شرح نظرية الانفجار العظيم

الرئيسية » لبيبة » علوم » فضاء وفلك » شرح نظرية الانفجار العظيم
شرح نظرية الانفجار العظيم

وقف الإنسان حائرًا أمام تعقيدات الكون وكيفية نشأته لسنوات كثر، وحاول الاقتراب من حقيقة تطور الكون متبعًا جوانب عدة (فلسفية، علمية، دينية) أثارت جدلًا كبيرًا. ولكن بعد بحث مطول، بدأت الأدلة تميل لترجح نظرية الانفجار العظيم عن غيرها من النظريات.

تاريخ نظرية الانفجار العظيم

  • بدأت الأدلة التي تشير إلى هذه النظرية عام 1912 من قبل عالم الفلك الأمريكي “فيستو سيلفر Vesto Silpher” الذي أجرى سلسلة من عمليات الرصد التي بينت أن المجرات (التي كان يُعتقد وقتها أنها سدم Nebulae) تتحرك بعيدًا عن مجرتنا.
  • عام 1922، قام عالم الفضاء الروسي “ألكسندر فريدمان Alexander Friedmann” باشتقاق معادلات من نظرية “النسبية العامة General Relativity” لآينشتاين (أطلق عليها معادلات فريدمان Friedmann Equations)، والتي بينت أن الكون على الأرجح في حالة من التوسع.
  • عام 1924، بين العالم “إدوين هابل Edwin Hubble” أن هذه السدم هي في الواقع مجرات، كما وجد علاقة تربط بين بعد هذه المجرات وسرعة تباعدها عن مجرتنا عام 1929، وعرفت “بقانون هابل Hubble Law”.
  • عام 1927، قام القس والعالم الفيزيائي البلجيكي “جورج ليميتر Georges Lemaitre” باشتقاق نفس نتائج “معادلات فريدمان” بشكلٍ مستقل، واستدل أن تباعد المجرات يعود إلى توسع الكون.
  • عام 1931، اقترح “جورج ليميتر” أن توسع الكون دليل على تقلصه كلما عدنا بالزمن إلى الوراء، حتى يصبح في مرحلة قديمة عند نقطة تحمل كافة كتلته، ومنها انطلق كل شيء.
  • خلقت هذه الفكرة جدلًا كبيرًا، وخصوصًا بوجود فئة من العلماء الذين اعتقدوا أن الكون في حالة ثابتة، فرغم توسعه يحافظ الكون على كثافة المادة، واعتبروا أفكار “جورج ليميتر” غير موضوعية نسبةً لاعتقاداته الدينية.
  • بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح الجدل أكبر بين مناصري نموذج الحالة الثابتة Stable State Model (الذي اقترحه فريد هويل Fred Hoyle) ومناصري نظرية الانفجار العظيم. عام 1949، انتقد “فريد هويل” نظرية “جورج لميتر” علنيًا وكان هو من دعاها الانفجار العظيم The Big Bang في محاولةٍ للانتقاص من قيمتها والاستهزاء بها.
  • مع مرور الوقت بدأت الأدلة تدعم نظرية الانفجار العظيم وتفضلها عن غيرها من النظريات.1

المتفرد Singularity

قبل الخوض في شرح نظرية الانفجار العظيم، لا بد من تعريف مصطلح “المتفرد Singularity” ومنشأه.

يشير هذا المصطلح علميًا إلى نقطة في الزمكان حيث تصبح القيم المستخدمة في قياس حقل الجاذبية لا نهائية، وقوانين الفيزياء التي نعرفها قاصرة. بكلماتٍ أخرى، هي نقطة ينعدم بها الفصل بين الزمان والمكان، ويندمجان ليفقد كلٌّ منهما معناه المستقل ويستحيل التفريق بينهما.

ظهر هذا المصطلح للمرة الأولى كنتيجة لنظرية “النسبية العامة” التي أنتجت الاعتقاد النظري بوجود الثقوب السوداء؛ حيث أشارت أن النجم الذي يتجاوز حدًّا معينًا من الكتلة سيطلق قوة جاذبة شديدة لدرجة تدميره، ولا يستطيع أي شيء على سطحه النجاة من حقل الجاذبية هذا (ولا حتى الضوء) إذ تتغلب على سرعة الضوء في الفراغ.

انطلاقًا منها قام كل من “روجر بينروز Roger Penrose” و “ستيفن هوكينغ Stephen Hawking” بتطوير نظريات حول إمكانية إنتاج “المتفرد” من قوى التجاذب، وتم في النهاية جمع النظريتين بنظرية “Penrose -Hawking Singularity Theorem”.2

شرح نظرية الانفجار العظيم

تنص النظرية بشكلٍ أساسي أن الكون كما نعرفه الآن كان عبارة عن نقطة لا متناهية الكثافة بحرارة بالغة الارتفاع تُدعى “المتفرد Singularity”، وبعدها بدأت هذه النقطة بالتمدد فجأة بسرعة كبيرة، كما بدأت حرارتها بالانخفاض ليبدأ تشكل الجزيئات وتكتل هذه العناصر البدائية لتشكل النجوم، المجرات، وأخيرًا الكون الذي نراه اليوم.3

قام العلماء بوضع بنية زمنية بناء على تجربة المبادئ النظرية، وإجراء اختبارات باستخدام مسرعات الجزيئات، بالإضافة إلى الدراسات الفلكية. وكان أكثر أقسام هذه البنية جدلًا الثواني الأولى بعد الانفجار الكبير حيث كانت قوانين الفيزياء غير قابلة للتطبيق.

  • مرحلة المتفرد Singularity Epoch

كانت أوائل مراحل تشكل الكون حيث كانت التأثيرات الكمية لقوى الجاذبية هي السائدة، وكان الكون عبارة عن نقطة لامتناهية الكثافة والحرارة.

كانت حالة الكون غير مستقرة وبدأ بالانتفاخ مع انخفاض حرارته، مما سمح للقوى الأربع الحاكمة في الكون بالتشكل (الجاذبية، النووية الضعيفة، النووية القوية، الكهرومغناطيسية).

بعدها بدأت هذه القوى بالانفصال عن بعضها واحدة تلو الأخرى بالتزامن مع انخفاض الحرارة. كل ذلك ضمن أجزاء قليلة من الثانية.

  • مرحلة الانتفاخ Inflation Epoch

توسع في هذه الفترة الكون بشكلٍ كبير جدًا واستمرت الحرارة بالانخفاض. ونشأت ضمن هذه المرحلة الباريونات Baryogenesis، وبسببها ظهرت أزواج الجزيئات – الجزيئات المضادة وبدأت بالتصادم.

عند توقف الانتفاخ، كان الكون مؤلفًا من بلازما من (الكواركات والغلونات) Quarks – Gluons Plasma، بالإضافة إلى جزيئات بدائية أخرى.

  • مرحلة التبريد Cooling Epoch

اعتبارًا من هذه المرحلة، قل الجدل حول البنية الزمنية لتشكل الكون، ففيها انخفضت الحرارة والكثافة وطاقة كل جزيء حتى تحولت قوى الفيزياء الأساسية والجزيئات البدائية إلى شكلها الموجود حاليًا (أي بالإمكان التحري عنها بالتجارب الفيزيائية المتبعة، وهذا ما أزال الجدل).

ونظرًا لأن الحرارة لم تعد مرتفعة بما فيه الكفاية لتشكل أزواج الجزيئات – الجزيئات المضادة، حصلت عملية فناء للجزيئات المضادة بعد سلسلة من التصادمات.

بعد ذلك بدقائق بدأت عملية “اصطناع النوى Nucleosynthesis”حيث بدأت البروتونات والنيوترونات بالتجمع بفضل انخفاض الحرارة.

بدأت الإلكترونات تتجمع مع النوى بعد سنين من ذلك لتشكل ذرات (غالبًا هيدروجين)، وانفصلت الأشعة عن المادة واستمرت بالتجول عبر الفضاء دون عوائق (هذه الأشعة تكوّن الخلفية الكونية من الأمواج الميكروية Cosmic Microwave Background أو ما يُعرف بـCMB ويُعتبر أقدم شعاع، وبدراسته استطاع العلماء تقدير عمر الكون).

  • مرحلة البناء Structure Epoch

خلال مليارات السنين اللاحقة، بدأت المناطق الأكثر كثافة من المادة المتوزعة في الكون بالانجذاب لبعضها لتصبح أكثر كثافة، بالإضافة لحدوث الانفجارات الكونية التي شكلت الغمامات الغازية الحاملة لجزيئات ثقيلة. كل ذلك أدى تدريجيا لتشكل النجم، المجرات، والبنى الكونية التي نراها اليوم.

الأدلة التي تدعم نظرية الانفجار العظيم

تحدثنا سابقًا عن الأدلة الأربعة الأساسية الداعمة لهذه النظرية:

  • ملاحظات “فيستو سيلفر Vestp Silpher”.
  • دراسات “إدوين هابل Edwin Hubble”.
  • دراسة CMB.
  • تشكل المجرات وبنى الكون.

بالإضافة للعديد من الأدلة الأخرى مثل التقلبات في أشعة CMB، عمر النجوم، اكتشاف المادة المظلمة Dark Matter والطاقة المظلمة Dark Energy، ودراسة مسار الضوء المنبعث من الانفجارات النجمية البعيدة.4

بعض الانتقادات التي واجهتها النظرية

  • تخل النظرية في القانون الأول من الترموديناميك (الكتلة والطاقة لا تفنى ولا تخلق من عدم): يحارب مناصرو نظرية الانفجار العظيم هذا الانتقاد بمبدأ أن النظرية لا تتحدث عن خلق الطاقة وكيفية بدء الكون بل عن تطوره، كما أن عجز قوانين الفيزياء عند الاقتراب من نقطة “المتفرد” لا يستثني القانون الأول في الترموديناميك.
  • مرحلة التضخم الأولى في النظرية تخل بقانون أن لا شيء يمكنه التحرك أسرع من الضوء: مجددًا يقول بعض المؤيدين للنظرية أن قوانين الفيزياء (من ضمنها النسبية) لم تكن مطبقة في ذلك الوقت، وآخرون يقولون أن الفضاء بحد ذاته يخرج عن نطاق نظرية الجاذبية ويمكنه التوسع بسرعةٍ أكبر من الضوء.
  • بعض النقاد يقترحون أن توضع النجوم والمجرات يخالف قانون الانتروبي Entropy (يقل تنظيم المنظومة المتغيرة مع مرور الزمن): ولكن إن نظرنا إلى الكون على أنه كان متجانس Homogeneous ومتناظر الخواص في جميع الاتجاهات Isotropic بشكل تام (كما يُعتقد في نظرية الانفجار العظيم)، نلاحظ أن الكون الحالي خاضع لقانون الانتروبي.

تفسيرات غير صحيحة

هناك العديد من التفسيرات الخاطئة لمجالات من نظرية الانفجار العظيم نابعة عن صعوبة الاطلاع على مبادئها، على سبيل المثال:

  • تتحدث نظرية الانفجار الكبير عن أصل الكون: هذا المعتقد غير صحيح، فالنظرية تحاول شرح كيفية تطور الكون من حالة كثافة عالية وحجم ضئيل إلى ما هو عليه اليوم، ولا تتحدث عما كان هناك قبل ذلك أو المسبب في بدء نشأة الكون.
  • “الانفجار العظيم” كان نوعًا من الانفجارات: يعتقد الكثيرون أن هذه النظرية تتحدث عن انفجار نقطة كانت تتجمع بها كل المادة والطاقة في الكون، ولكن هذا المعتقد خاطئ أيضًا. فهذه النظرية تشرح عملية توسع سريع للكون (أسرع من الضوء) ولكنها لا تتحدث عن انفجار بالمعنى العام (أي المقصود به أنه التوسع المفاجئ والسريع للطاقة). وكما ذكرنا سابقًا فقد سميت كذلك من قبل أحد معارضي النظرية نوعًا من الاستهزاء بقيمتها، ولكن كان لهذا الاسم صدىً قويًا واستمر العمل على النظرية تحت هذا اللقب.

أسئلة لا تتطرق لها نظرية الانفجار العظيم

  • ماذا حدث قبل الانفجار العظيم؟؟ كما ذكرنا سابقًا، يُعتقد أن قوانين الفيزياء لا تعمل عندما ينتهي الزمن للصفر، كما أن الزمن بحد ذاته غير موجود بشكلٍ مستقل بل مندمج مع المكان، ولذلك لا يمكننا التوصل لأي إثبات حول ما كان قبل الانفجار بالرغم من وجود العديد من الآراء حول ذلك.
  • ماذا يوجد خارج حدود الكون؟؟ سؤال آخر لا يمكن الإجابة عنه، فلا يملك العلم الحالي المقاييس أو الأدوات لمشاهدةما يحدث خارج حدود الكون (إن كان له حدود).
  • ما هو الشكل الذي يتخذه الكون؟؟ البعض يعتقد أن الكون غير محدود وليس له شكل، بينما يعتقد آخرون أنه محدود ولربما هو بنية متوسعة ضمن بنية أكبر. ولكن نظرية الانفجار العظيم لا تتطرق لهذا الموضوع.5

أمثلة عن نظريات أخرى

واجهت نظرية الانفجار العظيم العديد من الانتقادات ولم تُثبت صحتها بشكل كامل حتى الآن، ولكن الأدلة تعطيها الأفضلية عن غيرها من النظريات. مثل:

  • نموذج الحالة الثابتة Stable State Model: الذي يقترح أن الكون ينتج المادة بمعدل متناسب مع توسعه وبذلك كان وسيبقى بذات الكثافة.
  • نموذج التحول الناري Ekpyrotic: الذي ينص أن الكون الذي نعيش فيه هو حصيلة تصادم كونين ثلاثيي الأبعاد في بعد رابع مخفي.
  • الارتداد الكبير Big Bounce: تقترح هذه النظرية أن كوننا يقع ضمن سلسلة من الأكوان التي تتوسع ثم تتقلص مجددًا.

المراجع