السيرة الهلالية أو سيرة بني هلال أو الملحمة الهلالية. وهي قصيدةٌ شفويةٌ ملحميةٌ عربيةٌ (مليون بيت) تروي قصة رحلة قبيلة بني هلال البدوية. وتدور حول أحداث تاريخية وقعت في القرن الحادي عشر. حيث سيطروا على وسط إفريقيا الشمالية لأكثر من قرنٍ قبل إبعادهم من قبل أعدائهم المغربيين.

والملحمة فلكلوريةٌ وشفهيةٌ لم تتحول إلى كتابيةٍ حتى وقتٍ متأخرٍ. ولم يعرف تاريخٌ معينٌ لابتكارها. وتعتبر سيرة بني هلال الوحيدة التي استمر أداؤها بشكلها الموسيقي المتكامل من بين عشرات القصائد الملحمية الشفهية الرئيسية التي ظهرت في التقليد الشعبي العربي بين العصور الوسطى والقرن التاسع عشر. وقامت منظمة اليونسكو عام 2008 بإدراجها على لائحة التراث الثقافي غير الملموس الإنساني. ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى حمايتها من الاندثار.

أدب الملاحم العربي

يضم أدب الملاحم كل من الشعر والخيال الملحميان في الأدب العربي. حيث تملك كل المجتمعات حكايا شعبية تتحدث عن قصص الأبطال. معظمها أساطير وخرافات، وتعتمد في أساسها على أحداثٍ حقيقيةٍ ورموزٍ تاريخيةٍ.

الأدب الشفهي أو الأدب الشعبي

تعد منزلة الكلمات المحكية (الشفهية) في الأدب كمنزلة الكلمات المكتوبة، ولا يوجد تعريفٌ نموذجيٌّ للأدب الشفهي أو الشعبي فالشعبويون أو الفولكلوريون يطلقون العديد من التوصيفات عليه، لكن المفهوم الواسع له يشير إلى الأدب الذي يتميز بالانتقال الشفهي والابتعاد عن أي شكلٍ ثابتٍ. 1

أهمية سيرة بني هلال

جاءت الملحمة لتمثل الأسطورة المؤسِسَة للهوية العربية في إفريقيا الشمالية وانتشار الإسلام عبر الصحراء مؤثرًا على الإرث الثقافي للبلاد حتى تلك الساحلية البعيدة كـ مالي والنيجر.

تم تأدية الملحمة منذ القرن الرابع عشر وغناؤها على شكل شعر من قبل سادة الشعراء الذين أرفقوها بموسيقاهم الخاصة على الآلات الإيقاعية. وهي أدبٌ مميزٌ وشكلٌ موسيقيٌّ يعكس التاريخ الشعبي العربي والمعتقدات والرموز والتقاليد. وأصبح ضرب الأمثال والألغاز النابعة من الملحمة جزءًا من الحديث اليومي في عدة أماكنٍ من الشرق الأوسط.

تمجد السيرة الهلالية الشجاعة والبطولة وتحمل في طياتها معاني الشرف والثأر في الحرب والحب. وتقدم أحداثًا من التاريخ المنقول شفهيًا والمعاد إحياؤه في سياقاتها التاريخية والاجتماعية وتدوينًا لأعراف وعادات الطعام واللباس وأساليب المعيشة لهذه التجمعات عبر الزمن.2

خلفية تاريخية

إن تغريبة بني هلال حدث أساسي في التاريخ بعد تمرد تونس الزيردية وانسلاخها عن الامبراطورية الفاطمية في القرن العاشر. وكانت سلالة زيريد Zirid وهي سلالة صنهاجة البربرية من الجزائر الحديثة قد حكمت المغرب الأوسط من 972 حتى 1014 وإفريقيا من 972-1148م.3

في هذه الأثناء حلت على مصر مجاعة لمدة 7 سنوات، كما ضربت مجاعةٌ مشابهةٌ شبه الجزيرة العربية، وانتقلت القبائل كلها مع عائلاتها وحيواناتها من هناك باتجاه مصر للبحث عن الطعام والمرعى.

ولم يكن الخليفة الفاطمي المستنصر هناك يملك مواردٌ كافيةٌ لاسترجاع تونس، فقام بتوجيه القبائل القادمة إليها. ووصفت المصادر المبكرة كيف أُرسل بني هلال إلى الأراضي المغربية ليعاقبوا الزيريد على تمردهم. وبهذه الطريقة، لم يحتج الخليفة إلى مواردٍ ماليةٍ أو بشريةٍ من مصر مباشرةً، ولا لدعم بني هلال. وفي حال غضب سكان الواحات الواقعة بين مصر وتونس فإنه لن يكون موجهًا إليه. وكنتيجةٍ لاستقرار القبائل العربية في تونس أصبحت المنطقة تتحدث العربية بشكلٍ رئيسيٍّ وليس البربرية.

هذا حرر مصر مما اعتبره الفاطميون خطرًا وتهديدًا لوجودهم وعقابًا للحلفاء الذين تحولوا إلى منافسين.4

وقد قام بنو هلال بإخضاع هذه المنطقة وحكمها لمدة قرن واحد، لكنهم هزموا من قبل أعدائهم المغاربة في القرن الثاني عشر في معركتين عنيفتين. بعد الهزيمة تفرق بنو هلال واختفوا من التاريخ كوحدةٍ اجتماعيةٍ متماسكةٍ. وتفرق عددٌ صغيرٌ من الناجين في اتجاهات مختلفة عبر الصحراء. وحتى اليوم هناك بعض الجماعات التي تدعي أنها تنحدر من بني هلال في أمكنةٍ متنوعةٍ من المغرب والجزائر وتونس ومصر والسودان وتشاد وموريتانيا. ومن الواضح أن هؤلاء الناجين حملوا معهم قصة قبيلتهم والقصائد ذلك أن سيرة بني هلال أصبحت معروفةً مؤخرًا عبر العالم العربي.

في القرن الرابع عشر كتب الفيلسوف العظيم ابن خلدون مقتطفات من الروايات والأشعار التي سمع بها من البدو العرب خارج مدينة تونس.

وفي القرن الثامن عشر، دوّن كاتبٌ مجهولٌ من شمال إفريقيا عدة آلاف صفحة من حكايةٍ شعريةٍ عن بني هلال من شعرٍ قاصٍ غير معروفٍ.

وفي القرن التاسع عشر، قام عدد كبير من الرحالة الغربيين وعلماء الاجتماع بتدوين أقوال لشهودٍ عيانٍ في مناطقٍ مختلفةٍ من العالم العربي. وكتبوا أحيانًا ملخصات أو رسائل قصيرة عما سمعوه.

الملحمة

ومن هذه الأحداث تطورت ملحمة. وكان الموضوع الرئيسي فيها الحرب بين بني هلال بقيادة أبو زيد الهلالي وقبيلة زاناتي البربرية بزعامة خليفة الزاناتي.

ورويت الملحمة من قبل الحكواتية في المقاهي في القرن العشرين إلى جانب سيرة الظاهر بيبرس.5

ومن أشهر الشخصيات البارزة في الملحمة، إلى جانب أبو زيد الهلالي، وزيناتي خليفة وذياب بن غانم، وشحتة. وتوجد عدة أماكنٍ منتشرةٍ في الشرق الأوسط تحمل أسماء الأحصنة في الملحمة.6

يقسم البعض السيرة الهلالية إلى 3 أجزاء: أصل القبيلة والرحلة خارج الجزيرة العربية، وحياتها في مصر وسورية ما دعي باسم تغريبة بني هلال وغزو القبيلة لشمال افريقيا من مصر حتى الأطلنطي. ووصفت عدة نسخ من القصة الجفاف الطويل في نجد حيث ماتت الماشية وحلت مجاعةٌ. واستغرقت القبائل كثيرًا لتحدد من سيبقى ومن سيذهب للبحث عن أراضي رعي جديدة، ومع مرور الوقت كان هناك عدة موجات هجرةٍ لكن لأغراضٍ عاطفيةٍ نسبت كلها لبني هلال.

أبرز أحداث سيرة بني هلال

ولادة أبا زيد الهلالي

ويقال أن أمه الشابة تاقت لتلد ذكرًا. وقالت لنفسها وهي يائسةٌ: “أمنيتي الأخيرة أن أقدم طبقًا من الكسكس إلى الطيور. ربما تشفع لي عند الله ويمنحني صبيًا” ووضعت طبقًا كبيرًا في الصحراء واختبأت. وكان الطائر الأول الذي حط على الطبق هو غراب، وحالًا قامت بهذا الدعاء: “إلهي، مولاي يا من تحفظ الطبيعة من الموت المحقق بإنزال المطر امنحني ولدًا وليكن مثل هذا الطير وذو بأسٍ إذا ضرب بسيفه سقط أعدائه في بحر من الدماء”. وقد تم سماع صلواتها وحملت بطفلٍ أشد اسودادًا من الليل لكن بملامح طفلٍ أبيض.

خليفة الزاناتي

يعد خليفة الزاناتي شخصيةً تاريخيةً معروفةً والزعيم المسؤول عن حكم البربر في تلمسان (الجزائر) وظهر بهيئاتٍ متنوعةٍ في نسخٍ مختلفةٍ من الملحمة ليغري الجمهور المحلي.

ويتبدل موقع الملحمة من نسخةٍ لأخرى، فالنسخ المبكرة تورد أن خليفة الزاناتي ليس تونسيًا، وإنما حميري من اليمن. وأنه قتل بهجوم مباشرة في عينيه ـ وتفصيل أنه نجا حتى عندما انتقل مكان القصة إلى شمال إفريقيا.7

المراجع