دائما ما كان عقل الإنسان وتفكيره شغل الفلاسفة الشاغل على مرِّ الزمان، حيث حاولوا دائمًا فهم العقل الإنساني وطرق تفكيره وإحساسه بما حوله، وبعد ذلك ردات فعله المختلفة تجاه ما يحصل حوله أو ما يفكر به. وسنوضح في مقالنا هذا مفهومي الشعور و اللاشعور ونتعرف عليهما عن قربٍ.

تعريف الشعور (الوعي)

يعتبر غياب تعريف واحد ومحدد للوعي واحدةً من أكبر المشاكل التي تواجه الفلاسفة، حيث فشلوا في إيجاد معنى له يَعترف به كل الباحثين في هذا الموضوع. وقد حاول بعض الفلاسفة وضع تعريفٍ محددٍ له مثل ديكارت صاحب مقولة ” أنا أفكر إذًا أنا موجود” والتي حاول عبرها ربط وعي الإنسان ووجوده كمخلوقٍ بقدرته على التفكير وخلق رأي وأفكار خاصة به.

كما يعرّف البعض الشعور بأنه قدرة الإنسان على إدراك ذاته ووجوده بالإضافة إلى إدراك ما يجري حوله من أحداثٍ والتعبير عن هذه الأحداث.

ونتيجة غياب تعريف ومفهوم موحد للشعور، تحدث بعض المغالطات في التفريق بينه وبين الضمير الذي يرتبط ويصف أخلاق الشخص وقدرته على تمييز ما هو مقبولٌ مما هو خاطئٌ، بينما يتعلق الوعي بإدراك الإنسان لوجوده وذاته ومعرفته بما يجري حوله. كما يتميز التفكير الواعي بسرعة التغير والتبدل، ففي لحظةٍ يكون العقل الواعي للإنسان يفكر في محادثةٍ قديمةٍ مع شخصٍ ما ليتحول بعدها بشكلٍ سريعٍ للتفكير في أمرٍ مختلفٍ كليًّا.1

ما هو اللاشعور (اللاوعي)

كان فرويد أول من اهتم بمصطلح اللاشعور والعقل اللاواعي وأول من حاول تقديم تفسيرٍ له، حيث شبه العقل اللاواعي بمستودعٍ مظلمٍ تخزن فيه الدوافع الجنسية والمحفزات غير المرغوبة. ما سمح للفلاسفة والباحثين في وقتٍ لاحقٍ من فهم اللاشعور بشكلٍ أفضل وتلخيصه بشكلٍ يتيح فهم ما يحصل فيه بشكلٍ أفضل.

ويعتبر اللاشعور مركزًا تتجمع فيه الذكريات والمهارات التي تحدث وتسترجع بشكلٍ تلقائيٍّ دون تدخل الشعور كالأحاسيس والأحلام والخيال، كما يسجل العقل اللاواعي الأحداث والمواقف التي يمر بها الإنسان ولو لوقتٍ قصيرٍ جدًا ويسهو عنها العقل الواعي.2

نظرية جبل الجليد

كانت أبحاث ونظريات سيغموند فرويد في التفريق بين مصطلحي الشعور و اللاشعور واحدةً من أهم الإضافات التي قدمها لعلم النفس، إذ شبه الطبقات الثلاثة لعقل الإنسان بالجبل الجليدي لتسهيل وتبسيط فكرته.

شبه فرويد قمة الجبل الجليدي الطافية فوق الماء بالعقل الواعي أو ما يعرف بالشعور، وهو الذي يشعر بكافة العمليات العقلية المسؤول عنها كشرب الماء عند العطش، بينما أطلق على الطبقة الثانية اسم اللاشعور وهو مصطلحٌ يمثل الأفكار التى لا يدركها الإنسان في الوقت الحالي، ولكنه يمتلك القدرة على استرجاعها بسهولةٍ متى ما أراد ذلك، وتحتوي هذه المنطقة من العقل على التجارب العاطفية غير الصادمة، إلا أنها تخلو من العواطف والصدمات العاطفية القوية والمؤلمة لأن العقل يعمل على كبتها وإخفائها.

فيمثل اللاشعور بعض المشاعر والأحكام التي تؤثر على حياة الإنسان اليومية ولا يستطيع العقل الواعي استيعابها، كما يعتبره فرويد المصدر الرئيسي للتصرفات والأحاسيس التي يقوم ويشعر بها الإنسان، وما يشبهه من جبل الجليد هو الجزء الذي يبقى أسفل سطح البحر ويكون أكبر وأهم بكثيرٍ للجبل الجليدي من الجزء الظاهر.

تنبع أهمية العقل اللاواعي من تأثر أفعالنا ومشاعرنا ودوافعنا الحالية بالأفعال والأحاسيس المباشرة التي عشناها في وقتٍ سابقٍ والتي تخزن فيه.3

مستويات العقل الثلاثة

ميّز فرويد بين ثلاثة مستوياتٍ لعقل الإنسان يختلف كل منها بنوع الذكريات والأفعال والسلوك الذي تخزنه، وتختلف كذلك طرق وأسباب استخدام الإنسان لها باختلاف حاجته للشعور أو السلوك والموقف الذي يعيشه. وتوضح هذه المستويات الفرق البارز بين الشعور و اللاشعور من حيث تخزين المعلومات في العقل. وهذه المستويات هي:

  • العقل الباطن: وهو مستوى من العقل يحوي كافة المعلومات من أحاسيس ومشاعر وتصرفات وذكريات، بالإمكان نقلها بشكلٍ سريعٍ ولحظيٍّ إلى العقل الواعي متى ما احتاجها الإنسان، أي أن العقل الباطن يمثل مساحة تخزين مكملة للعقل الواعي.
  • العقل الواعي وهو مستوى العقل المسؤول عن تخزين التصرفات والأفكار والمشاعر والذكريات التي يستخدمها الإنسان في الوقت الحالي ويشعر بها حوله، ويحتوي هذا المستوى كذلك على ذاكرة الإنسان التي لا تتواجد بشكلٍ مباشرٍ ضمن العقل الواعي، ولكن يبقى بإمكانه استرجاعها في وقتٍ سريعٍ جدًا.
  • العقل اللاواعي: وهو المستوى الثالث من مستويات عقل الإنسان، يحتوي على كافة المشاعر والأحاسيس والتصرفات والذكريات التي لا تتواجد في العقل الواعي، وتقع خارج نطاق سيطرته، بل تتواجد في هذا المستوى الذكريات والأحاسيس السيئة التي يحاول الإنسان تجنبها كأحاسيس القلق والحزن والألم.4

المراجع