توقع السلوك الإجرامي
0

بدءًا من التحرش إلى السرقة والاغتصاب والعنف والتدمير وحتى القتل، تتنوع الجرائم التي يعاني منها المجتمع أكثر من غيرها بشدة، والتي قد لا تفلح القوانين تمامًا في ردعها خصوصًا مع عدم السيطرة التامة لمنفذي القانون على كل المناطق في بلدان معينة، سواءً لنقص الإمكانات أو لانتشار الفساد. وفي حين لا أحد في المجتمع ينجو من تأثير الجرائم حتى إذا لم يتعرض لها مباشرةً، فهذا يدعو للتساؤل عن دور الآباء في توقع السلوك الإجرامي عند الأطفال وهل من الممكن أن ينجحوا في منعه مبكرًا أم أن الأمر خارج عن إرادتهم وغير قابل للسيطرة؟

ما مدى إمكانية توقع السلوك الإجرامي؟

السلوك الإجرامي لدى الأطفال

عادة ما يكون من الصعب مناقشة موضوع السلوك الإجرامي والدوافع التي تؤدي إليه، إذ أن هذا قد يشير بأصابع الاتهام عادةً إلى العوامل الوراثية، وأنّ هناك جينات في الشخص مسؤولة عن كونه مجرمًا أم لا، وبأي درجة يمكن لهذه المورثات أن تلعب دورًا، كما أن تعريف السلوك الإجرامي نفسه يختلف من مجتمعٍ لآخر وحتى العقوبة عليه ليست واحدةً في كل البلدان.

وفي البداية يمكن تعريف السلوك الإجرامي بأنّه الأفعال التي تمثل خطرًا على النفس أو المجتمع، وتتم عادةً عندما تتوفر فرصةً ووسيلة ودافع، فربما يكون هناك دافعٌ للسرقة لكن لا تأتي الفرصة أبدًا، أو يفتقد الشخص للوسيلة وهنا لا يكون مجرمًا بالمعنى الحرفي، وحتى إذا ظهرت عليه سمات المجرم فإنّ دور المجتمع والتربية هنا هو الترويض ومنع الوسيلة والفرصة.

سلوكيات تنبّئ بعنفٍ محتمل في شخصية الطفل وإقباله على الجريمة

السلوك الإجرامي لدى الأطفال

يتنوّع رد فعل الآباء بشدة على سلوكيات أبنائهم، ففي حين يرى البعض أنّ الكذب والسرقة وكسر الألعاب وإيذاء الحيوانات الأليفة من الأمور العادية، إلا أنّ البعض الآخر قد يعاقب الطّفل عقابًا شديدًا وقاسيًا يزيد من المشكلة، في حين أنّ هناك من يتعامل بحكمة أكثر مع السلوكيات المرفوضة للطفل، ومن أهم العلامات التي يمكن أن تنذر بمشروع مجرم صغير في المنزل:

الشخصية المعادية للمجتمع

إذا قامت قطة بسرقة طعام فإنّها تختبئ، وبالمثل يحذر الطفل الصغير بشدة عند محاولة ارتكاب سلوك غير صحيح، مثل تدمير لعبة، أو ضرب شقيقه أو إلقاء كلمة غير مناسبة، وعادة ما يشعر أنه فعل شيئًا خاطئًا سواء قبل إقباله على الفعل أو بعده، ولكن هناك أطفال يجد ذويهم أنهم يتلذذون بارتكاب الأخطاء التي تؤذي الغير، مثل إتلاف رسومات شقيقته أو ضرب الحيوان الأليف بشدة أو الكذب المستمر من دون مبرر أو التلذذ بإيلام الآخرين.

فهذا كله إذا لم يتم تهذيبه بشكلٍ فوري وبطرقٍ متعددة سواءً بالعقاب المباشر، أو بمصاحبة الطفل وإشراكه في أنشطةٍ اجتماعية ورياضية، وتفريغ طاقته الزائدة فإنّه قابلٌ للتحوّل بالفعل إلى سلوكٍ إجرامي.

مرافقة الأشخاص الخطرين

قد يكون الطفل هادئًا أو ذا سلوكٍ طبيعي إلى حدٍّ كبير ولكنّه يميل إلى مرافقة الأطفال الخطرين الذين عُرفوا بالعنف والتدمير وينجذب إليهم، وهذا يعتبر من علامات الخطر أيضًا، فيجب على الأبوين في سنٍ مبكرة أن يراقبوا طريقة أبنائهم في اختيار الأصدقاء ويبحثوا عن حلول مناسبة مع المتخصصين للسيطرة على هذا الميل.

القيم المعادية للمجتمع

وهي هنا أكثر خطورةً من الشخصية المعادية للمجتمع، إذ يرى الطفل أنّ أفعاله الخاطئة هي في الواقع من الأمور الجيدة أو المستحبّة، فيضحك كثيرًا عند التسبب في بكاء أحدٍ من أقرانه، وقد يصل في بعض الأحيان إلى أن يضرّ بنفسه من خلال استخدام الآلات الحادة أو شد الشعر أو قضم الأظافر، وهو هنا لا يرى في سلوكه الخاطئ أي مشكلةٍ ولا يشعر بالذنب مطلقًا بل يبرر أفعاله دائمًا.

عدم ضبط النفس

معظم الأطفال ينفجرون في البكاء فجأةً وقد يرمون أنفسهم على الأرض ويضربون من أمامهم بقوة، ولكن هذا السلوك لا بد أن يتراجع منذ عمر الخامسة أو السادسة، فإذا استمرّ الطفل في السلوك شديد العصبية الذي يجعله يدمّر من أمامه وقد يمسك بآلاتٍ حادة أو يكسر أشياءً قيِّمة عن عمد فهنا لا بد من التدخّل النفسي والعلاج للتعرّف على أسباب هذه العصبية الشديدة قبل أن تتحوّل إلى جريمة قتل في وقت عصبية.

دور العائلة في زيادة معدل الجريمة

السلوك الإجرامي لدى الأطفال

هناك أسر يرتفع احتمال أبناء مجرمين منها مهما كانت مستوياتها المادية والاجتماعية جيدة، إذ تلعب التنشئة دورًا كبيرًا في زيادة معدل السلوك الإجرامي، وهنا لا بد للمختصين والحكومات أن تضع حدًا لمثل هذا النوع من الأسر، لأن الحديث مع الأبوين لن يكون ذا جدوى لأنهما غالبًا سيكونان السبب المباشر، ومن أكثر المظاهر العائلية التي تزيد من احتمالية تورط الأبناء في سلوك إجرامي:

غياب دور الأب

يعتبر غياب دور الأب من الأسباب الرئيسة لانحراف الأبناء واتجاههم إلى الجريمة، صحيح أن هناك الكثيرون ممن ينشأون دون أبوين ولا يشكلون خطرًا على المجتمع، إلا أن العامل المشترك بين نسبة لا بأس بها من المجرمين هو الغياب التّام لدور الأب وخصوصًا من عمر 10-14 سنةً في حياة الأبناء.

فالمراهقون الذين لديهم علاقاتٌ جيّدة مع الآباء أقل عرضةً للوقوع في المشكلات القانونية والتي تبدأ بالتدخين ثم المخدرات وأحيانًا السرقة وربما التورّط فيما هو أكبر.

خلل دور الأم

التجربة العاطفية المميّزة التي يحصل عليها الطفل مع والدته في سنٍ مبكر تزيد من شعوره بالتّعاطف والإيجابية مع الآخرين، ويؤكّد تشاك سميث خبير تنمية الطفل في جامعة ولاية كنساس، أنّ الأم سواءً كانت بيولوجية أو زوجة الأب تلعب دورًا مهما في نمو شخصية الطفل وتحديد مواقفه عندما يكبر وينضج.

فإذا حدث عائقٌ عاطفي في السنوات الأولى من عمره بينه وبين والدته فإن هذا يؤدّي إلى ضررٍ دائمٍ بين الشخص وبين قدرته على الارتباط العاطفي بالآخرين، فسيظلّ الطفل أقل قدرةً في الثقة بالآخرين وبعيدًا عاطفيًا عنهم طوال حياته، وهذا في حد ذاته لا يشكّل جريمة، ولكن إذا توفّرت الفرصة والوسيلة والدافع، فإن هذا الشخص قد يتحول لمجرمٍ في لحظةٍ واحدة.

وهناك الكثير من الأسباب التي قد تؤدي للانفصال العاطفي بين الطفل ووالدته مثل معاناة الأم من الانفصال عن الأب، وعدم دعم والديها أو المجتمع لها، أو الظروف الاقتصادية التي تجبرها على العمل لفتراتٍ طويلة، ثم تأتي مرهقة ولا تستطيع التجاوب مع الطفل، بل تصرخ فيه عند أقل فعل.

لذا تفرّغ الأمّ الكامل للعناية بطفلها خلال الأعوام الأربعة الأولى، ليس رفاهيةً على الإطلاق، فالضغط النفسي الذي تتعرض له مع العمل والواجبات المنزلية، ورعاية الصغير يمكن ببساطة أن يزيد من عدد المجرمين في العالم وهذا هو الواقع الحالي.

الشجار بين الوالدين

تُظهر الكثير من الأدلة والدراسات أن الطفل الذي ينمو بين أبوين يتكون صحته النفسية أفضل، ولكن ليس كل العائلات المكونة من أب وأم تكون سليمةً من الناحية النفسية، إذ أنّ الصراع الدائم بين الأبوين له الكثير من الآثار النفسية السيئة، حيث أكّدت دراسةٌ شهيرة من جامعة هارفارد، أنّ ثلث الأبناء الجانحين في العينة الّتي درسوها، يأتون من منازل تتعرض فيها الزّوجة للإساءة.

بل تم ملاحظة أن معدل السلوك الجانح كان أكثر في العائلات السليمة التي يدور فيها صراعٌ دائمٌ مقارنةً بالحالات التي كان فيها انفصال الوالدين سواءً مع الرعاية المشتركة أو حتى برعاية أحد الطّرفين فقط للطّفل وغياب الآخر.

تأثير الانفصال على معدل جنوح الأشخاص للجريمة

الانفصال في حدّ ذاته قد يكون من مصلحة الأبناء بدلًا من الحياة في صراعٍ دائم، إلا أنّ استمرار هذا الصراع بعد الطلاق يزيد من تدهور الصّحة النّفسية للأبناء، لذا لا يجب على الإطلاق أن يستمرّ الصراع بعد الطلاق وحرمان الطفل من رؤية والدته أو والده، بل يجب تدشين قوانين تؤكّد أهمية الرّعاية المشتركة وتواصل الابن مع أبويه طوال الوقت حتى إذا كانا منفصلين.

تأثير الأبوين المجرمين

صحيح أنّ كل إنسان يختار طريقه بنفسه، لكنّ الحياة بين أبوين يمتهنان الإجرام، أو تعرضا للسجن أحدهما أو كلاهما، يزيد بالطبع من فرص اتجاه الأبناء للجريمة، وللأسف فإنّ دور رعاية الأحداث والأيتام حالتها متدهورة في جميع دول العالم تقريبًا، لتخرج هي نفسها جيلًا أكثر إجرامًا في الكثير من الأحيان من أبويهم.

جودة الأبوة والأمومة

يمكن للصّراع بين الأبوين أن يتحوّل إلى إلقاء اللوم على الطفل لأنه سبب عدم القدرة على الانفصال، أو يكون الطفل أتى دون تخطيطٍ مسبق، أو يتعرّض للاضطهاد بسبب أن الأبوين كانا يريدان ذكر فجاءت أنثى أو العكس، مما يزيد من شعور الطفل بالرفض وترتفع معدلات عدم ثقته بنفسه وزيادة حقده على الآخرين، فهؤلاء الآباء الرافضون أكثر خطورةً من النماذج السابقة، فهم لا يفشلون فقط في تقويم سلوك الأبناء ومراقبتهم وتوجيههم بل يقدمون نماذج عدة للسلوك العدواني الذي يقع على الطفل فيقلّدهم عندما يكبر.

كيف يمكن للأبوين السيطرة على السلوك الإجرامي للأبناء؟

السلوك الإجرامي لدى الأطفال

في حالة كانت أسرة عادية من أب وأم سواء متواجدين معًا أو منفصلين مع رعاية مشتركة للأبناء ووجدوا بعض السلوكيات المرفوضة في الأطفال، فإن عليهم دورًا مباشرًا في السيطرة عليه، وتتمثل أهم ملامح هذا الدور في:

  • النقاش مع الطفل في القضايا الشائكة بالتدريج مثل الجنس والمخدرات والكحول والجريمة وعقابها، فلا يجب عقاب الطفل عند سؤاله في أي موضوعٍ شائك، بل فتح الحوار والتواصل من أهم طرق السيطرة على السلوك الجانح.
  • التأهب الدائم وملاحظة أي تغير: يتعرض المراهقون لتغيرات كثيرة في الشخصية، وعلى الأبوين التأهب الدائم لملامح الخطر وعدم التركيز على الأمور السطحية مثل قصة الشعر أو شكل الملابس، فيجب منح المراهق قدرًا أكبر من الحرية مع مراقبة سلوكه الفعلي من بعيد.
  • لا يجب ترك الأطفال دون مراقبة وإشراف ولا يجب تركهم لفترات طويلة مع الخدم بعد انتهاء المدرسة أو في الإجازة الصيفية، فهذا يزيد من مخاطر اندماجهم في أنشطة عنيفة.
  • التشجيع على أنشطة وهوايات متنوعة وهذا لا يؤدي فقط لاستمرار الرقابة على الطفل وإخراج طاقته الزائدة، ولكن أيضًا سيزيد من شعوره بالتحفيز والمشاركة والقبول لنفسه وللآخرين مما يقمع أي بوادر للسلوك الإجرامي مبكرًا.

دور المدرسة في منع السلوك الإجرامي

السلوك الإجرامي لدى الأطفال

تلعب المدرسة دورًا لا شك فيه في منع السلوك الإجرامي وحتى التنبؤ به، فمن خلال مراقبة ردود فعل الطلاب في الفصل الدراسي وحتى معاني رسوماتهم ومدى تعاونهم مع أقرانهم، يمكن للمشرفين أن يتدخلوا سريعًا وبشكلٍ احترافي لترويض السلوك السيئ.

لكن ما قد يحدث في بعض الأوقات أنه يتم تطبيق عقاب صارم غير تربوي على الطفل المزعج دون محاولة تهذيبه بشكلٍ جيد، أو على العكس يتم تجاهل السلوك العدواني من الطفل سواءً خوفًا من عائلته أو لعدم الاهتمام بالتربية مع التعليم في المدرسة، ومن أهم الأدوار التي يمكن للمدرسة أن تقوم بها في تقويم السلوك الإجرامي:

  • التركيز على الأنشطة الجماعية سواء في الأبحاث الدراسية أو الرياضات والهوايات.
  • استخدام التكنولوجيا في تحديد الطلاب المضطربين من خلال كاميرات المراقبة ووضع قواعد صارمة وحتى الكشف عن الأطفال المنعزلين والتعرف على أسباب اضطراب شخصياتهم حتى إذا لم تظهر علامات العنف بعد.
  • تعيين المزيد من المشرفين النفسيين والاجتماعيين، فنتيجة تخفيض الميزانيات الدائم فإن عددًا كبيرًا من المدارس تتجاهل وظيفة المشرف النفسي والاجتماعي او تكتفي بشخصٍ واحد، وهذا مؤذٍ بشدة، إذ أن دورهما لا يقلّ أهميةً عن المواد الأساسية وزيادة التحصيل الدراسي ليس فقط للأطفال المشاغبين ولكن لبقية الطلاب أيضًا، إذ أن السلوك المضطرب داخل الفصل يشتت الذهن ويؤذي الجميع فضلًا على النتائج المستقبلية على المجتمع.

اقرأ أيضاً: التعامل مع الطفل الحساس وتعليمه.. كيف تفجرين مواهبه الكامنة خلف التوتر الزائد؟

 

0

شاركنا رأيك حول "توقع السلوك الإجرامي لدى الأطفال.. كيف يمكن للأهل أن يمنعوا جرائم أبنائهم المستقبلية؟"