن المشاكل الأخلاقية والقانونية وخطورة التعامل مع الأرواح البشرية هي العوامل الأكثر شراسةً في التهام نفسيات الأطباء وأصعب آثار الطب الجانبية، لكن ذلك غير صحيح. يعمل أغلب الأطباء، حتى الاستشاريين منهم، لساعات عمل طويلة، وفي حالة من المناوبات الليلية، فبالطبع؛ لا يختار المريض وقت مرضه، ويمكن للطوارئ الطبية أن تحدث حتى إذا كان الطبيب نائمًا، ولا يمكنه سوى أن يؤدّي واجبه في تلك الحالة ويكشف على المريض.

هذا ولا يسلم الطبيب حتى بعد التخرج من الجامعة من امتحانات مزاولة المهنة وامتحانات أخرى للترقيات الوظيفية والمهنية وشهادات لا حصر لها، فكيف به يعمل لكي يسد احتياجاته المادية واحتياجات أسرته، ويهم بالدراسة لامتحاناته، وعليه بعد ذلك أن يخصص وقتًا لحياته الاجتماعية وهواياته أو أنشطته الخاصة، هذا إن أمكن ذلك.


الطب النفسي، تحدٍ فريدٌ من نوعه

يختلف التحدي الذي يواجهه الأطباء النفسيون عن زملائهم من الأطباء في كافة التخصصات الأخرى. يختلف التحدي ولكنه يشمل تلك التحديات الأخرى أيضًا. فعلاوة على الحياد الشعوري والأخلاقيات والمشاكل القانونية وساعات العمل الطويلة والمرهقة والامتحانات المستمرة، يعاني الأطباء النفسيون من ضغوطاتٍ خارجية عديدة أبرزها احتمالية عنف المرضى بصورة تفوق الممارسة الطبية العادية، فلا يمكن التنبؤ بانفعالات المريض النفسي.

يتعامل الطبيب النفسي مع حالة فريدة من المرض، فبينما يتعامل طبيب القلب أو العيون مع أمراض قابلة للدراسة الكمية والبحث العلمي المجرد، فالتعامل مع المركبات العضوية وأعضاء الجسد في النهاية قابلة للدراسة والتعامل معها بشكلٍ مادي. أما الطب النفسي، فيتعامل مع العقل البشري، والوعي الإنساني، واضطرابات التفكير والمزاج والسلوك، وكلها من الأمور التي لم نفهمها جيدًا حتى الآن.

يحتاج الطبيب إلى قدرٍ عالٍ من الثقافة بكافة المجالات الإنسانية بالإضافة إلى الطب النفسي لفهم نفسية مريضة جيدًا، فلن تعمل العلاجات الدوائية دون علاج معرفي سلوكي.

يعمل الأطباء في بيئات عملٍ مرهقة بالطبع، وربما يكونون أكثر عرضةً من غيرهم للأمراض النفسية والاضطرابات العقلية، كما أنّهم لا يجدون الفرصة لممارسة حياتهم الطبيعية كغيرهم من الناس. تتفاقم الأزمة عندما يعمل الطبيب في بيئة عمل غير مجهّزة بالكامل، فكأنّ المعلومات التي درسها في كلية الطب لن تفيده بشيء دون وجود إمكانات تساعده على تطبيقها، ما يؤدي إلى مزيدٍ من البؤس والتعاسة.

ذو صلة

تصدر تلك الأحوال إنذارًا لا يمكن الاستهانة به، لمحاولة تحسين أوضاع الأطباء دون الحكم عليهم بالإعدام، ومنحهم الفرصة ليعيشوا حياةً إنسانية طبيعية، كغيرها من المهن، ولكن كيفية تحقيق ذلك والتخلص من آثار الطب الجانبية ستظل أسئلة تبحث عن إجابات.

أحلى ماعندنا ، واصل لعندك! سجل بنشرة أراجيك البريدية

بالنقر على زر “التسجيل”، فإنك توافق شروط الخدمة وسياسية الخصوصية وتلقي رسائل بريدية من أراجيك

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة