كانت الحرب الاهلية اللبنانية شأنًا داخليًا وصراعًا إقليميًا تشارك فيه مجموعةً من الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية. وتمحورت حول بعض القضايا التي هيمنت على السياسة الإقليمية في الشرق الأوسط في الجزء الأخير من القرن العشرين- بما في ذلك الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي والحرب الباردة وقضايا الإسلام السياسي والقومية العربية، وتقاطعت الصراعات حول هذه القضايا مع خلافاتٍ سياسيةٍ ووطنيةٍ واجتماعيةٍ وتحالفاتٍ مختلفةٍ طويلة الأمد.

حول الحرب الاهلية اللبنانية

عادةٌ ما يشار بمصطلح الحرب الأهلية إلى سلسلةٍ من الصراعات ما بين التحالفات الداخلية والجهات الفاعلة الخارجية للبلد. وقد زعزعت الحرب الأهلية استقرار الدولة اللبنانية بين عامي 1975 و1990. وبالإضافة إلى عدد القتلى الكبير نتيجة هذه الحرب، فإن جزءًا كبيرًا من البنية التحتية في لبنان أصابه الخراب، فشكلت الحرب الأهلية واحدةً من أكثر الصراعات تدميرًا في أواخر القرن العشرين. ويمكن تقسيم فترة الحرب الاهلية اللبنانية إلى عدة فتراتٍ، وقعت في كلٍ منها مجموعةً كبيرةً من المعارك والمذابح والاغتيالات، بما فيها مذابح السبت الأسود وتل الزعتر والدامور في الفترة ما بين 1975 و1976، بالإضافة إلى حرب الجبل بين القوى الدرزية والمسيحية بين عامي 1980 و1983، والقصف الإسرائيلي لبيروت في آب 1982 ومجازر صبرا وشاتيلا وغيرها.

ويتفق المؤرخون على أن الحرب اندلعت نتيجة الانقسامات التي حدثت في صفوف اللبنانيين الذين أيدوا حق المقاومة الفلسطينية في شنّ عمليات ضد إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وأولئك الذين عارضوها، وتقاطع هذا الانقسام مع قضايا سياسيةٍ أخرى.1

 ومنذ بداية الحرب الأهلية، تدخل السوريون والمملكة العربية السعودية والسودانيون ومشاة البحرية الأمريكية والفرنسيون والإيطاليون والبريطانيون، وكذلك الفلسطينيون والإسرائيليون والإيرانيون عسكريًا في مرحلةٍ ما من تلك الفترة. وعلى الرغم من أن معظم القوى الغربية ذهبت إلى لبنانٍ لإحلال السلام، إلا أن معظمها تدخل في النزاع اللبناني وترك البلاد في وضعٍ أسوأ مما كان عليه. أما الذين حاولوا إحلال السلام فقد وقعوا في شرك سياسة الطعن الخلفي في المنطقة. ولم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا ليدركوا مدى تعقيد الأمور الاجتماعية والدينية والثقافية في لبنان، والتي تشكل بلدًا يضم 18 طائفةٍ دينيةٍ معترفٍ بها وما لا يقل عن 20 حزبًا وحركةً سياسيةً.2

اندلاع شرارة الحرب الاهلية اللبنانية

في 13 نيسان/ أبريل 1975، بدأت سلسلة من المناوشات عندما اغتال مسلحون مجهولون الزعيم الماروني المسيحي بيير الجميل وهو يغادر الكنيسة. وردًا على ذلك، نصب مسلحون من الكتائب كمينًا لحافلةٍ محملةٍ بالفلسطينيين –معظمهم من المدنيين- متجهة نحو مخيم تل الزعتر وأطلقوا النار على الركاب، مما أسفر عن مقتل 27 راكبًا. وتعتبر هذه الحادثة بداية للحرب الأهلية التي دامت 15 عامًا والسبب الرئيسي لاندلاعها في البلاد.

وبدأت الصراعات على السلطة تتبلور وتظهر بشكلٍ كبيرٍ بين مختلف الطوائف اللبنانية. الأمر الذي استدعى التدخلات الخارجية لفض النزاعات. وكان أول تدخلٍ رئيسيٍّ خارجيٍّ في الحرب الاهلية اللبنانية من سوريا. وعلى الرغم من دعمها لمنظمة التحرير الفلسطينية، إلا انها ونتيجة بعض التقلبات على الجبهة اللبنانية، بدأت في حزيران/ يونيو 1976 تدخلًا واسع النطاق لمعالجة اختلال توازن القوى الناشئ لصالح المسيحيين. وقد اثار التدخل السوري تدخل إسرائيل لصالح المسيحيين الذين اعتبرتهم إسرائيل الحليف الرئيسي في حربها ضد منظمة التحرير الفلسطينية. وهكذا قدمت إسرائيل الأسلحة والأموال إلى المسيحيين في جنوب البلاد، في حين واصلت القوات الفلسطينية –بعد أن عادت القوات السورية لدعمها في عام 1977- شن غارات عبر الحدود على إسرائيل.

بيد أن أهم تدخل إسرائيلي خلال الحرب الاهلية اللبنانية كان الغزو الذي بدأ في 6 حزيران/ يونيو 1982. وعلى الرغم من أن الهدف المعلن لإسرائيل كان تأمين الأراضي الواقعة شمال حدودها مع لبنان من أجل وقف غارات منظمة التحرير الفلسطينية، فإن القوات الإسرائيلية تقدمت بسرعةٍ حتى ضواحي بيروت وفرضت حصارًا على العاصمة. وأدى ذلك في النهاية إلى إزالة ميليشيات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان تحت إشراف قوة حفظ سلامٍ متعددة الجنسيات، ونقل مقر المنظمة إلى تونس. كما انسحبت القوات السورية حينها. وفي وقتٍ لاحقٍ، ظهر عدد من الجماعات الشيعية بما فيها حزب الله التي قادت حملات التمرد ضد إسرائيل. ومع تزايد مرحلة الصراعات الطائفية وتفجير مبنى السفارة الأمريكية بسيارةٍ مفخخةٍ وتفاقم الوضع، انسحبت معظم القوات الأجنبية متعددة الجنسيات في تشرين الأول/ أكتوبر 1983، بالإضافة إلى انسحاب معظم القوات الإسرائيلية بحلول منتصف عام 1985.

وفي 22 تشرين الأول/ أكتوبر 1989، اجتمع أعضاء البرلمان اللبناني في الطائف لوضع حزمةٍ من الإصلاحات الدستورية وتم التعهد بالقضاء التدريجي على الطائفية وتأكيد استقلال لبنان بالدعوة إلى إنهاء الاحتلال الأجنبي في الجنوب. ونصت بنود الاتفاق على أن تبقى القوات السورية في لبنان لمدةٍ تصل إلى سنتين. إلا أن العماد عون عارض إلى حدٍ كبيرٍ اتفاق الطائف خوفًا من أن يوفر سببًا لاستمرار التدخل السوري في لبنان.

وفي كانون الثاني/ يناير 1990، اندلع صراع عنيف في شرق بيروت بين عون وسمير جعجع- الذي ترأس بعد ذلك “القوات اللبنانية”. وأسفرت هذه الصراعات على مدى عدة أشهرٍ عن مقتل العديد من اللبنانيين معظمهم من المسيحيين. وانطفأت آخر شرارة للحرب في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1990 عندما شنت القوات السورية هجومًا بريًا جويًا.3

إحصاءات ما بعد الحرب

تشير التقديرات إلى أن أكثر من 100 ألف شخصٍ قتلوا، بينما تسببت الحرب في إعاقة ما يقارب 100 آخرين. وتشرّد ما يصل إلى خُمس السكان المقيمين أي ما يصل إلى 900 ألف شخصٍ، وربما هاجر حوالي ربع مليون منهم بصورةٍ دائمةٍ. 4

المراجع