فوكوشيما دايتشي في اليابان (2011)، تشيرنوبيل في أوكرانيا (1986)، جزيرة ثري مايل الأمريكية (1979). سلسلة من الحوادث التي ارتبطت بذاكرة البشرية بالعديد من الصور المروعة للقتلى والمتضررين وبمشاعر الريبة والحذر التي سيطرت على النفوس، عندما كان الإنسان وبيئته المحيطة في مرمى المواد المشعة. سنتعرف في هذه المقالة على ماهية التلوث الإشعاعي، أنواعه، ومصادره، وأهم الآثار المترتبة عليه.

التلوث الإشعاعي

يحدث التلوث الإشعاعي في حال انتشار المواد المُشعّة في البيئة بصورة طبيعية أو بفعل الإنسان، لتستقر بعدها على سطوح أجسام الأحياء والأشياء في البيئة أو تتخللها، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تلوث الهواء والماء والأسطح والتربة والنباتات والإنسان والحيوان المباني.

أنواع التلوث الإشعاعي

يُصنف التلوث الإشعاعي تبعًا لوتيرة التعرض للمواد المشعة:

  • التلوث الإشعاعي المستمر: ينجم عن التعرض المستمر للمواد المشعة، كما هو حال العاملين في مناجم اليورانيوم والمفاعلات النووية، حيث التماس دائم مع الملوثات المشعة.
  • التلوث الإشعاعي اللحظي: ينجم عن التعرض بصورة آنية للمواد المشعة، كما هو الحال خلال التجارب النووية.
  •  التلوث الإشعاعي العرضي: يحدث بصورة مفاجئة غير مقصودة في حال فشل بعض التجارب والتي تنطوي على استخدام مواد خطرة، أو خروجها عن السيطرة نتيجة أخطاء بشرية أو تقنية.§

طرق التعرض للتلوث الإشعاعي

  • التلوث الخارجي: يحدث بحال ملامسة المواد المُشعّة سواء كانت بصورة غبار أو مسحوق أو سائل للسطح الخارجي للجسم على البشرة أو الشعر أو الملابس.
  • التلوث الداخلي: يحدث بحال استنشاق المواد المُشعّة أو ابتلاعها مع الماء أو الغذاء الملوث، أو دخولها إلى الجسم عبر جرح أو مسامات البشرة، تترسب بعض أنواع المواد المشعة في أعضاء الجسم ، في حين يُطرح بعضها الآخر عبر أجهزة الإطراح المختلفة سواء في الدم والعرق والبول والبراز.§

مصادر التلوث الإشعاعي

مصادر طبيعية

  • الأشعة الكونية: وهي الأشعة التي تسقط على سطح الأرض باستمرار من الفضاء الخارجي، تصدر بشكل أساسي عن الكواكب المختلفة ومنها ما يصدر عن الشمس خلال التوهجات الشمسية، ولها نوعان أولية وثانوية، يُطلق على الأشعة التي لم تتفاعل بعد مع المواد في الغلاف الجوي أو الغلاف الصخري أو الغلاف المائي للأرض اسم الأشعة الكونية الأولية، تتكون من 85% البروتونات، 14% جزيئات ألفا، وأقل من 1% من النوى الثقيلة، في حين تنتج الأشعة الكونية الثانوية عن تفاعلات الأشعة الأولية مع الغلاف الجوي، وتتكون من جسيمات دون ذرية كالميوونات، والإلكترونات.
  • الإشعاع الأرضي: مصدره العناصر المشعة في القشرة الأرضية كالبوتاسيوم 40 والراديوم 224 والرادون 222 والثوريوم 232 واليورانيوم 235 واليورانيوم 238 والكربون 14.

الأنشطة البشرية

  • أغراض طبية: للأشعة تطبيقات هامة في معالجة وتشخيص العديد من الأمراض، تستخدم الأشعة السينية في عمليات التصوير المقطعي المحوسب، كما تستخدم أشعة جاما في علاج الأورام السرطانية.
  • استخدام الأسلحة النووية: يبقى استخدام الصواريخ النووية والقنابل الذرية من أخطر مصادر الإشعاع، ل اتزال الآثار المُدمرة للانفجارات الذرية في ناجازاكي وهيروشيما إبان نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945 عالقة في الأذهان حتى يومنا هذا، والتي أسفرت عن مقتل 130 ألف شخص، كما شهدت هذه المناطق ولادة العديد من الأطفال الذين يعانون من حالات التخلف العقلي والتوحد وغيرها من الاضطرابات. علاوةً على ارتفاع أعداد حالات السرطان المُسجلة مقارنةً بباقي مدن اليابان.
  • الانفجارات النووية: تعتبر الانفجارات النووية التجريبية في الغلاف الجوي من الأسباب الرئيسية للتلوث الإشعاعي، فهي تؤدي إلى زيادة مستويات الإشعاع في جميع أنحاء العالم، فأثناء هذه الاختبارات يتحرر عدد من النويدات المُشعّة في الهواء، والتي تبقى مُعلقة على ارتفاع 6-7 كم فوق سطح الأرض، لتنشرها الرياح في مختلف الاتجاهات بدءًا من موقع الاختبار، وثم تصل إلى الأرض مع هطول الأمطار حيث تختلط بالتربة والماء، لتتدخل أخيرًا في السلسلة الغذائية و تستقر في جسم الإنسان.
  • محطات الطاقة النووية: يمكن استخدام الطاقة الناتجة عن انشطار اليورانيوم في المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة الكهربائية، والتي تترافق عادةً بعمليات صناعية كتعدين اليورانيوم. ينتج عن تعدين اليورانيوم وطحنه كميات كبيرة كميات من المخلفات، الحاوية على مستويات مرتفعة من النويدات المشعة الطبيعية، بلغ إجمالي الإنتاج العالمي من اليورانيوم في عام 2003 حوالي مليوني طن في حين بلغت المخلفات الناتجة عن ذلك أكثر من ملياري طن والتي في حال عدم التخلص منها بصورة سليمة ستشكل خطر يهدد صحة الإنسان والبيئة المحيطة.§

أهم الآثار المترتبة على التلوث الإشعاعي

في الحياة البرية

تظهر آثار التلوث الإشعاعي على الحيوانات الراقية أكثر مما هي عليه في الحشرات والذباب، تتراكم كميات كبيرة من Ce-13 و I-131 في أجسام الحيوانات العاشبة لدى رعيها الأراضي الملوثة، تتداخل نويدات هذه العناصر المُشعّة مع حمضها النووي، مما يؤدي لظهور العديد من الطفرات والمشكلات الصحية في الأجيال اللاحقة.§

أهم الآثار المترتبة على التلوث الإشعاعي
من الأمثلة على التشوهات الناتجة عن طفرات تعرضت لها الحيوانات بسبب التلوث الإشعاعي في أوكرانيا إثر حادثة تشرنوبل

على التربة

يؤدي التخلص غير الآمن من النفايات المشعة إلى تلوث التربة بشدة مما يجعلها شديدة السمية وتقلّ خصوبتها، ولذا فإن أي نبات ينمو في مثل هذه التربة سيمتص الإشعاع الموجود فيها ويغدو مُلوثًا، ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد فسيتابع هذا الإشعاع طريقة عبر مستويات السلسلة الغذائية عندما تأكل الحيوانات العاشبة هذه النباتات، ومن ثم تأكل الحيوانات آكلة اللحوم تلك العواشب.§

على الإنسان

  • تؤثر الأشعة على الخلايا، مما قد يتسبب في موتها نتيجة التلف المباشر للحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين (DNA)، فإذا كان عدد الخلايا التالفة كبير، ينتج عن ذلك خلل في عمل الأعضاء وحتى الموت في نهاية المطاف، كما قد يحدث ضرر من نوع آخر للحمض النووي (تغييرات في تكوين الحمض النووي) لا يتسبب في موت الخلايا، لكن ينعكس سلبًا خلال الانقسامات الخلوية اللاحقة لهذه الخلايا، وقد يؤدي في النهاية إلى الإصابة بالسرطان، أما إذا كانت الخلايا المعدلة هي تلك التي تنقل المعلومات الوراثية إلى النسل فقد تنشأ اضطرابات وراثية.
  • غالبًا ما يتعرض الجنين إلى المواد المُشعّة عن طريق الأم مع الطعام والشراب الملوّث أو بالتعرض المباشر، تقل الجرعة الإشعاعية التي يتلقاها مقارنةً بالجرعة التي تتعرض لها الأم بفضل الحماية التي يوفرها الرحم له، ومع ذلك فإن العواقب الصحية في هذه الحالة وخيمة وتشمل تأخر النمو والتشوهات وضعف وظائف المخ والسرطان§
  • يمكن أن يتسبب التعرض لمستوى عالٍ جدًا من للإشعاع خلال فترة زمنية قصيرة في ظهور أعراض مثل الغثيان والقيء والصداع والإسهال في غضون ساعات من الحادثة وقد ينتهي أحيانًا بالوفاة خلال الأيام أو الأسابيع التالية، تُعرف هذه الحالة بمتلازمة الإشعاع الحادة ” Acute Radiation Syndrome”، والمعروفة أيضًا باسم “داء الإشعاع”، بالإضافة إلى الأعراض السابقة قد تترافق بعض الحالات الشديدة بحروق في الجلد مع تورم وحكة واحمرار وقد تتدهور لتغدو أكثر سوءًا مع ظهور بثور أو تقرحات، تتراوح المدة اللازمة لشفاء الجلد من عدة أسابيع إلى بضع سنوات تبعًا لشدة الجرعة التي تلقاها الشخص، يندر حدوث هذه المتلازمة وغالبًا ما ترتبط بحوادث خارجة عن المألوف كالاقتراب من موقع انفجار نووي، أو التعامل العرضي مع مواد مُشعّة بشدة.§