0

لطالما كان التحرّش ومازال من أقذر وأبشع الجرائم التي لا يمكن غفرانها ولا التساهل بالتعامل معها، ولطالما ‏يتمّ تحويله في أغلب المجتمعات من قضية أخلاقيّة إلى قضية نسويّة، لإبطال الحقوق وتحييدها عن مسارها الصائب. بين كلّ حوادث الابتزاز ومشاهد التحرّش الخادشة للحياء التي باتت تتصدّر مواقع التواصل الاجتماعيّ، موثّقة من قبل ناشريها بالصوت والصورة سواء عن حسن أو سُوء نواياهم، بقيت أزمة الأخلاق تتصدّر عنوان المشهد العامّ، ‏فلا المستوى التعليميّ ولا المكانة الاجتماعيّة يمكن أن تعلو بالشخص المتحرّش كبُر أم صَغُر إلى مرتبة إنسان وهو يتصرّف كحيوان محكومٍ بالغرائز والشهوات. مع تضارب التوّجهات الواضح وتباين الآراء المطروحة بين الناس سرعان ما يتحوّل المشهد إلى قضيةٍ تشغل الرأي العام، وسيناريو مكرّر عن صراعٍ مفتعل بين الذكور والإناث.

ما هو التحرش؟

ما هو التحرش؟

يتم تعريف التحرّش على أنّه فعل غير محبّب يتًخذ سلوكاً اعتدائياً يتعارض أخلاقياً مع المبادئ والحقوق العامّة، ويمثّل انتهاكاً فاضحاً للكيان الإنسانيّ، بدءاً من المضايقات البسيطة وصولاً إلى حالات الابتزاز والاعتداء الجنسيّ أو الجسدي أو اللفظيّ التي تخلق بيئة مهنيّة أو تعليميّة مخيفة أو عدائية أو هجوميّة. يمكن أن يكون المتحرّش أحد زملائك أو أساتذتك في المدرسة أو الجامعة أو أماكن العمل، كما قد تتعرّض لاعتداء وانتهاك مقنّع بصلة القرابة سواء أكان من أحد أفراد عائلتك أو أقربائك أو معارفك.

أنواع التحرّش

يعتقد الكثير من الناس أن التحرّش الجنسيّ هو النوع الوحيد من المضايقات التي يمكن أن يتعرّض لها المرء في محيطه، فعلى أرض الواقع وكما تُظهر الإحصائيات فهو أحد أكثر سلوكيات التحرش شيوعاً من حولنا، لكنّه بالطبع ليس الوحيد. سنستعرض لك نماذج أخرى تندرج تحت عنوان التحرّش.

التحرّش الجسدي

يتمثلّ من خلال المضايقات الجسدية غير المرغوب فيها، وطلبات الحصول على خدمات جنسية تستهدف انتهاك حرمة الشخص وسلب إرادته الحرّة منه، من خلال أحد الممارسات التالية:

  • لمس شخص أو الإمساك به في موضع حسّاس بشكل غير لائقٍ.
  • استخدام إيماءات مخيفة غير مريحة.
  • محاولات التقارب أو التلامس الجسديّ المتعمّد.
  • تقبيل أو احتضان شخص ما بشكل غير لائق.
  • اللمس غير المرغوب فيه للشعر أو الملابس أو أحد أجزاء الجسد.

التحرّش اللفظيّ

التحرّش اللفظيّ
ينطوي على المضايقات التي تجعل الشخص يختبر مشاعر عدم الأمان والإذلال والتهديد والترهيب. في بعض الأحيان قد يجد الناس صعوبةً في التعرّف على التحرّش اللفظي وتمييزه بسبب اختلاف الثقافات اللغوية وتنوّع ردود الأفعال بين القبول والرفض، من أكثر أشكال التحرش اللفظي شيوعاً ما يلي:

  • إلقاء نكات أو ملاحظات أو تلميحات أو طرح أسئلة جنسية غير لائقة.
  • الاستفسار عن الميول الجنسية أو التاريخ الجنسي في مكان العمل أو الدراسة.
  • استخدام لغة مسيئة وتوجيه الشتائم والألفاظ المسيئة.
  • التعليق بشكل سلبي على ملابس الشخص أو جسده أو سلوكه الشخصي.
  • إصدار أصوات مشبوهة غير لائقة مثل أصوات التقبيل أو الصفير.
  • الهجمات والمشاحنات اللفظية باستخدام كلمات تهديد أو تمييز أو تحقير.
  • إرسال رسائل بريد إلكتروني أو ملاحظات أو خطابات جنسية.

التحرش البصري أو المرئي

هو موقف يعرض فيه المتحرش نفسه بطريقة فاضحة لشخص آخر دون أخذ موافقته، من الأمثلة على التحرش المرئي ما يلي:

  • فضح العورة.
  • إرسال صور أو مقاطع فيديو جنسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون إبلاغ الشخص.
  • إيماءات غير محبّبة بها تجاه شخص آخر.
  • التحديق في جسد شخص آخر بشكل عدوانيّ فاضح، وجعله يشعر بعدم الارتياح.
  • عرض رسائل أو محتوى بذيء من موقع أو كتاب أو مجلة.

التحرّش ليس حكراً على الإناث بل للذكور نصيبٌ منه

التحرّش ليس حكراً على الإناث بل للذكور نصيبٌ منه

يطال التحرش جميع الناس من مختلف الأجناس والتوّجهات الجنسيّة والطبقات الاجتماعيّة والأعمار والقدرات. فلم يعد حكراً على الأنثى بمفردها بل باتت مسألة التحرّش وحوادث الاعتداء الجنسي في المرافق العامّة والخاصّة تتطال كلا الجنسين ذكوراً وإناثاً، مهدّدة الصغار والكبار منهم على حدّ السواء. وما نشهده اليوم من تزايد هذه الحوادث بشكل كبير بين فئة الذكور القاصرة بدون محاسبة ولا رقيب، إذ تشير الإحصائيات إلى أنّ حوالي 1 من كلّ 6 فتيان يتعرضون للإيذاء والاعتداء الجنسّي قبل بلوغ سن 18. بالطبع هناك إجماعٌ تامّ في معظم الدراسات على أنّ الآثار طويلة المدى لحوادث التحرّش يمكن أن تكون ضارّة للغاية على كلّ من الذكور والإناث، في حين أظهرت الأبحاث التي أجرتها مؤخّراً أحد المراكز الأمريكيّة لمكافحة الأمراض النفسيّة، أنّ الاعتداء الجنسيّ الواقع على الأطفال الذكور تضمّن حدوث اختراقٍ أعمق متجسّد بوصمة عار تمنعهم من الإفصاح وطلب المساعدة ممّا سينتج عنه إلحاق ضرر نفسيّ أكبر وأكثر تعقيداً.

التحرش في المدارس والجامعات

التحرش في المدارس والجامعات

لا يقتصر التحرّش على ما يحدث في الشوارع العامّة فجأةً أثناء السير أو ضمن وسائل المواصلات المختلفة أو غيرها من الأمكنة، وكما أنّ ظاهرة التحرّش ليست مسألةً جديدة على المجتمع كذلك الأمر بالنسبة للمدارس والجامعات، لكن خصوصيّة تلك الأمكنة تضعنا تحت رهن عدم الإفصاح والتشهير بأسماء وشخصيّاتٍ تدّعي مكارم الأخلاق وتلبس ثوب العفّة والطهارة. لا يخفى على أحدٍ أنّ المضايقات التي يمكن أن تصدر من المعلّم لطلبته ستكون ذو وقعٍ مدمّر بشكل خاصّ، بسبب طبيعة العلاقة بين الطالب والمعلّم والثقة التي يمنحها المجتمع للمعلّمين كبناة للأجيال والوطن. إذ يمكن أن تتّخذ تلك المضايقات أشكالاً مختلفةً تستهدف زعزعة الاستقرار النفسيّ والجسدي لدى الطالب سواء من خلال التعليقات والملاحظات التهديديّة أو حوادث الاعتداء الجسديّ أو الصور المسيئة التي تخدش حياء الطالب وتفوق قدرته الاستيعابية، وبالتالي وضع الطالب تحت حالةٍ من التهديد والترهيب وعدم الارتياح. فما شهدته أحد المدارس اللبنانيّة منذ أيّام قليلة من حادثة تحرّش صادمة هزّت الرأي العامّ والشارع العربي، من خلال انتشار فيديو لمدرّس يقوم بإيحاءات جنسيّة عديدة ويرسلها إلى تلميذاته عبر تطبيق “الواتساب”، فضلاً عن محاولات التودّد والاتصال بعدّة فتيات عبر خاصية “الفيديو كول” بوضعيات خادشة للحياء وحركات غير لائقة. كما وصل الأمر به إلى انتهاك حرمة المدرسة بممارسة التحرّش لفظيّاً وجسديّاً من خلال ملامسته أجساد الطالبات والطلاب، وترهيبهم بكونه مدعوماً مع تكرار ابتزازهم بدرجاتهم وتحصيلهم العلميّ.

الدوافع الكامنة وراء ظاهرة التحرّش الجامعيّ

يبقى السؤال الجوهريّ في الواجهة هل التحرّش طبعٌ غلّاب أم لحظة طيش عابرة؟. قد تتبنّى معظم الصيحات المنتشرة في أوساطنا الاجتماعيّة الخيار الثاني كمبرّر بائس للمتحرّش يشفع له أمام جريمته المزعومة من قبل ملابس الأنثى التي نالت منه وأوقعته تحت حكم غرائزه وشهواته التي لا سلطة لعقله عليها، فالضحية هي المغرية والمجرمة وليس من حقّها التبرير ولا الشكوى ولا الدفاع عن نفسها.

ابتزاز محميٌّ بسلطة المنصب 

سيكون من الصعب التعامل مع هذا النوع من المضايقات نظراً لحساسية العلاقة بين الطلبة والمعلّم، وحالة الخوف والذعر التي يكابد الطالب عناءها لوحده دون البوح بأي تفصيل يذكر. من ناحية أخرى قد يكون من الصعب إثبات حقيقة الحادثة وتجريم المعلّم المتحرّش، نظراً لموقع السلطة والنفوذ الذي يدرء عن المعلّم ويحصّنه، فقد يتم قلب المشهد بتجريم الطالب وطرده من مدرسته أو جامعته، وصولاً إلى توجيه عقوبات جنائيّة بحقّه بسبب عدم القدرة على إثبات التهمة على المدرّس المتحرّش، لذلك قد يكون من المفيد جدّاً توثيق مثل هذه الحوادث للضغط على الجهات المعنية أمام الرأي العام لسنّ تشريعات وقوانين تجرّم المتهم وتنزع غطاء الحصانة عنه.

موقف المجتمع اتجاه تلك المضايقات والابتزازات

أصبحنا في القرن الواحد والعشرين ومازال المجتمع يتخبّط في إبداء رأيه واقفاً على الحياد، متستّراً برداء الضباب والرمادية دون أن يمتلك أدنى مقومات الشجاعة والجرأة في توجيه أصابع الاتّهام إلى المتحرّش، فكيف سنتوقّع منه أن يبادر إلى اتّخاذ سياسات عمليّة تهدف إلى تمكين حماية المرأة في بيئة عملها ومحيطها الاجتماعيّ، كذلك الأمر بالنسبة للأطفال المعتدى عليهم يبقى أمرهم قيد التكتّم والنسيان تحت شعار “وصمة العار”. ما زالت تلك الحوادث المتكررة قيد التغاضي عنها والتقليل من وقعها تحت غطاء تقديم الأعذار لتبرير السلوك غير اللائق وتلفيق الحدث وجعله طيّ النسيان. وهنا المعضلة الأساسيّة التي تشجّع وتدفع المتحرّشين إلى تكرار فعلتهم والتمادي بها، فمن أجل كسر هذه الحلقة يتوّجب على حكوماتنا ومؤسّساتنا التعليميّة الاعتراف بمدى انتشار هذه المشكلة، والانتباه إلى تأثيرها المدمّر على أبناء المجتمع، ومن ثمّ سن تشريعات وقوانين صارمة تجرّم المتحرّش وتنتصر لضحاياه.

كيفية منع التحرش وإيقافه

كيفية منع التحرش وإيقافه

لعلّ الوقاية هي أفضل وسيلة للقضاء على التحرّش وضبطه سواء أكان في مكان العمل أو البيئة التعليمية أو الأماكن العامّة. من خلال الإجراءات الصارمة والحازمة التي تتوّعد بإنزال أشدّ العقوبات بالمتحرّش وفضحه أمام العلن دون أدنى تسامح معه، كذلك يتعيّن على المجتمعات والمنظمّات إتخاذ إجراءات تحذيريّة وتوعويّة، وعقد ندوات ودورات تدريبيّة تؤهّل الأشخاص لكيفيّة التصدّي للمتحرّش وإيقافه، كما سيكون من المفيد جدّاً إنشاء خطّ اتصال لتلقّي الشكاوى والإبلاغات وبالتالي اتّخاذ إجراءات فوريّة ومناسبة للتعامل مع كلّ حالة ومعالجتها. كما يمكن لضحايا التحرّش عند تعرّضهم للمضايقة ومحاولات الابتزاز المسارعة إلى إبلاغ قسم الشرطة ليتم التعامل مع الحادثة تحت مسمّى جرائم الإكراه.

النتائج التي تخلّفها حوادث التحرّش

لا يمكن أن نتخيّل حجم الألم النفسيّ الذي يتركه التحرّش في النفس البشريّة، فرغم مرور أعوامٍ كثيرة على العديد من حوادث التحرّش والحديث عن تخطّي اضطراب ما بعد الصدمة بالعلاج والمتابعة الطبيّة، تشير الوقائع والأبحاث إلى أنّ أغلب ضحايا التحرّش ما زالت تتصادم مع تلك المواقف والمشاعر البائسة التي تترجم من خلال المعاناة المستمّرة من مشاكل تدنّي احترام الذات، وضعف الأداء الأكاديميّ، والوصول إلى مستويات عالية من الاكتئاب، بالإضافة إلى زيادة خطر الانتحار خلال فترة المراهقة والشباب.

دور الأهل في التوعية ودعم ذويهم

دور الأهل في التوعية ودعم ذويهم
أصبحت المصارحة بين الأهل والأبناء ضرورة ملّحة بل واجباً أساسيّاً يتحتّم على الأهالي تداركه والتعامل معه بانفتاحٍ وجدّية، فنقاش الأبناء مع ذويهم أو أحد البالغين الموثوق بهم عن الابتزازت والمضايقات التي تعترض مسار حياتهم في جوّ يسوده التفاهم والطمأنينة سيمكّنهم من التصالح ومقاومة الإكراه والقدرة على اتّخاذ قرارات سليمة. ففي حال تعرّضك لحادثة تحرّش أو معاناتك من تبعاتها القريبة والبعيدة ستتطلّب المسألة دعماً وإرشاداً كبيراً من الأهل والمجتمع، بدلاً من إلزام نفسك بالتعامل معها بمفردك.

مهما تعدّدت وتنوّعت الأساليب والمسمّيات التي تُغلّف بها تلك الحوادث اللاأخلاقية، يبقى التحرّش جريمةً تسقط في مستنقع الأمراض والأوبئة التي تنهش بالنفس البشرية. فمن حقّ كلّ شخص ضمان سلامة العيش في بيئة آمنة خالية من التحرّش والابتزاز.

اقرأ أيضاً: التحرش في الجامعة.. 9 أمور كفيلة بتلقين المتحرش درساً لن ينساه

0

شاركنا رأيك حول "التحرّش الجامعي: ابتزاز الأساتذة للطالبات والطلاب أحياناً!"