صارت رائحة الأوراق النقدية تخنق الإنسان وصرنا نقاس بما يسكن جيوبنا بدل أن تظهر قيمتنا في ممارساتنا وإنجازاتنا الصغيرة من كتابة ومحبة ومساعدة وابتسام في وجه الغريب. خسرنا ذواتنا في زحام الأموال والآلات والطاقة الشرائية والأسواق. تُهنا في خزائن البنوك وبين فاتورات الكهرباء والماء والإنترنت حتى هجرتنا الحياة وتركتنا أمواتًا متحركين، لا يفقهون من الفرح والمغامرة شيئًا. حكمنا الصراع الطبقي وأحاط بكل المجالات حتى صرنا نتحدث عن تعليم عمومي وآخر خاص وعن معرفة مجانية وأخرى تُباع وتُشترى.

فكيف بدأت هذه التفرقة؟ وما مزايا وخصائص كل من التعليم العمومي والتعليم الخاص؟

حتى نجيب على أسئلة الحاضر، لا يسعنا إلّا العودة إلى الماضي والتفكير في تاريخ المدرسة والتدريس في العالم وملامح المدارس الأولى، لعلنا نجد فيها شيئًا مما نجده اليوم في المدارس الحكومية أو الخاصة.

مَن صاحب فكرة تشييد المدارس الأولى؟

يُحكى أن أوّل مَن شيّد المدارس وجاءنا بهذه السجون التي تنزع عنّا أجنحتنا وتبدّد نور أحلامنا هم المصريون القدامى إبّان الحضارة الفرعونية في حدود الألفية الرابعة قبل الميلاد. لم تكن حينها المدارس بنايات قائمة الذات، إذ كانت جزءًا من دور العبادة وقد قُسّمت إلى بيتين إن ترجمنا التسميات ترجمة حرفية: بيت الروح (بر-با) وهي المدرسة المعنيّة بتدريس تعاليم الدين وطقوسه وبيت الحياة (بر-عنخ) أو بيت النظام التي كانت تُعنَى بتدريس العلوم من هندسة وفلك وطب. لكن حضارات مصر القديمة لم تكن المكان الوحيد الذي وجد فيه الخبراء والباحثون آثار التدريس الأولى، فقد تجاوز ذلك مصر وأهرامها وملوكها ليصل إلى الهند التي اُكتُشِف فيها أن المدارس قد شيّدت منذ القرن الثامن ق.م. 
قامت هذه المدارس منذ تأسيسها على الطبقيّة وقد كانت متواجدة بقوّة في صفوف المصريين القدامى الذين رفضوا في البداية نفرتيتي لعدم انحدارها من السلالة الملكية، فاقتصرت فقط على تعليم الأطفال القادمين من عائلات غنية ومقربة من القصر. هكذا، صارت المعرفة حكرًا على ذوي النفوذ والمال والجاه في ذلك الوقت ولم يتغيّر الأمر بمرور الزمن. إذ لئن اختلفت التسميات والعصور، نعيش اليوم في هذه المرحلة الثالثة للامبريالية سطوة التعليم الخاص وجشعه وانكماشه على الأطفال الذين منحتهم الحياة أموالًا وشركاتٍ وبيوتًا لم تمنحها لغيرهم ممن ألقتهم بين الشوارع وفي سلات المهملات. فما هذا الذي أدّى بنا إلى خصخصة التعليم؟

الأسباب الظاهرة وراء خصخصة التعليم

نستحضر المثال الأمريكي كلما فكرنا في المؤسسات التعليمية الخاصة ولكننا بمجرد إلقاء نظرة على تاريخ التعليم هناك، نفهم أنه كان في البداية تعليمًا عموميًا ومجانيًا يسع الجميع، بيضًا وسودًا ومتحدثي اللغة الإنجليزية وغيرهم، إلّا أنه تحوّل منذ التسعينات إلى تعليم مدفوع. لم تشمل الخصخصة اليوم فقط الولايات المتحدة الأمريكية، بل التهمت أيضًا بلداننا العربية التي ما زالت تطبق، بحكم الامبريالية، إملاءات دول الشمال وتخدم اقتصادها.

أضعفت هذه السياسة الاستعمارية غير المباشرة المؤسسات الحكومية وشلّت حركة القيمة-المعرفة تحت ما يدعى رأسمالية عرفانية حتى تحولت هذه الأطر المكانية إلى مصانع قاتلة للاختلاف ودواليب اقتصادية تعمل ضمن غرض مادي وربحي ونمت فيها الفردانية والمنافسة السامّة وصار الإنسان الشامل الذي تحدث عنه كارل ماركس ضمن المخطوطات الاقتصادية والفلسفية سنة 1844، والذي عرّفه باعتباره إنسانًا متحررًا من قيود اغتراب الذات المسجونة خلف قضبان مجتمع طبقي إنسانًا اقتصاديًا أي إنسانًا تحكمه وتحركه مصالحه الربحيّة الضيقة. 
اهتز عرش التعليم العمومي في بلداننا هذه التي أهملت التعليم ما قبل المدرسي وهمّشت الإنسانيات والفنون ودجّنت العقول ووجدت نفسها مرغمة بسبب المديونية إلى الحد من عروض الشغل مما دفع المواطنين إلى الهجرة وشجع الأساتذة الذين كانوا كغيرهم ضحايا إكراهات مادية عديدة إلى الانخراط في عجلة التعليم الخاص. تفاقمت كذلك البطالة ولئن قتلنا الفراغ، فإن الأسوأ في الحكاية كلها أننا نقضي عمرنا في نيل العلم لنصير ذواتًا لا تصلح لشيء. هذا ما حدث تحديدًا لأبي حيان التوحيدي الذي أحرق كتبه كلها لأنها لم تثمر عملًا. ساهمت كل هذه العوامل في اللجوء إلى المؤسسات التربوية الخاصة التي صار النجاح فيها مضمونًا وسهل المنال. فما هي المزايا الأخرى لهذا التعليم المدفوع وهل للتعليم الحكومي اليوم مزايا كثيرة؟ 

مزايا التعليم الخاص ومساوئه

صراع التعليم الخاص والعمومي هو انعكاس لمعركة ايديولجية أساسًا وإنسانية عمومًا لا يمكن أن تنحصر في مزايا وسلبيات هذا التعليم وذاك. لهذا، نعدد مزايا هذا التعليم المدفوع من زاوية نظر رأسمالية يحل فيها الربح المادي محلّ قيمة رأس المال البشري ونتطرق إلى إيجابيات التعليم العمومي من ثقب باب غرفة تسع بالرغم من صغرها وبردها القاسي أحلام وطموحات الجميع. يدافع رؤوس الأموال وأصحاب الشركات عن المدارس الخاصة ويدعمون دفاعهم هذا عنها بتوفير أدوات وظروف تعليم مريحة ومشجعة للطفل وبضمان تواصل مستمر مع الأولياء المقحمين كذلك في عملية التدريس تلك. هذا بالإضافة إلى تدعيم الأنشطة الرياضية والثقافية (وهنا لا نعني تلك الثقافة التي يدافع عنها غرامشي) والتكنولوجية وإرساء أخلاق رأسمالية جديدة تأتي لتعوض القيم الفضلى من تعاون وتآخي ومحبة صادقة وخالية من التفكير في الخلفيات.

يستحيل الأساتذة في هذه المؤسسات تقنيين يضخون المعلومات في عقول الأجيال دون زرع رسائل إنسانية فيهم وهذا لا يعني ضرورة أنهم لا يؤمنون بها بل يفسر سطوة المال عليهم ويخرجهم في صورة ضحايا لهذا التعليم المأجور نفسه. كما تقول دراسة نشرت على موقع ERIC وهو مكتبة إلكترونية أمريكية تهتم بالتعليم والشأن التربوي أن هذه المدارس ما زالت تسجل نسبًا مخيفة للتمييز العنصري على أساس اللون أو الجذور وأنها تفوق في ذلك النسب المسجلة في المدارس الحكومية. ويعود هذا حسب ثلة من الباحثين الأمريكيين في هذا المجال إلى انعدام فحص ومراقبة هذه المؤسسات التي تقدم المال مقابلًا للصمت والتجاهل. 

يزيد هذا التشابك بين المزايا والمساوئ من حيرتنا ومن خوفنا على أطفالنا وحتى نفهم ونستوعب ونقرر، نعرض عليكم إيجابيات التعليم المجاني وسلبياته، لعلكم بذلك تهتدون إلى طريق يمكن أن تخرجنا من هذه الأزمة الأخلاقية الكونية مع الأجيال القادمة. 

إيجابيات وسلبيات التعليم العمومي

يكفي القول بأن المدارس العمومية ببنيتها التحتية الرديئة وبسمعتها التي صارت تزداد سوءًا يومًا بعد يومٍ، بخرابها الأخير وطاولاتها القديمة، بساحاتها التي هجرها اللون الأخضر وخانتها الورود، تسع الجميع على اختلافهم. إذ لا يحتاج الطفل فينا إلى دفع والديه في هوّة الإفلاس والشعور بالذنب إن كانا فارغي الجيوب والمحفظات حتى ينال نصيبه من المعرفة كما لا يحتاج إلى الوقوف أمام بوابات موصدة لمجرّد انتماءٍ طبقي لم يختره. يقول نشيد الاتحاد العام لطلبة تونس "فإذا ما الربيع لم يكن للجميع، قسمًا لن نطيع غير صوت الحمم" وأضيف أننا جميعًا، على اختلافاتنا، نستحق هذا الربيع تمامًا كما نستحق أن نرى شمس المعرفة ونسمع صوت العلوم ونعزف على أوتار الثقافة الملتزمة والحقيقية.  
اعتمد هذا المسار التعليمي في بلدان قوية اقتصاديًا مثل ألمانيا وفينلندا وإسكندنافيا التي تلتزم ليس فقط بتقديم تعليم عمومي يتساوى فيه الغني مع الفقير بل بتوفير الكتب والمراجع مجانًا، ولم ينجرّ عن هذا التعليم تفاقم في نسب البطالة، إذ قُدِّرت في ألمانيا بـ 5.5% سنة 2021 وهي نسبة ضئيلة مقارنةً بفرنسا مثلًا التي تعتمد تعليمًا جامعيًا مدفوعًا والتي فاقت نسبة البطالة فيها 8% وغيرها من الدول.

ما الحل؟

بُنِيت كبرى الدول بعد أن صارت حطامًا وبنيت الثقافات على هوامش الفكر الذي استحال رمادًا وبعد أن صارت المدارس قبورًا. بنيت الذوات بعد انكسارها وتأججت نيران الثورات بعد إخفاقها، مؤكدةً أن إعادة البناء مسألة حتمية لها وحدها أن تنتشل التعليم من براثن المستثمرين والمحتكرين والانتهازيين وأن تجمعنا في نفس القاعات سمرًا وبيضًا، مسلمين ومسيحيين ويهود وبوذيين، مهاجرين وسكان أصليين، على أساس مشترك واحد ووحيد هو إنسانيتنا.

اقرأ أيضاً: العلم في ميزان الأخلاق.. بين صناعة القنابل الذرية وإنتاج اللقاحات!