أسطورة النصف الأيمن والأيسر من الدماغ .. حقيقة أم خرافة؟!

3

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

بالطبع قد سمعتم او قرأتم من قبل عن نظرية الدماغ الأيسر والأيمن وتعرضتم لأشخاص يعتقدون أنهم يستخدمون الجزء الأيسر من الدماغ أكثر من الأيمن أو العكس وقد يعتقد بعضكم بصحة هذه النظرية أيضاً، وعلى الأرجح البعض منا قد تعرض من قبل لاختبارات على الإنترنت الغرض منها تحديد ما إذا كنت تستخدم الجزء الأيمن أو الأيسر من دماغك. ونظراً للشهرة الكبيرة التي تحظى بها هذه الفكرة قد تفاجأ عندما تعلم أن هذه مجرد خرافة أخرى من الخرافات الكثيرة المنتشرة عن الدماغ البشري.

إذاَ ما هي هذه النظرية؟

نصفا الدماغ

وفقاً لنظرية سيطرة الجزء الأيمن أو الأيسر من الدماغ، كل جزء من الدماغ يتحكم في أنواع مختلفة من التفكير لهذا هناك أشخاص تفضل وتبرع في نوع معين من التفكير على الآخر. على سبيل المثال، الشخص الذي يستخدم الجزء الأيسر من الدماغ يقال إنه يتميز في التفكير المنطقي والتحليلي وموضوعي بينما يتميز الشخص الذي يستخدم الجزء الأيمن من الدماغ بأنه حدسي وعميق التفكير وغير موضوعي.

في علم النفس نجد أن هذه النظرية مبنية على ما يعرف بنظرية التخصيص الجانبي لوظائف الدماغ lateralization، إذاً هل بالفعل كل جزء من الدماغ يتحكم في وظائف معينة؟، هل يستخدم الشخص إما الجزء الأيمن من دماغه أو الأيسر؟، مثل معظم خرافات علم النفس المنتشرة نشأت هذه النظرية الخاطئة بسبب ملاحظات عن الدماغ البشري تم تشويهها والمبالغة فيها بشكل كبير مع مرور الزمن. لنلقِ نظرة في البداية على ما تقترحه هذه النظرية.

النصف الأيمن

وفقاً للنظرية نجد أن النصف الأيمن من الدماغ يكون أفضل في المهام الإبداعية والتعبيرية، بعض القدرات المصحوبة بالجزء الأيمن من الدماغ تتضمن:

  • التعرف على الوجوه
  • التعبير عن المشاعر
  • الموسيقى
  • فهم وإدراك المشاعر
  • الألوان
  • الصور
  • الحدس وسرعة البديهة
  • الإبداع

النصف الأيسر

النصف الأيسر من الدماغ وفقاً للنظرية يعتبر ماهراً في المهام التي تشمل المنطق، واللغة والتفكير التحليلي، ويوصف الجزء الأيسر بتفوقه في القدرات التالية:

  • اللغة
  • المنطق
  • التفكير النقدي
  • الأرقام
  • الاستنتاج

نظرية النصف الأيمن والأيسر من الدماغ ظهرت بفضل اعمال روجر و. سبيري Roger W. Sperry والذي حاز جائزة نوبل في عام 1981، بينما كان يدرس ويبحث آثار داء الصرع اكتشف روجر أن قطع الجِسْمُ الثَّفَنِيُّ أو الجسم الجاسئ corpus collosum  (مجموعة من الألياف العصبية التي تربط نصفي الدماغ ببعضهما البعض) يمكن أن يقلل ويمنع نوبات الصرع.

251427-watch-split-brain-theory

للتوضيح، في بعض حالات الصرع الشديدة يلجأ الأطباء إلى قطع جزء كبير من نصف الدماغ الذي تبدأ منه نوبات الصرع كحل أخير ومع مرور الوقت يملأ السائل الدماغي ذلك الفراغ مرة أخرى وقد يلزم المريض سنة أو أكثر إلى أن يتعافى ويصبح طبيعياً مرة أخرى وهذا ما يدفع العلماء ويدفعنا في الواقع للتساؤل عن فائدة النصف الذي تم استئصاله من البداية؟!.

على كل حال ظهرت على المرضى أعراض أخرى بعد أن تم قطع خط الاتصال بين نصفي دماغهم. على سبيل المثال، وجد أن العديد من المرضى فقدوا القدرة على معرفة أسماء أشياء يتم معالجتها والتفكير فيها باستخدام النصف الأيمن من الدماغ ولكن كانت لديهم القدرة على معرفة أسماء الأشياء التي يتم التفكير فيها بالنصف الأيسر من الدماغ. وبناء على هذه المعلومات والملاحظات استنتج روجر أن اللغة مثلاً يتم التحكم بها عن طريق نصف الدماغ الأيسر.

left vs right brain

وفي منتصف القرن الثامن عشر اكتشف الطبيب بول بوركا Paul Broca منطقة أساسية في النصف الأيسر من الدماغ وذكر أنها مسؤولة عن اللغة، فأي تلف أو عبث في منطقة بروكا كما يطلق عليها اليوم سوف ينتج عنه شخص غير قادر على التحدث وقد رأيت هذه الحالة تحديداً حيث كان الطبيب يعرض تلك المنطقة لشحنة كهربائية طفيفة تفقد الشخص الذي أمامه القدرة على النطق مؤقتاً حتى يقوم برفع يده مرة اخرى، الشيء المدهش هو أن نفس المنطقة في النصف الآخر من الدماغ ليس لها أي تأثير على الإطلاق.

هناك منطقة أخرى مسؤولة عن التعرف على الوجوه ونجدها في الجزء السفلي من الدماغ، النصف الأيمن من هذه المنطقة يقوم بمعظم العمل اللازم للتعرف على الأوجه، في الواقع لو نظرت لوجه شخص ما بالعين اليسرى فقط (المرتبطة بالجزء الأيمن من الدماغ) ستتمكن من التعرف على وجهه أفضل بكثير مما إذا استخدمت العين اليمنى فقط.

تلا هذا الأمر بعد ذلك أبحاث ودراسات أظهرت أن الدماغ ليس في الواقع جسم ثنائي كما يبدو. على سبيل المثال، دراسة حديثة أظهرت أن قدرة الإنسان على القيام بأنشطة معينة مثل الرياضيات تكون في أكفأ حالاتها عندما يستخدم نصفي دماغه في نفس الوقت. اليوم يدرك علماء المخ والأعصاب جيداً أن نصفي الدماغ يعملان معاً لإنجاز العديد من المهام والوظائف وأن كلاهما يتصلان ببعضهما البعض من خلال الجسم الجاسئ.

يقول كارل زيمر في مقال نشر في مجلة ديسكفري: “بغض النظر عن درجة التخصصية الثنائية الموجودة في الدماغ فكلا نصفيه يعملان معاً وجنباً إلى جنب، نظرية النصف الأيمن والأيسر من الدماغ لا تعطي التصور الصحيح لعلاقة العمل الحميمية بين نصفي الدماغ، النصف الأيسر من الدماغ متخصص في التقاط الأصوات التي تتشكل منها الكلمات وترجمتها للمعنى الحرفي المقابل لها على سبيل المثال، ولكن ليس لديه قدرة على المعالجة اللغوية. النصف الأيمن من الدماغ في الواقع أكثر حساسية وإدراكاً للمشاعر التي تتضمنها وتحملها اللغة والكلمات.

brain

في دراسة أخرى قام بها باحثون من جامعة يوتا، حللوا أدمغة أكثر من 1000 مشارك بغرض معرفة ما إذا كان أحدهم يميل لاستخدام أحد نصفي الدماغ أكثر من الآخر، وكشفت الدراسة أنه بينما قد يكون النشاط مرتفعاً في بعض الأحيان في مناطق مهمة من الدماغ ولكن كلا نصفي الدماغ كانا متساويان من حيث النشاط في المتوسط. ويقول الدكتور جيف أندرسون المشرف على الدراسة: “صحيحٌ قطعاً أن بعض وظائف الدماغ تحدث في أحد نصفي الدماغ دون الآخر، تحدث اللغة في الجزء الأيسر، والانتباه والتركيز يحدث في الجزء الأيمن، ولكن الناس لا تُصنف إجمالاً بحسب استخدام الجزء الأيسر أو الأيمن من الدماغ”.

في فترة التسعينيات من القرن المنصرم ادعى عالم النفس مايكل كورباليس Michael Corballis أن عدم التماثل بين نصفي الدماغ (أو التخصصية الوظيفية) يعد من أهم مراحل تطور البشر وهي المزية التي ساهمت في حصولنا على اللغة والقدرات العقلية الأخرى التي تميزنا عن باقي الكائنات، اليوم يعترف مايكل أنه كان على خطأ وأن التخصصية الوظيفية لنصفي الدماغ ليست حكراً على البشر، الببغاء مثلاً يفضل التقاط الأشياء بقدمه اليسرى، الضفدع يهاجم الضفادع الأخرى من الجهة اليمنى بينما يطارد فريسته من الجهة اليسرى، السمك الوحشي يفضل أن ينظر للأشياء الجديدة بعينه اليمنى بينما ينظر للأشياء المألوفة بالعين اليسرى.

mirrorleftright

إحدى الفرضيات تقترح أن التخصصية الوظيفية لنصفي الدماغ أفضل من أن يكون نصفا الدماغ مجرد انعكاس لبعضهما البعض ويقومان بنفس الوظائف في نفس الوقت وعوضاً عن ذلك يمكن لأحد النصفين أن يقوم بوظيفة ما ليترك النصف الآخر للقيام بمهمة أخرى، اختبرت عالمة الأحياء ليزلي روجيرز Lesley Rogers هذه الفرضية على الدجاج، إذ يستخدم الدجاج النصف الأيسر من الدماغ للنقر والبحث عن البذور ويستخدم النصف الأيمن لمراقبة المفترسين، بعض الدجاج يتميز بتخصصية وظيفية في الدماغ أكثر من البعض الآخر وهناك طريقة بسيطة لزيادة تلك التخصصية الوظيفية من خلال تعريض جنين الدجاجة للضوء أثناء وجوده في البيضة، يتطور جنين الدجاج في الغالب وعينه اليسرى مطوية للداخل بينما تكون العين اليمنى معرضة للجزء الخارجي من قشرة البيضة، من خلال تعريض وإثارة العين اليمنى بالضوء يمكن التأثير على تطور ونمو النصف الأيسر من الدماغ وليس الأيمن. قامت ليزلي وزملاؤها بتربية 27 من صغار الدجاج الذين تم تعريضهم للضوء و24 آخرين لم يتم تعريضهم للضوء، كل يوم يضع الباحثون الفراخ الصغيرة في صندوق خاص به بذور وحصى مبعثرة على أرضيته وفي نفس الوقت يقوموا بتشتيت الفراخ بتمرير دمية على شكل صقر من فوق رؤوسهم ثم لاحظوا بعد ذلك قدرة الفراخ الصغيرة على التمييز بين البذور والحصى وتوصلوا إلى أن الفراخ التي تعرضت للضوء كان أداؤها أفضل من الأخرى، واستنتج الفريق من ذلك أن التخصصية الوظيفية الزائدة التي اكتسبتها الفراخ وفرت لها تعددية في المهام إذ أصبح بإمكانها استخدام كل عين بشكل منفصل وبكفاءة من أجل مراقبة الصقر والتمييز بين البذور والحصى.

original

والدراسات والأبحاث كثيرة في الواقع ويصعب علينا ذكرها جميعاً في هذا المقال ولكن علماء الأعصاب يعلمون اليوم جيداً أن نصفي الدماغ يعملون يداً بيد ويتصلان ببعضهما من خلال الجسم الجاسئ الذي ذكرناه ولكن طريقة التعاون التي تتم بينهما هي التي لا نعلمها تماماً، ربما تتبادل الأجزاء المتشابهة الادوار فيما بينهما ليسيطر أحدهما فترة ثم يسيطر الجزء الآخر كما يحدث في بعض الحيوانات مثل الدلافين مثلاً التي تستخدم هذه التقنية من أجل النوم والسباحة في نفس الوقت، تستخدم بعض العصافير الاستراتيجية نفسها من أجل الغناء ويعمل نصفا دماغها بالتبادل من أجل التحكم في الرئتين تثناء الغناء إذ يتحكم كل نصف منهما لأجزاء بسيطة من الثانية ليستلم النصف الثاني التحكم.

ولعل أشد ما يثير الدهشة والتعجب قدرة الدماغ على العمل بنصف دماغ واحد فقط، بعد أن يتم إجبار أحد نصفي الدماغ على استلام زمام الأمور بمفرده بعد استئصال النصف الآخر يبدأ في مد خطوط اتصال جديدة وإعادة بناء نفسه بحيث يمكنه التحكم الكامل في الجسم، في الواقع يمكن أن يتسبب نصفا الدماغ بمشاكل أكثر من نصف واحد لو كانت هناك صعوبة في الاتصال بينهما وهناك بعض علماء الأعصاب الذين ربطوا بين اضطرابات نفسية مثل عسر القراءة أو أمراض شديدة مثل ألزهايمر بمشاكل الاتصال بين النصف الأيسر والأيمن من الدماغ.

إذاً لماذا لا يزال الناس يتحدثون عن هذه النظرية؟

Print

أثبت الباحثون والدراسات المختلفة بالفعل أن نظرية النصف الأيمن والأيسر من الدماغ مجرد حقيقة خاطئة، ومع ذلك لازالت هذه النظرية متداولة وتحظى بشعبية كبيرة بين الناس والوسائل الإعلامية المختلفة، لسوء الحظ معظم الناس لا يدركون أن هذه النظرية قديمة جداً. اليوم، قد يدرس الطلاب هذه النظرية كجزء تاريخي متعلق بمجالهم ليس أكثر لفهم كيف تطورت أفكارنا ونظرياتنا حول طريقة عمل الدماغ عبر الزمن.

إن إدراكك نقاط قوتك وضعفك بعيداً عن مبالغات وتعميم كتب علم النفس وتطوير الذات يمكن أن يساعدك على التعلم بشكل أفضل والشيء المهم الذي يجب أن تتذكره إذا تعرضت لأحد اختبارات تحديد ما إذا كنت تستخدم النصف الأيمن أو الأيسر من دماغك على الإنترنت هو أنها للترفيه ولا يجب أن تعول كثيراً على نتائجها.

 

المصادر 1 2 3 4 5 6 7