فرانكشتاين… خيال علمي وسبر لأغوار النفس البشرية

فرانكشتاين
د. بتول محمد
د. بتول محمد

6 د

هل جربنا يوماً ما أن نتساءل حقاً حول بنية الشر التي قد تتكون لدينا؟

ما إمكانية أن يكون الشر رد فعل لجملة من الأحداث والوقائع التي نتعرض لها؟

هل ثمة تبرير أخلاقي للتطور المعرفي الهائل في كافة العلوم وخاصة العلوم الطبيعية؟

كيف يمكننا خلق التوازن بين منتجات المعرفة العلمية وآثارها النفسية والمعنوية والمادية على حياتنا؟

هل ثمة حد فاصل يجب الوقوف عنده أثناء البحث العلمي؟

هذا جزء مما قد تخلقه رواية فرانكشتاين إذا ما حاولنا تقديم نظرة نقدية لهذا المؤلَّف الأدبي الذي يمثل أحد أهم ما كُتب بتاريخ الرواية، فالروح التي حملتها هذه الرواية كانت أحدى ممهدات روايات الخيال العلمي الناقدة للتطورات العلمية المطردة والسريعة والتي لم تراعِ في جزءٍ منها التكوين الأخلاقي للمجتمعات، واعتمدت على أفكار غير ممكنة التحقق، وتجارب علمية تتصف بالخطورة.

ذو صلة

فرانكشتاين


من هو فرانكشتاين؟

فيكتور فرانكشتاين بطل رواية ماري شيلي “فرانكشتاين” والتي بدأت بتأليفها عام 1816. هو رجل محب لعائلته وأصدقائه يعيش في ترف وفرته له أسرته المقتدرة، وهو العاشق الرومانسي لمحبوبته إليزابيث، تلك المحبوبة الجميلة ذات الصفات النادرة بالصدق والرقة واللطافة، هذه المحبوبة التي تكملّه بحبها للشعر والأدب والأشياء الجميلة.

من جانب آخر، هو عالم حيوي وكيميائي شغوف للمعرفة وباحث عن المجهول؛ راغب في اكتشاف سر الحياة، نشيطٌ، مُجدٌ ومجتهد لدرجة المبالغة ونسيان كل ما حوله في سبيل الوصول لهدفه البعيد عن التحقق في الواقع المتحقق في الرواية؛ ألا وهو بثّ الروح في المادة غير الحية، كي يكون الصانع لمصنوع يتصف بالديمومة والاستمرارية، لا يمرض ولا يعاني.


الصانع والمصنوع…

تلك الإمكانية الخيالية التي أبدعتها مؤلفة الرواية شيلي ووضعتها في فرانكشتاين لم تكن عشوائية، بل قصدت أن يكون قادراً من خلالها على صنع مخلوق وبث الحياة في مادة ميتة مكونة من بقايا الجثث البشرية، لتبين بعد ذلك نقدها للآثار المترتبة حول التطور العلمي الذي لا تحكمه قيم أخلاقية واضحة، ولا تحده حدود تقلل من مخاطر المعرفة والاكتشافات العلمية.

بعد أن ينجح الصانع فيكتور ببث الحياة في مخلوقه المصنوع، يكتشف أنه قد ساهم في خلق كائن قبيح ومخيف، يدفعه للهروب منه والندم على صنعه، لكن هذا الندم لم يعد نافعاً، فقد بات هذا المخلوق المصنوع حقيقة لا يمكن إغفالها، وصار التعامل مع وجوده أصعب من قدرة صنعه.

بعد أن يرفض فيكتور الصانع مخلوقه البشع، يختفي المخلوق دون أن يدري فيكتور مكانه، فيتخذ قراراً بنسيان ما حدث على أمل أن تعود حياته إلى سابق عهدها، فقد أدت تجربته إلى تيقنه من أن مصدر سعادته الحقيقي ليس في هاجسه لاكتشاف المجهول، وإنما في حياته التي أهملها وسعادته التي تغاضى عنها في سبيل تحقيق حلمه الذي قتل كل شيء جميل في حياته على حد قوله: “رغبتي العمياء في اكتشاف عظيم كان ثمنها غالياً للغاية، وبدلاً من أن أجد أملاً في عملي، لا أشعر إلا بالحزن”.

يخسر فيكتور أحباءه تدريجياً، على يد مخلوقه الذي يسعى للانتقام منه لرفضه إياه بعد خلقه، ويبدأ الصراع الداخلي لديه وبحثه اليائس لحل المشكلة التي خلقها وتورط فيها.


معضلة أخلاقية

يتحول مخلوق فيكتور البشع إلى شرير يسعى للانتقام، ويقتل شقيق فيكتور مهدداً إياه بقتل زوجته إن لم يخلق له كائناً أثنى يعيش معها كي لا يبقى وحيداً.

هنا تنشأ المعضلة الأخلاقية الأولى: حقيقية تدفع فيكتور للتفكير مطولاً حول جدوى خلقه لهذه الأنثى الوحش، ورغم انصياعه الأولي لمخلوقه خوفاً منه، إلا أنه يتخذ بعدها قراراً بالتراجع في اللحظة الأخيرة وقبل أن يبث بها الروح رغم تهديدات وحشه الأول بقتل حبيبته إليزابيث والتي صارت زوجته.

يبرر المخلوق أفعاله الشريرة لفيكتور ويقول له: “أنت الذي صنعتني ولم أستطع الحصول على السعادة، أنا وحيد في هذا العالم، وإذا كان صانعي يكرهني، فكيف أتوقع خلاف هذا من الآخرين؟”. وهذا ما يؤدي لمعضلتنا الأخلاقية الثانية والتي تتبلور حول تشّكل الشر لدى المخلوق البشع، فهل هذا الشر فطري مؤسس لديه منذ التكوين؟ أم أنه مجرد رد فعل على وقائع عاشها، وحرمته من أن يكون محبوباً وسعيداً كأي كائن آخر؟

تظهر أحداث الرواية أن الشر ليس فطرياً لدى المسخ إن جاز التعبير، وإنما تولد هذا الشر نتيجة لجملة من الضغوطات التي تعرض لها، وأدت إلى تطور الصراع بين الصانع والمصنوع، بين باحثَين عن السعادة لم يستطيعا الحصول عليها وكانت التعاسة والحزن بديلاً لها، فمن المسؤول؟


نظرة نقدية

تظهر الرؤية الناقدة للاسترسال وراء الرغبات المكنونة، والاكتشافات العظيمة لدى فيكتور نفسه، عندما يخبر صديقه الجديد وراوي القصة -والذي يتعرف عليه أثناء بحثه المضني عن المسخ- بقصته المؤلمة.

راوي القصة هو القبطان روبرت ألتون، الذي أخذ على عاتقه البحث عن مكان جديد لم تطأه قدم إنسان من قبل؛ ومع فشله في الوصول إلى غايته، تبدو رغبته الأساسية في الحصول على صديق يجلب لحياته السعادة، وهذا ما يحصل عندما يتعرف على فيكتور الذي أضنته التعاسة بعدما فقد كل شيء.

يحكي فيكتور مأساته لراوينا، الذي يستمع لكل التفاصيل ويوثق الأحداث علها تكون تجربة تسهم في تعلّم عبرة ما.

هنا يتحول فيكتور من كونه ذلك الباحث عن المجهول، إلى ناقد لذلك البحث رافض للخوض في أغوار مكتشفات جديدة، معتبراً أن سبب تعاسته كان استسلامه لرغبته القوية في الكشف عن ممكنات خلق جديد، فيقول لصديقه الجديد “لا بد أن تدرك الخطر الذي تخلفه الرغبات القوية”.


حلول مقترحة

هل يجب أن نتوقف عن البحث؟ كيف يمكننا تحقيق التوازن بين آثار النتائج المعرفية وبين إمكانية التأسيس لمكتشفات جديدة دون أن يؤثر هذا على حياتنا؟

ما هي الضوابط الأخلاقية الممكنة أثناء البحث العلمي؟ وهل تؤثر هذه الضوابط إن وجدت على سير التجربة العلمية؟

لا يمكن للحل أن يكون بالتوقف عن البحث، فنحن هنا اليوم ومع كل هذه الاكتشافات العلمية نتيجة للبحث المضني الذي قام به العلماء عبر العصور الماضية، ولكننا نستطيع بناء جملة من الضوابط التي قد تمنع أو تخفف من الآثار غير المعروفة لبعض الاكتشافات العلمية بما يخدم مصلحة الإنسان دون أذى.

ربما يذكرنا هذا بأن آينشتاين عندما وضع النظرية النسبية، لم يتوقع أن يتم استخدامها أسوأ استخدام، بل كان يحاول المساهمة في إنشاء بدائل حقيقية للطاقة، لكن انعدام الضوابط الأخلاقية جعلت البعض يستغل هذه النظرية لخلق وحش اسمه القنبلة النووية، سبب هذا الوحش موت مئات ألوف البشر.

بالنتيجة تختتم كاتبتنا روايتها بموت فيكتور بعد أن يقص حكايته لروبرت ألتون، طالباً منه أن يتعلم الدرس من تجربته الصعبة، وأن يعود لدياره وحياته هو ورجاله قائلاً له: “إن حياة أولئك الرجال أهم بكثير من أهدافنا الأنانية”.

هنا لا بد أن نشير: إن فرانكشتاين ليس هو الوحش، هو صانع الوحش، فقد درجت العادة في الأدب اللاحق على هذه الرواية وفي الأفلام التي جسدت شخصية الوحش أو المسخ على تسميته فرانكشتاين تيمناً بصانعه، لربما لهذه التسمية دلالات مقصودة تجعلنا نتساءل: من هو الشرير الحقيقي في هذه الحالة، الصانع أم المصنوع؟ مع تبيان حقيقة أن المسخ يعبر عن ندمه الشديد في نهاية الرواية بعد موت فيكتور مبيناً أنه لم يحصل على سعادته المرجوة بعد فقدانه لصانعه.

وأنتم ما رأيكم؟

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة