لمحة عن تطور اللغة الإيطالية وكيف تغيرت جذرياً

اللغات الأجنبية
2

إذا أردت أن تقرأ نصاً باللغة العربية يرجع تاريخه إلى مئة أو ألف سنة، فإنك قد تجد صعوبة في فهم بعض الكلمات، لكنك ستكون قادراً على فهم النص بشكل عام ومعرفة المغزى منه. لكن لا يمكن لشخص إيطالي قراءة نص يعود تاريخه إلى فترة زمنية قديمة ولا فهم أي كلمة منه، حيث تطورت اللغة الإيطالية بشكل كبير ومبالغ فيه منذ انشقاقها وتفرعها من اللغة اللاتينية إلى يومنا هذا.

فأصبحت أغلب النصوص والقوائم المكتوبة باللغة الإيطالية القديمة لا تصلح للإيطاليين المستحدثين، فيا ترى ما السبب في هذه الطفرة؟ ما الذي يجعل شعب بأكمله إلا فئة قليلة لا يستطيع فهم ما سلف من الكتب والروايات والقصص وكافة الأعمال الأدبية والنصوص الدينية التي كتبت مع بداية ظهور اللغة الإيطالية؟

حتى نستطيع الرد على هذه التساؤلات، كان لابد أن نستعرض تاريخ اللغة الإيطالية وكيف تغيرت عبر العصور وما الذي أدى إلى تطورها بهذا الشكل؟

نشأة اللغة الإيطالية:

نشأت اللغة الإيطالية من تطور جذور اللغة اللاتينية المنطوقة من قبل الشعب اللاتيني وليس من اللاتينية المستخدمة من قبل الكتّاب والتي تشهدها الأعمال الأدبية الكلاسيكية.

فكانت اللغة اللاتينية هي اللغة التي يتحدث بها شعب صغير من الفلاحين والرعاة والمحاربين، قرابة عام 1200 قبل الميلاد. واستقرت اللاتينية عند مصب نهر التيبر بمساعدة الشعب اللاتيني الذي استطاع تأسيس مدينة روما.

وبين القرن الخامس والثالث قبل الميلاد، استطاع هذا الشعب اللاتيني السيطرة على جزء كبير من شمال أوروبا وأفريقيا وشعوب البحر الأبيض المتوسط.

وبالفعل استطاع هذا الشعب فرض هيمنته ولغته الخاصة على الدول.

اللغة الرسمية لإيطاليا بين القرن (4 – 6) الميلادي:

وبعد أن أصبحت السلطة السياسية والإدارية في روما مسيطرة على البلاد، ظلت اللاتينية هي اللغة الرسمية للإمبراطورية الشاسعة التي أسسها الرومان.

ولكن بين القرن الرابع والخامس الميلادي، بدأت الإمبراطورية الرومانية بالتفكك تحت وطأة غزوات البرابرة، وفقدت اللغة اللاتينية مركزيتها وقوتها الموحدة.

وبعدها نشأت لغات جديدة لكل منها سمات خاصة تتعلق بأصوات الحروف والصرف، وبناء الجمل والمفردات، وكلها مشتقة من اللاتينية، ولكن لكل لغة خصائصها التي تميزها عن غيرها.

اللغة الإيطالية في ثوبها الجديد:

بعد عدة سنوات، سميت هذه اللغات “Neolatine” أي “اللغات اللاتينية الجديدة” أو “اللغات الرومانسية”، فيما يعني أن هذه اللغات ذات أصل لاتيني روماني.

وكما هو الحال في دول أوروبا، تولدت لهجة جديدة في إيطاليا سميت ” Italiano Volgare” أي يعني ” اللغة الشعبية أو اللغة المستخدمة بشكل شائع” في إيطاليا.

وبعد نشأة تلك اللهجة، أصبحت اللغة اللاتينية الأصلية لغة لا تفهم كتاباتها إلا من قبل بعض العلماء.

وخلال القرن الرابع عشر، بدأت لهجة مدينة “توسكانا” بالظهور، نتيجة لمركز مدينة “توسكانا” وخاصة “فلورنسا” التي أصبحت واحدة من أهم وأغنى المدن في إيطاليا بفضل الأنشطة التجارية والمالية ومكانتها الاقتصادية في هذا الوقت.

وللأسف، من بين الكثير من اللهجات التي ظهرت في إيطاليا، كانت لهجة

“فولجار توسكانا” هي الأقل تأثرًا باللغة اللاتينية الكلاسيكية القديمة فيما يخص علم الصوتيات والأدب وبناء اللغة.

نشأة تاريخ الأدب الإيطالي:

ومع بداية القرن الخامس عشر بدأ الكتاب العظام بتدوين أول أعمالهم الأدبية والفنية الرائعة والخالدة باللهجة السائدة “فولجار توسكانا” لمنطقة فلورانسا مثل:

  • (Dante Alighieri) دانتي أليجييري
  • (Francesco Petrarca) فرانشيسكو بتراركا
  • (Giovanni Boccaccio) جيوفاني بوكاتشو

اللغة الرسمية لإيطاليا في القرن السادس عشر:

في القرن السادس عشر، زادت أهمية ومكانة اللغة العامية، وأصبحت لغة أدبية وعلمية وفلسفية.

فأصبحت اللغة الأدبية المستخدمة في إيطاليا هي لغة فلورانسا العامية، وليست تلك اللغة المستخدمة كلغة دارجة بين الناس، وهي تلك اللغة الأدبية المستخدمة التي استخدمها أكبر ثلاثة أدباء في القرن الخامس عشر وهم:

  • دانتي أليجييري.
  • فرانشيسكو بتراركا.
  • جيوفاني بوكاتشيو.

ومنذ ذلك الحين أصبحت لغة فلورنسا العامية هي اللغة الإيطالية. وما ظهر عدا ذلك ما هو إلا لهجات مختلفة لبعض المدن.

القواعد الأساسية لبناء وتطور اللغة الإيطالية في القرن السادس عشر (البداية الحقيقية):

وفي القرن السادس عشر، كانت اللغة الإيطالية لغة قومية متفق عليها، تم استخدامها في كتابة وبحث العديد من الأعمال الأدبية والنصوص العلمية التي كانت مكتوبة حتى هذا الحين باللغة اللاتينية القديمة.

وفي النصف الأول من القرن الثامن عشر، انتشرت اللغة الإيطالية على نطاق أوسع كلغة للتحدث والكتابة بين الطبقات الأكثر تعلمًا في المجمع.

وكان حوالي 80% من الشعب الإيطالي أمي، لا يستطيع الكتابة أو القراءة إلا باللهجة العامية الأصلية. ولذلك ظهرت استعدادات لتخطي هذه العقبة للحاجة إلى لغة مكتوبة أكثر من كونها لغة عامية منطوقة بين الناس فقط.

توحيد إيطاليا واستقرار اللغة:

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بعد إعلان توحيد إيطاليا  في عام (1861)، أصبحت الحاجة إلى لغة مشتركة بين جميع الإيطاليين مسألة وطنية. فقدمت الدولة الموحدة ما في وسعها لنشر المعرفة واستخدام الإيطالية في جميع أنحاء البلاد عن طريق جعل التعليم الإلزامي ضرورة للجميع وإجباري، وتبنى الإيطالية كلغة رسمية للدولة، وفرض استخدامها في جميع المؤسسات الخاصة بالدولة من الشمال إلى الجنوب والعكس.

اللغة الإيطالية تفرض نفسها بشكل حاسم:

وخلال النصف الثاني من القرن العشرين، فرضت اللغة الإيطالية نفسها بشكل حاسم على حساب اللهجات الأخرى.

اللغة الإيطالية اليوم:

واليوم تعتبر اللغة الإيطالية هي لغة ديناميكية في تطور مستمر وثابت من ناحية النطق، المعجم، القواعد النحوية (اللغة الإيطالية اليوم أقل تقيدًا بقواعد الماضي).

وفي الواقع من وجهة نظر معجمية أن الإيطالي ساعد في السنوات الأخيرة على قيام ثورة حقيقية.

ثورة استطاعت تطوير اللغة الإيطالية بشكل كبير وتأثرها باللغات الأجنبية كنوع من التمدن والحضارة، كتأثرها باللغة الإنجليزية والفرنسية وغيرها، كذلك مالت اللغة إلى استخدام الاختصارات اللغوية في التعامل اليومي بين الأفراد.

كل تلك العوامل بجانب المراحل المتعدد التي مرت بها اللغة الإيطالية حتى وصلت إلى اللغة الإيطالية المعروفة حاليًا، أدت إلى تأثر الكثير من الشعب وعدم قدرتهم على فهم النصوص القديمة المكتوبة باللغة الأصلية.

2

شاركنا رأيك حول "لمحة عن تطور اللغة الإيطالية وكيف تغيرت جذرياً"