تعليميًا: من على حق؟ المهاجر الرقمي (الأهل) أم المواطن الرقمي (أنت)؟

المهاجرون والمواطنون الرقميون
0

صاغ مارك برينسكي وهو خبير تقنية أمريكي مصطلح (المواطن الرقمي)؛ لأنّهم ولدوا في العصر الرقمي ويتحدثون لغته، لذلك فإنّ اللغة الرقمية هي لغتهم الأم، وعلى النقيض فإنّ (المهاجرين الرقميون) هم الذين تبنوا العديد من الجوانب التكنولوجية، لكنهم كمن يتعلمون لغة جديدة في مرحلة متأخرة من حياتهم، فيحتفظون بلكنة.

والأمثلة كثيرة على هذه اللكنة، كأن يطبع البريد الإلكتروني الذي أرسله للتوّ، أو يطلب من أحد أبنائه أو سكرتيرته أنّ تطبعه، أو أنّ يطلب من زملائه الحضور إلى المكتب لرؤية موقع أعجبه، بدلًا من أنّ يرسله لهم في رسالة.

ودعني أسألك سؤالًا، كم من مرة قام فيها أحد والديك بتوبيخك عند رؤيتهم إياك تذاكر أثناء الاستماع إلى الموسيقى أو مشاهدة التلفاز؟

الأمر ببساطة أنّهم لا يعتقدون أنّ باستطاعتك ذلك؛ لأنّهم لم يمارسوا تلك المهارة طوال حياتهم، وإنمّا يؤمنون أنّ التعليم لا يجب أنّ يكون مسليًا.

الإشكالية تكمن في أنّ المهاجرين يعتقدون أنّ أبنائهم وطلبتهم لم يتغيروا، وأنّ الطرق التي تم استخدامها لتدريسهم قديمًا ستنجح مع طلبتهم المواطنين الرقميين. لكن هل هذا صحيح؟

يتسم محتوى نمط الحياة المرتكز على الشاشة بكونه غير مسبوق ليس فقط من حيث كيفية صياغته للأفكار والمشاعر، بل حتى الآثار البديهية لعدم ممارسة الرياضة والتعلم في الهواء الطلق، مما يترتب عليه زيادة في الوزن وسمنة مفرطة نتيجة عدم الحركة.

غير أنّ الشاشة الآن قد تكون هي الموجّه، فلا يمكن إنكار أنّك يجب أنّ تأخذ زمام المبادرة في تشغيل الجهاز والتنقل عبر خياراتك، لكن بمجرد أن تختار نشاطًا بعينه، سيبتلعك الإنترنت بتجاربه المذهلة المفتعلة من قبل شخص آخر.

على المستوى العقلي والإدراكي، فإنّ عقولنا تتسم باللدونة، مما يجعلها سريعة التكيف وخصوصًا عقول المراهقين؛ لأنّها تتسم بكونها أكثر مرونة عن دماغ البالغين، وقد أشار وخلص عالم الأعصاب مايكل ميزرينك، وهو أحد الرواد في إثبات قدرة الجهاز العصبي المذهلة على التكيّف أنّه: ( يوجد فارق هائل وغير مسبوق في الكيفية التي تشارك بها أدمغة [المواطنين الرقميين] بصورة مطواعة في الحياة مقارنة بأدمغة الأفراد العاديين الذين ينتمون للأجيال السابقة، وليس هناك شك بأنّ الخصائص التشغيلية للدماغ المتوسط الحديث تختلف بصورة جوهرية).

لكن على مستوى الانتباه فالأمر مختلف، حيث يعرب المعلمون والآباء عن قلقهم، فهي تخلق جيل “مشتت الانتباه مع سعة انتباه قصيرة”.

تم سؤال خبراء التكنولوجيا عن الكيفية التي ستتغير بها أدمغة جيل الألفية بحلول العام 2020 نتيجة للتواصل المكثف مع التقنيات الرقمية على الإنترنت، وقد انقسمت مجموعة الخبراء الرقميين بالتساوي بشأن توقعاتهم بالنسبة للمستقبل؛ أحد المجموعات تبنت وجهة نظر إيجابية وهي:

“لن يُعاني جيل الألفية في العام 2020 أوجه قصور معرفية بارزة خلال ممارستهم مهام متعددة، ودورانهم بسرعة عبر المهام الشخصية والمتعلقة بالعمل، وهم يتعلمون أمورًا أكثر ويبرعون في إيجاد أجوبة عن الأسئلة العميقة، الأمر الذي يرجع في جزء منه إلى أنّهم يستطيعون البحث بطريقة فعالة والوصول إلى الذكاء الجمعي عبر الإنترنت. إنّ التغيرات الحادثة في سلوك التعلم والإدراك عادة ما تنتج نتائج إيجابية”.

وتبنت المجموعة الأخرى وجهة نظر سلبية:

“لن يتمكن جيل الألفية في العام 2020 من الاحتفاظ بالمعلومات؛ فهم يقضون معظم طاقتهم في تبادل الرسائل القصيرة، والاستمتاع بالترفيه، كما يشتت انتباههم بعيدًا عن الانخراط العميق مع الناس والمعرفة. وهم يفتقرون إلى ملكات التفكير العميق؛ ويفتقرون إلى المهارات الاجتماعية المباشرة؛ ويعتمدون بطرق غير صحية على الإنترنت والأجهزة النقالة من أجل أداء مهامهم”.

لكن حتى الخمسون بالمائة من الخبراء الذين ينظرون لثقافة الشاشة في ضوء إيجابي، يقومون بذلك في كثير من الحالات، من موقف التمني وليس من منطلق اليقين أو امتلاك حجة عقلانية.

إذًا، هل كان والديك مُحقيّن عند إخبارهم لكَ “ارمي الزفت اللي في إيدك”؟

حسنًا، هذا غير صحيح، فأنت كمواطن رقمي تأبى التخلّي عن ثقافتك الرقمية ومن الصعب تدريس من يعتمد على التكنولوجيا بشكل كبير في حياته بنفس الطرق التقليدية نفسها، إذ يجب على المهاجرين الرقميين التأقلم مع نمط حياة المواطنين الرقميين الجديد، فأيّ طفل ولد في عالم جديد يرفض تعلم لغته القديمة ويتجه لتعلم لغة الثقافة التي ولد بها.

هل أنا في خطر؟

ليس تمامًا، فنقص الانتباه وسعته لديك يتم التغلب عليه بتجزئة المحتوى إلى أجزاء أصغر، وإذا درست أيّ كورس ما على أحد المواقع الإلكترونية سترى أنّه يتم تجزئة المحاضرات إلى فيديوهات قصيرة، أيضًا إنّ كُنت من محبي الألعاب الإلكترونية فهناك لعبة، The Monkey wrench، حيث يكون البطل فيها عميل خاص لما بين المجرات ومهمته إنقاذ محطة فضاء من هجوم الشرير، والطريقة الوحيدة لإنقاذه هي بتصميم هندسي يقوم فيه المستخدم بصناعة أدوات. ما أعنيه، أنّه لن يكون من المستحيل على من حفظ أجيال البوكيمونات وأسماءها باستذكار جغرافيا السكان مثلًا، الأمر كله يعتمد على كيفية تقديم المعلومة ليس أكثر.

لذا، إذا أراد المهاجرون الرقميون حقًا أن ينهوا نزاع الأجيال عليهم أن يتقبلوا المواطنين الرقميين، ويغيّروا من طرق تقديم المعلومات بما يتناسب وعصرهم.

0

شاركنا رأيك حول "تعليميًا: من على حق؟ المهاجر الرقمي (الأهل) أم المواطن الرقمي (أنت)؟"

أضف تعليقًا