لطالما استقطب اجتهاد الطلبة الصينيين اهتمام مختلف شعوب العالم؛ فاعتبرنا هؤلاء مثالًا يُحتذى به في السعي نحو العلم والمعرفة. حتى أننا بتنا -وعلى سبيل الفكاهة- نتصور أن اكتشاف إحدى العائلات الصينية لآلة حاسبة مع أحد أبنائهم قد يشكل صدمةً نفسيةً كبيرةً، وأمرًا مخجلًا لا مناص من مواجهته. كل تلك التصورات مدفوعةٌ بكمية النجاحات التي حققها الطلاب الصينيون في مختلف المجالات العلمية، انطلاقًا من الرياضيات، حتى التكنولوجيا، والعلوم المختلفة وغيرها مما تُطبق فيه الطريقة الصينية في التعليم.

فكيف يستطيع التلميذ الصيني استدراك كل هذا الكم الهائل من المعلومات، وتحمل ضغوط دراسية تعتبر الأقسى عالميًا ليطور من مهاراته وخبراته منذ سن صغيرة؟

للإجابة على هذه الاستفسارات، سنكشف لك في مقالنا هذا المنهج الذي توارثه الصينيون منذ القديم وخط قدراتهم هذه نحو النجاح العلمي والمهني بداية من الانضباط الدراسي.

تحت المجهر: الدراسة والتعليم في الصين

تقول إحدى المقولات الصينية الشهيرة: "لإثراء عائلتك، لا حاجة لك لشراء الأراضي، إذ تعادل الكتب ألف مقياس من الحبوب". وبناء عليه، تبدأ أولى خطط الأهل نحو تنشئة طفلهم تتركز حول غرس أهمية التحصيل الدراسي في نفسه، وإقناعه بدور العلم في تحقيق النجاحات والتقدم في الحياة.

وبحسب مجموعة من الدراسات، تنفق الأسر الصينية ما يقدر بنصف دخلها على التعليم مقارنة بالأسر في الدول الأخرى؛ وذلك بالرغم من قوانين تحديد النسل التي تحكم الأسر بأعداد محددة من الأطفال يعتبر الأقل عالميًا. ووفقًا للمركز الصيني لأبحاث الشباب والأطفال (CYCRC)، عادة ما يقضي الأطفال الصينيون ما متوسطه حوالي 8.1 ساعة في المدرسة الابتدائية كل يوم، وحوالي 11 ساعة في الثانوية؛ ناهيك عن معدل الساعات التي يقضيها هؤلاء الطلبة في أداء مختلف الواجبات الدراسية اليومية التي تستغرق حوالي ثلاث ساعات يوميًا بحسب ما أفادت به شركة أفانتي للتعليم في دراسة استقصائية أجرتها عام 2017؛ وهو ما يعتبر أكثر بحوالي 3.7 مرات من نظرائهم اليابانيين، و4.8 أضعاف طلاب كوريا الجنوبية. كما يقضي الطلبة حوالي ساعتين ونصف في عطلة الأسبوع لإنجاز مختلف الأنشطة اللا صفية المفروضة. مما جعل الصين تتربع قائمة الدول الأكثر صرامة وصعوبة تعليمية في العالم.

تعاليم كونفوشيوس تسيطر على النظم التعليمية

يؤثر التراث الكونفوشيوسي كثيرًا على النظم التعليمية الصينية، فلا بد أن الفيلسوف الصيني الأكثر نفوذًا في التاريخ قد استطاع خط تعاليمه في الجيل الذي عاصره وما تلاه من أجيال لاحقة حتى وقتنا هذا. لذا يسجل طلاب المدارس الثانوية في الصين درجات عالية في الاختبارات الدولية في مضامير الرياضيات والقراءة والعلوم وغيرها.

وحيث حضّ كونفوشيوس على مبادئ التقوى والأخلاق في فلسفته؛ لكن لم يتوانَ عن الدعوة إلى التعليم، الذي كان حكرًا على الأرستقراطيين قبل زمنه؛ فكسر أسطورة احتكار التعليم للطبقة الحاكمة، ودافع عن حق الجميع في التعلم؛ وأرسى أسس نظام تعليمي ناجح، وفرض اختبارات تقييمية لإبراز الفروق العلمية والمعرفية بين الجميع.

الطريقة الصينية في التعليم.. معدلات ممتازة = تدريبات مجهدة

لا يقتصر الانضباط الدراسي للطلبة على تعاليم ومبادئ غرست فيهم منذ الصغر؛ فجميعنا يجابه العديد من هذه المناورات الأسرية لإقناعه بأهمية التعليم ونقش الطموح الأكاديمي فيه. لذا لا يمكن أن نُعزي كل هذه النجاحات التي حققها طلبة الصين إلى هذا؛ بل في الأمر عامل آخر ربما يكون أشدّ وطأة!

يعتمد النظام التعليمي الدراسي في الصين على إجراء اختبارات الضغط العالي، التي تُلزم الطلبة بالدراسة اليومية لإثبات قدراتهم وتحصيل بعض الدرجات. وتعود هذه الفكرة بجذورها إلى نظام التوظيف المتبع في عهد سلالة الإمبراطور هان؛ ليعمِل كونفوشيوس هذا النظام ويحوّره ليتوجب على المتقدمين إلى الوظائف المتاحة في البلاط الإمبراطوري اجتياز مجموعة من الامتحانات الشاقة لإثبات قدراتهم وذكائهم. وهو ما يعرف اليوم بالجاوكاو (gaokao).

الجاوكاو… انضباط إلزامي يفتح آفاق النجاح

بعد ما أدلى به كونفوشيوس من تعاليم؛ تُفرض على طلبة المدارس الثانوية امتحانات سنوية مصيرية للقبول في الكليات تعرف باسم الجاوكاو، فتقرر نتائجهم في هذه الاختبارات طريق المستقبل الذي كدحوا سنوات لنقش خطواتهم عليه. لذا تبدأ حدة التوترات العقلية تتزايد من اقتراب اختبارات الجاوكاو التي تقام في شهر يونيو/ حزيران من كل عام. لتشهد الأيام القليلة من هذا الشهر عصفًا ذهنيًا وجدًا والتزامًا يفوق المعتاد.

وتقام اختبارات الجاوكاو في كل أنحاء الصين، تغلق خلالها الطرقات ويمنع السير لضمان توفير الجو الهادئ للطلاب في امتحاناتهم؛ محصّنين بدعوات عائلاتهم، محاطين بمختلف الوسائل التكنولوجية لمنع أي عملية غش محتملة. فالسطوة الطبقية هنا لا تنفع، بل يتساوى الجميع في فرص دخولهم الجامعة، كل ينال جزاء تعبه.

إلا أنه وبالرغم من كل هذا النظام، فعادة ما يعترض بعض الطلبة من مستوى الأسئلة المتفاوت بين طلبة شنغهاي وبكين والطلبة الوافدين من المقاطعات النائية الذي تكون حصتهم من الأسئلة هي الأسهل. لكن الأمر غير مضمون، فالسعي واجب الجميع، ومنشؤك لن يساعدك في النجاح هنا؛ وخاصة في ظل التمسك الكبير بمدى إنصاف الامتحانات الموحدة، وانعدام احتمالية استبدالها بنظم أخرى.

نظام تعليمي عالمي ولكن…

بعد كل ما تحدثنا عنه حول منهجية النظام التعليمي الصيني وصرامته وسطوته، والأداء العالي للطلبة الصينيين في الاختبارات الدولية، وبالرغم من تصنيف نظام التعليم في الصين كواحد من أفضل الأنظمة عالميًا؛ نتوقف قليلًا نتجاذب أسئلةً تدور في أذهاننا جميعًا تتمحور حول الأسباب التي تدفع كل هذا العدد الهائل من الطلاب إلى الدراسة في الدول الأخرى! إذ عادة ما يتزاحم مئات آلاف الصينيين في المدارس والجامعات في الدول الأخرى، ليشكلوا نسبة كبيرة من الطلاب الدوليين في أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا وغيرها.

يعزى هذا الأمر بشكل جزئي إلى رغبة معظم الأهالي في حصول أبنائهم على التعليم الغربي، نظرًا للتصور السائد حول جودة التعليم هناك، مما سيدفعهم قدمًا في حياتهم المهنية. وهو ما يجذب أنظار الجميع، ليبدأ سباق الحصول على أحد المقاعد الجامعية قبل الآخرين. وبخاصة بعد مساعي العديد من الدول كبريطانيا نحو جذب العقول الإبداعية الصينية التي لا يشك أيًا كان في مدى ذكائها وقدرتها على خط مسيرة علمية مذهلة.

والنتيجة… توجه أعداد هائلة قدرت بحوالي 660 ألف شخص نحو الدراسة في الخارج وفق إحصاءات عام 2018؛ في حين انضم ما بلغ عدده 370 ألف طالب من الصين إلى برامج التعليم العالي في الولايات المتحدة في العام الدراسي 2018/2019 وفقًا لإحصائيات الحكومة الأمريكية.

كل هذا يُفضي إلى نعم تعمّ الدول الأخرى، التي لا تستقطب هذه الأعداد للاستفادة من خبراتهم العلمية فحسب، بل تسعى لرصد مليارات الدولارات كرصيد للرسوم الدراسية التي يدفعها الطلبة لجامعاتهم. مما يعتقد أنه قد يشكل أزمة اقتصادية في هذه الدول فيما لو قرر هؤلاء الطلبة التوجه بأنظارهم نحو وجهة تعليمية أخرى في وقت ما.

طلاب الصين في الخارج… زوار غير مرحب بهم

بعد كل ما أسلفنا، ورغم كل مساهماتهم المالية؛ إلا أن الطلاب الصينيين الذي يدرسون خارجًا لا يلقون عادة الترحيب اللائق. يعزى هذا الأمر إلى مزاحمتهم لمرشحين آخرين من خلفيات أخرى من جهة، ولبعض الادعاءات التي تشكك في معايير التعليم الأكاديمية الصينية من جهة أخرى.

في حين طالت الانتقادات بعض المعاهد والمدارس والجامعات في مختلف أنحاء العالم التي قيل إن تمويلها يعود للحكومة الصينية. وخاصة بعد تكليف بعض المعاهد المدعومة من بكين بتعزيز اللغة والثقافة الصينيتين؛ مما دفع بعض المنتقدين إلى اعتبار الأمر لا يعزو كونه مجرد جهد دعائي وتهديد لحرية التعبير في المؤسسات المضيفة. لتغلق على إثر ذلك مجموعة من المعاهد وما لا يقل عن 24 جامعة أمريكية على مدى العامين المنصرمين.

كل ذلك زاد حدة التوترات تجاه الطلبة الصينيين في أمريكا خلال الأشهر الماضية؛ لتبدأ العلاقات العدائية والخلافات التي تتغذى جزئيًا بالخلافات السياسية والتجارية والمنافسات التكنولوجية بين بكين وواشنطن. وهو ما ساق معه رفضًا لقبولات وتأشيرات الدراسة الصينية في المناطق التي تعتبر حساسة للأمن القومي الأمريكي. لتسجل الجامعات الأمريكية انخفاضًا في الطلبات المقدمة من الطلاب الصينيين الذي توجهوا نحو المملكة المتحدة وكندا.

وتسعى حاليًا الجامعات الصينية نحو بلوغ قمة التصنيفات العالمية، بعد أن تربعت جامعة تسينغهوا المركز 23 عالميًا في العام الماضي. بيد أن العديد من المدارس أيضًا سجلت أرقامًا عالميًا كأفضل المدارس تعليميًا. ويرجع كل ذلك إلى الدعم الذي تقدمه الحكومة لتعزيز درجات البحث الأكاديمي واستقطاب العقول التدريسية من مختلف أنحاء العالم؛ وهو ما قد يؤدي إلى انعكاس في الوجهات التعليمية المقصودة عالميًا، لتبرز الصين كوجهة جديدة يؤمّها الآلاف في السنوات المقبلة.

اقرأ أيضًا: الطريقة اليابانية في التعليم.. ما سر التميز في التعليم الياباني؟