هل يؤثر القمر على حياة الإنسان أو صحته؟

تأثير القمر
شوكت قنبر
شوكت قنبر

5 د

هناك اعتقاد يربط بين دورة القمر وبعض التأثيرات على حياة البشر، مثل اضطرابات النوم وتغير المزاج والسلوك العدواني ودورة الحيض عند النساء. هذا الاعتقاد ليس جديدًا، حيث يعود إلى آلاف السنين. ورغم عدم وجود دليلٍ علمي يثبت صحته، ما يزال الكثيرون يؤمنون به.

لماذا يعتقد البعض أن هناك علاقةً بين القمر وصحة الإنسان؟ وما هو الأساس العلمي لهذا الاعتقاد إن كان موجودًا؟

في هذا المقال، سأقوم بمراجعة بعض النظريات التي تربط بين القمر وحياة الإنسان، وسوف أستعرض رأي العلماء والباحثين في هذه النظريات.

اقرأ أيضًا: علامات تجارية تحتفي بالذكرى الـ 50 للهبوط على سطح القمر


يمكن ملاحظة تأثيرات القمر على الأرض

يلعب القمر دورًا في عددٍ من الظواهر على كوكب الأرض، ولعل أكثر ظاهرة معروفةٍ هي المد والجزر، تحدث هذه الظاهرة بسبب تأثير جاذبية القمر، التي تسحب الماء وتؤدي إلى ارتفاع منسوبه في البحار والمحيطات.

ذو صلة
المد والجذر في خليج فندي على الساحل الأطلسي لكندا

المد والجذر في خليج فندي على الساحل الأطلسي لكندا

للقمر أيضًا تأثير مباشر على بعض الكائنات الحية، على سبيل المثال، تطلق الشعاب المرجانية الأمشاج (البويضات والحيوانات المنوية) في الماء من أجل التكاثر في فترة من السنة عندما يكون القمر مكتملًا.

تطلق الشعاب المرجانية الأمشاج في الماء عندما يكون القمر مكتملًا

تطلق الشعاب المرجانية الأمشاج في الماء عندما يكون القمر مكتملًا

لأن العديد من الحيوانات تعتمد على الضوء للرؤية، يُفترض أنه عند اكتمال القمر، تستطيع الحيوانات المفترسة أن تصطاد فرائسها بكفاءة أكبر.

لاحظ البشر منذ آلاف السنين تأثيرات القمر هذه، وافترضوا أن القمر يمكن أن يؤثر على سلوكهم أو صحتهم الجسدية والعقلية.


تأثير القمر على الدورة الشهرية

يعتقد الكثيرون أن للقمر تأثير على دورات الحيض عند النساء، وهناك اعتقاد آخر يشير إلى أن احتمال حدوث الحمل يمكن أن يكون أكبر في مراحل معينة من دورة القمر، أو أن احتمال حدوث الولادة يكون أكبر عند اكتمال القمر. لكن الأشخاص الذين يروجون لهذه الاعتقادات لا يقدمون أي دليل يدعم صحتها.

الفكرة القائلة بأن الدورة الشهرية عند النساء تتأثر بدورة القمر تعود إلى حقيقة أن الدورة الشهرية تستمر 28 يومًا، وهي تقريبًا نفس المدة التي يستغرقها القمر ليكمل دورة واحدة حول الأرض. هذه الفكرة سطحية للغاية، فهي لا تأخذ بالاعتبار أن الدورة الشهرية عند الكثير من النساء تكون غير منتظمة وقد تختلف مدتها من امرأة لأخرى.

تأثير القمر

نشر موقع المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة الأمريكية عدة دراسات تقيّم أي تأثير محتمل للقمر على الدورة الشهرية عند النساء، في إحدى الدراسات، قام الباحثون بدراسة 980 دورة شهرية لـ 74 امرأة على مدى سنة كاملة. ولم يجد الباحثون أي تزامن بين المرحلة القمرية والدورة الشهرية.

في دراسة أخرى، تم الحصول على بيانات بدء الدورات الشهرية لـ 529 امرأة (تتراوح أعمارهن بين 25 و 39 عامًا) باستخدام تطبيق على الهاتف الذكي. ولم يجد الباحثون أي ارتباط بين بداية الدورة الشهرية والمرحلة القمرية.

بالنسبة لمعدل الولادات، أجرى الباحثون تحليلًا لـ 564039 ولادة خلال 62 دورة قمرية في ولاية كارولينا الشمالية بين عامي 1997 و 2001، أظهر التحليل عدم وجود تأثير للدورة القمرية على معدل الولادات.

نستنتج من ذلك أن تأثير القمر على الدورة الشهرية للمرأة أو الحمل أو الولادة هو أسطورة لا تستند لأي أدلة.


تأثير القمر على النوم

تأثير القمر

قبل أن يخترع البشر الضوء الاصطناعي، كان القمر هو المصدر الوحيد للضوء في الليل، لهذا السبب، من الطبيعي أن يكون للقمر تأثير على النوم، حيث يمكن أن تتغير مواعيد النوم خلال الدورة القمرية، فكمية الضوء التي تصل للأرض تكون في ذروتها عند اكتمال القمر.

أكدت دراسة أجراها باحثون في الرابطة الأمريكية لتقدم العلوم هذه الحقيقة، فقد أظهرت نتائجها أن النوم يبدأ في وقت متأخر ويصبح أقصر في الليالي التي تسبق اكتمال القمر عندما يكون القمر أكثر سطوعًا.

لكن الدراسة أكدت أن تأثير القمر على النوم محدود للغاية ولا يكاد يذكر في المدن والمناطق التي تستخدم فيها الإضاءة الصناعية، في حين يكون هذه التأثير أكثر وضوحًا في المجتمعات الريفية التي يكون فيها الضوء الصناعي محدودًا.

النتيجة هي أن توقيت النوم ومدته يمكن أن يتأثر بدورة القمر، لكن هذا التأثير يختلف بحسب البيئة التي يعيش فيها الإنسان.


تأثير القمر على الحالة النفسية والعقلية

إن الاعتقاد بأن القمر يؤثر على حياة البشر وعواطفهم هو أمر راسخ في تاريخ البشرية، وهناك نقاش مستمر حول العلاقة بين الدورة القمرية والأمراض النفسية.

لتأكيد هذا الاعتقاد أو نفيه، أجرى باحثون سويسريون دراسة إحصائية تم فيها تحليل بيانات 17966 شخصًا تلقوا العلاج النفسي. وتم الحصول على التقويم القمري من موقع المرصد البحري الأمريكي واستخدامه لحساب تواريخ اكتمال القمر وفقًا للموقع الجغرافي للعيادات التي تقع في كانتون جريسنس في سويسرا.

لم تُظهِر الدورات القمرية أي صلة بمعدلات قبول أو خروج المرضى النفسيين في العيادات، كما لم تكن هناك أي علاقة بين دورات القمر ومدة إقامة المرضى في العيادات.


تأثير القمر على حالات الانتحار

الانتحار والقمر

لا تزال فرضية التأثير القمري على الانتحار منتشرة على نطاق واسع، على الرغم من عدم وجود أدلة علمية تثبت ذلك.

أجريت دراسة إحصائية تم فيها تحليل بيانات الانتحار خلال الفترة بين شهر مارس عام 1988 ويونيو عام 2011، شملت الدراسة بيانات 2111 ذكرًا و 494 أنثى أقدموا على الانتحار في من مقاطعة أولو الفنلندية.

تمت مقارنة حالات الانتحار مع المراحل القمرية المختلفة، ولم يجد الباحثون أي ارتباط واضح بين حالات الانتحار ومراحل القمر.


تأثير القمر على السلوك

هناك اعتقاد بوجود علاقة بين القمر وأنواع مختلفة من النشاط البشري مثل السلوك العدواني والاعتداءات وجرائم القتل والحوادث المرورية. كانت الحجة التي يستند لها هذا الاعتقاد هي أن جاذبية القمر تسبب تغيرات دورية في السوائل داخل الجسم، وبالتالي يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات عاطفية وسلوك عدواني لدى الأفراد المهيئين لذلك، تعرف هذه النظرية باسم “المد والجزر البيولوجي”.

بالإضافة إلى ذلك، هناك نظريات أخرى تتحدث عن تأثير الموجات الكهرومغناطيسية أو إضاءة القمر كعوامل محتملة يمكن أن تؤثر على السلوك البشري وتسبب آثارًا صحية ضارة.

لمعرفة الحقيقة، أجريت دراسة إحصائية تم فيها تحليل بيانات جرائم القتل في فنلندا خلال الفترة بين 1961 – 2014، والتي تم الحصول عليها من هيئة الإحصاء الفنلندية، هذه الفترة الزمنية تتضمن 668 دورة قمرية. كانت نتيجة الدراسة سلبية، وأكدت عدم وجود علاقة الدورة القمرية وجرائم القتل.

اقرأ أيضًا: إذا كان العيش على أسطح الكواكب الأخرى حلمًا بعيد المنال.. لماذا ينفق البشر مليارات الدولارات في أبحاث الفضاء؟

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.