إنها حقيقة مُحزنة.. فعلى الرغم مِن تأثرنا بالمسائل الاقتصادية بشكل يومي، فإن الأفراد غير المتخصصين ليسوا على دراية بالأسس الاقتصاديّة ويجدون صعوبة في فهمها وإدراك ما ترمي إليه. فالاقتصاد هو ذلك العلم المعقد المليء بالمتاهات والمصطلحات والتفاصيل المربكة التي يصعب تفسيرها، حتى أن الاقتصاديين أنفسهم يواجهون صعوبة في تحديد معنى الاقتصاد وتفسير المصطلحات الاقتصادية بالضبط. إلا أن هناك بعض الحقائق والمصطلحات الأساسية التي من المهم معرفتها لتسهيل عملية كيف نفهم الأسس الاقتصاديّة.

يُمكن أن تُساعدك هذه المعرفة في إدارة أموالك واتخاذ قرارات شراء ذكية واستكشاف خيارات استثمار أموالك وفهم النموذج الاقتصادي المحلي والوطني. فعلم الاقتصاد ليس مجرد موضوع دراسي ولكنه أيضًا ممارسة منتظمة في حياة كل فرد. إنهُ طريقة لتحقيق التوازن بين المتطلبات غير المحدودة والموارد المحدودة. باختصار، الاقتصاد هو دراسة كيفية استخدام الفرد ومجموعات الأفراد لمواردهم. ومن المؤكد أن المال هو أحد هذه الموارد، ولكن يمكن لأشياء أخرى أن تلعب دورًا في الاقتصاد أيضًا. في محاولة لتوضيح كل هذا، دعنا نلقي نظرة على أساسيات علم الاقتصاد.

علم الاقتصاد: بداية الطريق لمعرفة كيف نفهم الأسس الاقتصاديّة

يُعرف علم الاقتصاد بأنه: "دراسة الطريقة التي يتم بها تنظيم المال والصناعة والتجارة في المجتمع". ويعتبر علم الاقتصاد من العلوم الاجتماعية، ويستخدم الأساليب العلمية لفهم كيفية تبادل الموارد النادرة داخل المجتمع. ويؤثر علم الاقتصاد على حياتنا اليومية بطرق واضحة ودقيقة. من منظور فردي، يضع الاقتصاد إطارًا للعديد من الخيارات التي يتعين علينا اتخاذها بشأن العمل، والترفيه، والاستهلاك، ومقدار التوفير. كما تتأثر حياتنا أيضًا باتجاهات الاقتصاد مثل التضخم وأسعار الفائدة والنمو الاقتصادي.

وبذلك يتضح أن الاقتصاد ينقسم إلى فئتين عامتين، وهما (الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلي). ينظر الأوّل إلى الأسواق الفردية بينما ينظر الآخر إلى النظام الاقتصادي بأكمله.

الاقتصاد الكلي Macroeconomics

الاقتصاد الكلي (ويعرف بالإنجليزية بـ Macroeconomics). يتعامل الاقتصاد الكلي مع القضايا الاقتصادية الكبيرة ذات الصلة مثل كيان كامل أو منظمة كبيرة أو الدولة بأكملها أو المدينة بأكملها أو مشروع كامل وما إلى ذلك. يمكن أن يندرج التضخم والميزانيات السنوية والندرة والفقر وما إلى ذلك ضمن الاقتصاد الكلي.

الاقتصاد الجزئي Microeconomics

الاقتصاد الجزئي (ويعرف بالإنجليزية بـ Microeconomics). ويتعامل الاقتصاد الجزئي مع الوحدات الصغيرة، مثل الفرد والأسرة وجزء من مشروع. على المستوى الأساسي يحاول الاقتصاد الجزئي شرح كيف ولماذا نقوم بخيارات الشراء التي نقوم بها.

المفاهيم الأساسية.. كيف نفهم الأسس الاقتصاديّة؟

يتعلق الكثير مما يدور حوله الاقتصاد بالمال والأسواق. لماذا الأفراد على استعداد لدفع ثمن شيء ما؟ هل صناعة واحدة تعمل بشكل أفضل من الأخرى؟ ما هو المستقبل الاقتصادي للدولة أو العالم؟ هذه أسئلة مهمة يفحصها علم الاقتصاد وتأتي مع بعض المصطلحات الأساسية، التي يمكن أن تساعد في تفسير العديد من القرارات التي يتخذها البشر.

1. العرض والطلب

يعد العرض والطلب من أول الأشياء التي نتعلمها في علم الاقتصاد. يشير العرض إلى كمية الشيء المتاح للبيع بينما يشير الطلب إلى الرغبة في شرائه. إذا كان العرض أعلى من الطلب، فإن السوق يخرج عن التوازن وتنخفض التكاليف عادةً. والعكس صحيح إذا كان الطلب أكبر من العرض المتاح لأن تلك السلعة مرغوبة أكثر ويصعب الحصول عليها. لقد رأى الكثير منا منحنيات العرض والطلب وسمعنا عن توازن السوق ولكن كم منا يطبق هذه المعلومات على حياته اليومية؟

في الواقع، إن العرض والطلب أكثر من مجرد خطين متقاطعين، حيث يمكن رؤية العرض والطلب في كل مكان في حياتنا اليومية. من البقالة التي نشتريها لطهي وجباتنا اليومية إلى الغاز الذي نضعه في سيارتنا، هناك قوى لا حصر لها تعمل على تشكيل العرض والطلب على سلعة أو خدمة معينة.

لفهم هذا المفهوم بشكل أكثر وضوحًا، دعنا نأخذ مثالًا شائعًا مثل أحد المنتجات الغذائية (الخبز). إذا كان الكثير من الناس يرغبون في شراء الخبز، فإن الطلب على الخبز يعتبر مرتفعًا. نتيجة لذلك يُمكنك أن تضيف المزيد من المال وتنتج كمية أكبر من الخبز وتكسب المزيد من المال بدلًا من أن توجه أموالك في إنتاج أي نوع من المخبوزات. ومن الناحية الافتراضية، يمكن أن يؤدي هذا إلى اتجاه المزيد من المنتجين إلى صنع الخبز. بعد دورات إنتاج قليلة، هناك الكثير من الخبز في السوق - يزداد المعروض من الخبز بحيث ينخفض سعر الخبز. على الرغم من أن هذا مثال مبسط للغاية، ولكن يساعدنا مفهوم العرض والطلب في تفسير الكثير من القرارات الشرائية والإنتاجية.

2. التكاليف والفوائد

يرتبط مفهوم التكاليف والفوائد بنظرية الاختيار العقلاني التي يعتمد عليها علم الاقتصاد. عندما يقول الاقتصاديون إن الأفراد يتصرفون بعقلانية، فإنهم يقصدون أن الأفراد يحاولون تعظيم نسبة الفوائد إلى التكاليف في قراراتهم.

لنوضح المفهوم بنفس المثال السابق، إذا كان الطلب على الخبز مرتفعًا، فستقوم المصانع بتوظيف المزيد من الموظفين لإنتاج المزيد من الخبز وذلك في حالة إذا كان سعر الخبز وكميته التي يبيعونها تبرر التكاليف الإضافية لدفع الرواتب والمواد اللازمة للتصنيع. وبالمثل، سيشتري المستهلك أفضل خبز يمكنه شراؤها، ولكن ربما لا يشتري أفضل أنواع الخبز في المتجر.

ينطبق مفهوم التكاليف والفوائد على القرارات الأخرى التي لا تتعلق بالمعاملات المالية. على سبيل المثال، يقوم طلاب الجامعات بإجراء تحليلات التكلفة والعائد على أساس يومي من خلال اختيار التركيز على حضور محاضرات معينة يعتبرونها أكثر أهمية لنجاحهم.
من جهة أخرى، وعلى الرغم من أن علم الاقتصاد يفترض أن الناس عقلانيون بشكل عام، فإن العديد من القرارات التي يتخذها البشر هي في الواقع عاطفية للغاية ولا تزيد من مصلحتنا الخاصة. على سبيل المثال، مجال الإعلانات يعتمد على ميل البشر إلى التصرف بشكل غير عقلاني. حيث تحاول الإعلانات التجارية تنشيط المراكز العاطفية لأدمغتنا وتخدعنا في المبالغة في تقدير فوائد عنصر معين.

3. الندرة

الندرة هي ما يدعم كل علم الاقتصاد، وهي أحد التفسيرات لسبب الإشارة إلى علم الاقتصاد أحيانًا بالعلم الكئيب. يتخذ البشر باستمرار خيارات تحددها التكاليف والفوائد. على المستوى الشخصي، تعني الندرة المشكلة الاقتصادية الأساسية التي تنشأ لأن الأفراد لديهم احتياجات غير محدودة ولكن الموارد محدودة. ومن أمثلة الموارد النادرة الوقت والمال والموارد الطبيعية؛ في الأساس أي شيء محدود يقع تحت هذه الفئة.

السبب في أن مفهوم الندرة مهم يجب فهمه هو أنه يساعدنا في وضع قيمة لسلعة أو خدمة. كلما كان المورد أكثر ندرة وكلما زاد الطلب عليه زاد سعره. عند تخصيص مواردك لأي مشروع أو حتى في قرارات الشراء اليومية، يجب أن تتعلم كيفية تحديد أولويات مواردك. المورد الأكثر ندرة هو أثمن ما لديك، لذا خطط وفقًا لذلك.

4. القيمة الزمنية للنقود

هذا المفهوم هو حقيقة أساسية لأي فرد يريد إدارة أمواله بشكل فعال. تنص النظرية الكامنة وراء القيمة الزمنية للنقود، من منظور اقتصادي بحت، على أن الدولار اليوم يساوي أكثر من دولار غدًا. يتضح هذا من خلال حقيقة أن استثمار دولار اليوم، سيولد نوعًا من عوائد الفائدة التي ستمنحك أكثر من دولار غدًا.

ترشدنا القيمة الزمنية للنقود إلى القيام بالعديد من الأشياء. بالإضافة إلى تشجيعنا على استثمار أموالنا للتغلب على أسعار الفائدة في السوق، فإنها تخبرنا أن نأخذ في الاعتبار مفاهيم التضخم أيضًا. حيث يمكن أن يؤثر التضخم، وهو الزيادة العامة في أسعار السلع والخدمات بمرور الوقت، على المستهلكين بشكل كبير. كمستهلك، فإن هدفك النهائي هو زيادة معدل دخلك بمعدل أعلى من التضخم؛ عندها فقط ستكون قادرًا على الحفاظ على نمط حياتك.

5. القوّة الشرائية

أتذكر عندما كنت في المرحلة الابتدائية حصلت بطاقة هدايا بقيمة تعادل 25 دولارًا للفوز في أحد المسابقات المدرسية. في ذلك الوقت، كنت اعتقدتُ أنني غنية، حيث كنت قادرة على شراء العديد من الأشياء التي كنت أريدها وكنت سعيدة للغاية. ومع ذلك اليوم لا يُمكن أن يشتري لي نفس المبلغ سوى حوالي نصف البضائع التي اشتريتها في ذلك الوقت. مع استمرار التضخم في النمو، تنخفض قوتنا الشرائية. القوة الشرائية هي المقدار الذي يمكن أن يشتريه لنا المال.

علينا أن نتذكر أن الثروة مرتبطة بالمقدار الذي يمكننا شراؤه بها. إذا استمرت الأسعار في الارتفاع وظلت كل الأمور الأخرى كما هي، إذًا تنخفض قوتنا الشرائية. طريقة مواجهة هذا هو جعل أموالك تنمو. استثمر أموالك وابحث عن ترتيبات الاستثمار التي تمنحك عائدًا أعلى من معدل التضخم.

هذه بعض المفاهيم الأساسية للاقتصاد؛ شكّلنا بها جوابًا للسؤال الهام عن كيف نفهم الأسس الاقتصاديّة. نظرًا لأنه مفهوم غير محدد وينتشر على نطاق واسع ويمكن أن يشتق منه العديد من التعريفات في سيناريوهات مختلفة. من بين المفاهيم الأساسية الخمسة، كانت 3 أساسيات للاقتصاد هي الأكثر أهمية، وهي العرض والطلب، قيمة النقود، الندرة. وأخيرًا، من المهم دائمًا أن يكون لديك معرفة جيدة بالاقتصاد للحفاظ على ميزانياتك متوازنة.

اقرأ أيضًا: في طريقهم للأفول.. لماذا سيقل عدد الأساتذة الجامعيين في المستقبل؟