رغم أنه حق من حقوق الإنسان لكنه كان معضلةً بشرية حقيقية.. إليك تاريخ الصرف الصحي

تاريخ الصرف الصحي
نور حسن
نور حسن

6 د

نقوم يوميًا بأمورٍ روتينية وبسيطة، مثل غسل الصحون وقضاء حاجتنا في المرحاض، ثم وببساطة نقوم بشد السيفون وغسيل أيدينا، غير مكترثين برحلة هذه المياه العادمة التي أنتجناها، في الحقيقة نحن نعيش اليوم رفاهياتٍ كثيرة كانت يومًا ما معضلة كبيرة لدى أجدادنا، ربما لم تفكر بالأمر من قبل لكن هل تساءلت يومًا عن الرحلة الطويلة التي قامت بها البشرية حتى تصل أنت إلى هذه الرفاهية بإلقاء قمامتك؟ في هذا المقال ستتعرف على تاريخ الصرف الصحي الذي حارب من أجله أجدادنا حتى ننعم اليوم بمياه نظيفة في منازلنا.


تاريخ الصرف الصحي

صرف

عاش الإنسان الحديث على هذه الأرض منذ أكثر من 200000 سنة، وكان يصطاد ويأكل بوجود الكثير من مصادر المياه المتجددة، ومع ازدياد أعداد البشر واستيطانهم في كل مكان لم تعد تكفيه الجداول والينابيع، وأصبح يستهلك المياه بشكلٍ أكبر وزادت المشاكل الصحية التي تسببها المياه الملوثة والروائح الكريهة، وهذا ما جعلهم يبحثون عن مصادر جديدة، أو بالأحرى ابتكار نظام صرف صحي، يؤمن لهم المياه النظيفة للرعي والزراعة وتربية مواشيهم. ومن جهةٍ أخرى يقوم بتصريف المياه الملوثة بعيدًا عنهم وبطرقٍ آمنة.

وجدت أول المستوطنات الحضرية في أريحا منذ 7000-8000 قبل الميلاد، كما وجدت بعض آثار لقنوات مياه الأمطار الحجرية في بلاد ما بين النهرين ومصر منذ 3000 قبل الميلاد، بينما كان أول دليل لوجود حمامات ومراحيض الصرف الصحي في أوروبا منذ العصر البرونزي، في جزيرة كريت ضمن الألفية الثانية قبل الميلاد.


بلاد ما بين النهرين، وبلاد فارس ومصر

ذو صلة

أدخلت بلاد ما بين النهرين نظام الصرف الصحي والأنابيب المصنوعة من الطين منذ حوالي 4000 سنة قبل الميلاد، واستخدمتها لأمور مختلفةٍ، مثل تجميع مياه الأمطار في الآبار وتصريف المياه الملوثة بعيدًا، كما قدموا أول مرحاض مبني من الطوب منذ 3200 سنة قبل الميلاد.

أما في بلاد فارس القديمة، فقامت إيران ببناء أولى أنظمة الصرف منذ حوالي 2000-3000 سنة قبل الميلاد، واستخدمت القنوات الفارسية، وهي عبارة عن قنوات ذات ميول منخفضة تسمح بجريان المياه ضمنها بتأثير الثقالة، وأوجدت الخزانات التقليدية لتجميع المياه وتبريدها، في حين كانت تستخدم الحضارة المصرية أنابيب صرف نحاسية اكتُشِفت في هرم ساحورع منذ حوالي 2400 سنة قبل الميلاد.


شرق آسيا القديمة

وُجدت في منطقة الصين القديمة آثار تدل على استخدام الصينيين القدماء لآبار مياه منذ 6000-7000 سنة مضت، كما تم العثور على أدوات سباكة تعود إلى عائلة تشين (221-206 قبل الميلاد) وأسرة هان (206 قبل الميلاد إلى 220 بعد الميلاد).


حضارة وادي السند

تمتلك منطقة شرق آسيا الكثير من الأدلة التي تثبت قيامها بمعالجة مياه الصرف الصحي منذ أكثر من 2600 سنة قبل الميلاد، حيث كانت معظم منازلها مصنوعة من الطوب وتحتوي على مراحيض خاصة لكل منزل، وتقوم بتصريف المياه العادمة الناتجة عنها عبر مصارف جوفية مصنوعة من الطوب ومرصوفة بعناية، ويعتبر هذا النظام من النظم المتطورة في ذلك الوقت حيث اعتمدت على تصريف مياه الأسقف والحمامات ضمن مصارف خاصة ثم تفريغها ضمن أنابيب من الطين المغلقة أو باستخدام مزالق مفتوحة تنتهي في مصارف الشوارع.


البحر الأبيض المتوسط ​​القديم

استخدمت الحضارة اليونانية القديمة في جزيرة كريت والمعروفة باسم “الحضارة المينوية” الأنابيب الفخارية الموضوعة تحت الأرض من أجل أغراض تصريف المياه العادمة، وكانت من أول الحضارات التي استخدمت المرحاض مع مياه متدفقة في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، واعتمدوا على غسيل المجاري الحجرية بشكلٍ دائم بالمياه النظيفة.


الإمبراطورية الرومانية

يعتبر Cloaca Maxima في روما القديمة أحد أقدم أنظمة الصرف الصحي في العالم، حيث ابتكرت هذه المدينة مفهومًا جديدًا للنظافة، عندما فصلت مياه الصرف الصحي باستخدام نظامٍ للتصريف في الشوارع تنتهي في نهر التيبر، وطورت المرحاض العام بحيث يمكن استخدامه أثناء الجلوس، أي تم التغوط في وضع القرفصاء وهذا ما يقلل من التلوث بالبراز أثناء التغوط، بالإضافة لفصل المياه الرمادية الناتجة عن الحمامات والغسيل عن مياه الصرف الصحي وكانت تستخدم لغسل المراحيض العامة.

صرف صحي

مفارقة عصر النهضة في أوروبا

لك أن تتخيل أن أوروبا كانت تعيش مرحلةً مهمةً من التطور العلمي والعمراني لا تزال شوارعها تعاني من القذارة والروائح الكريهة، إذ لم يستطع الصرف الصحي مواكبة ثورة الفنون والعلوم في تلك المرحلة وكانت المدن تنمو وتكبر، ولم يستطع أحد إيجاد حلٍ لمشكلة الروائح القذرة حتى القرن السابع عشر، وكان التغوط على أطراف الأرصفة شائعًا في الكثير من الأحياء الأوروبية، ولم يكترث المواطنون بذلك واستمروا في إلقاء فضلاتهم ضمن المجاري المفتوحة في الشوارع، والتي كان قسمٌ كبيرٌ منها ينتهي في الأنهار أو تمتصّه الحفر.

وكانت باريس هي المفارقة الكبرى في تلك الفترة، حيث كانت تملك أجمل النوافير والبرك والقنوات في حدائق قصر فرساي في منتصف القرن السابع عشر، في حين كانت تغط المدينة بأعلى مستوىً من القذارة والروائح الخانقة ضمن أزقتها، ولم يكن الأمر مختلفًا كثيرًا في لندن، بالرغم من القرارات الصارمة للملك “هنري الثامن” الذي فرض قواعد صحية صارمة لتنظيف المصارف، لكن ذلك لم يقلل من انبعاث الروائح. حتى قام المخترع “جون هارينتجون” بإيجاد المراحيض الخاصة الحديثة في المنازل ميسورة الحال، والتي تعتمد على مياه الخزانات لغسيلها ونقل النفايات إلى حفرٍ خاصة، وبقيت المشكلة تتفاقم بشكلٍ كبير.

ولم يكن أحد يعلم العلاقة الوثيقة بين هذه القذارات والأمراض الواضحة حتى منتصف القرن التاسع عشر، قد يعتقد البعض أن سكان العصور الوسطى لم يكونوا بالنظافة التي نحن عليها اليوم، لكن هذا الكلام غير دقيقٍ فعليًا، لأنهم كانوا يشمئزون من الروائح المزعجة والفضلات المتراكمة، لكنهم لم يدركوا أن هذه البقايا يمكن أن تنقل لهم الأمراض، مثل وباء الكوليرا الذي لم يعرف سببه حتى عام 1847؛ عندما لاحظ الطبيب الإنجليزي جون سنو أن الكوليرا تنتقل نتيجة المياه الملوثة، وأثبت نظريته عندما طلب إيقاف ضخ المياه في بعض المناطق ولاحظ انخفاض نسبة الإصابات.


العلاقة بين الصرف الصحي والأمراض

صرف

يعتبر التخلّص من الفضلات البشرية ومعالجتها جزءًا لا يتجزأ من الحضارة الإنسانية، لأنها ساعدت بشكلٍ كبير في بقاء الإنسان على قيد الحياة، وساهمت بشكلٍ أو بآخر في الازدهار الاقتصادي والثورة الصناعية. وكان اكتشاف الطبيب جون سنو لسبب وباء الكوليرا في عام 1854 نقطة تحول هامة، ربطت فيها الروائح والمخلفات البشرية بالأمراض.

ومع أواخر القرن التاسع عشر ظهر ما يعرف بالثورة الصحية أو “الصحوة الصحية الكبرى” في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي اعتُبرت أهم تقدّمٍ طبي في ذلك الوقت، بالرغم من أنّ أنظمة الصرف الصحي التي تم إنشاؤها خلال هذه الفترة، لم توفر معالجةً حقيقيةً لمياه الصرف الصحي، وبقي التلوث البيئي وانتشار الأمراض مستمرًا، فكان التركيز على الشرح للعامة طرق العدوى وأهمية غسل اليدين والخضراوات جيدًا قبل تناولها وهذا ما ساعد في تخفيض أمراض الإسهال والطفيليات المنقولة من التربة بنسبة تصل 30-40%.

بالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر الصرف الصحي حقًا من حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، إلا أن نصف سكان العالم حوالي 4.2 مليار نسمة لا يزالون يستخدمون خدمات الصرف الصحي دون معالجة، وهذا ما يهدد صحة الإنسان والبيئة المحيطة. وبالرغم من التطور الحاصل فإن 673 مليون شخص لا يزالون يتغوطون في العراء بسبب عدم توفر مراحيض على الإطلاق، في حين يعاني 367 مليون طفلٍ من عدم توفر مراحيض في مدارسهم، ولا شك أنّ مثل هذه الأرقام تمتلك عواقب وخيمة على البشرية، ومدمرة على مستوى الصحة العامة بالرغم من التطور الحاصل في كافة مجالات الحياة.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات