قانون مور

قبل الخوض في تفاصيل قانون مور لا بدّ لنا من التمعّن حاليًّا في مقدار التطوّر التقنيّ الذي شهده كلًا من قطاعي الحواسيب والمعالجات في السنوات الماضية، ومقارنته مع ما كان موجودًا قبل عقدٍ من الزمن، سنلاحظ فرقًا شاسعًا وقفزةً نوعيّةً في الأداء والتقنيات المستخدمة، وحتى لا نسافر بعيدًا في الزمن، دعنا نلقي نظرةً على أنظمة تشغيل أقوى أجهزة الحاسب قبل خمس سنواتٍ مضت، ونقارنها بما وصلت إليه الهواتف المحمولة، بكل تأكيدٍ ستجد تلك الأنظمة الرائدة آنذاك قديمةً ومملةً وغير تفاعليّةٍ.

إذا ما تساءلت عن السبب الكامن وراء التطوّر الكبير الذي يشهده قطاع المعالجات، فالإجابة بكل تأكيدٍ هي “الدارة التكامليّة”، حيث تمكّن صانعو رقائق الكمبيوتر مع التقدّم الكبير في مجال علوم وأبحاث الرقائق الإلكترونيّة من زيادة عدد الترانزستورات الموجودة على الرقائق في كل عامٍ.

لنحيطك علمًا فإنّ هذه الزيادة في عدد الترانزستورات غير عشوائيّةٍ ولم تأتِ بمحض الصدفة، بل هي محكومةٌ أو مبنيةً وفق نظريّةٍ تدعى باسم قانون مور.

ما هو قانون مور

يُعبّر قانون مور عن تنبؤٍ مستقبليٍّ وضعه غوردون مور (Gordon Moore) الشريك المؤسس لشركة انتل في عام 1965، ويشير قانون مور هذا إلى أنّ عدد الترانزستورات الموجودة على الرقائق الإلكترونيّة يتضاعف كل عامين، ويترافق مع هذا التضاعف مع انخفاض تكلفة أجهزة الكمبيوتر بمقدار النصف، أي يتصوّر مور من خلال هذا القانون حصول ارتفاعٍ في أداء المعالجات من حيث السرعة والقدرة كل عامين.

غوردون مور (Gordon Moore)

كان تنبؤ مور أشبه ببيانٍ أو تصريحٍ ناتجٍ عن الملاحظة والدراسة والتوقّع المستقبلي لواقع المعالجات والرقائق الإلكترونيّة، ولم يطلق عليه أبدًا اسم قانون مور، ولكن مع مرور الأيام والسنوات وبعد أن جسّدت رؤية مور المستقبليّة الواقع الحقيقي أصبحت تنبؤاته بمثابة القاعدة الذهبيّة في الصناعات الإلكترونيّة، ومنطلق للابتكار والإبداع، إذ قام مور بتمهيد الطريق أمام حقبةٍ جديدةٍ من المعالجات والرقائق الإلكترونيّة التي تميّزت بأبعادٍ أصغر، وسرعاتٍ أكبر، وأسعارٍ أرخص.§ §.

مبادئ مور ما بين التنبؤات والواقع

في عام 1965 نشر جوردن مور مقالًا في مجلة Electronics بعنوان “حشر مزيدٍ من المكونات في الدارات المتكاملة (Cramming More Components Onto Integrated Circuits)”، يتحدّث به عن المعالجات والرقائق الإلكترونيّة ومستقبلها بعد عقدٍ من الزمن، وتنبأ مور بتضاعف عدد الترانزستورات الموجودة على الدارات المتكاملة كل عامٍ حتى يصل عددها إلى 65000 بحلول عام 1975، وبحلول العام 1975 ثبتت توقعات مور، وباتت تُعرف باسم قانون مور.§

صورة توضّح عدد الترانزستورات في الميليمتر المربع في كل عام

في عام 1975 بدأ هذا المعدّل بالتباطؤ، فما كان على مور سوى تعديل قانونه لينص على أنّ عدد الترانزستورات الموجود في الدارات المتكاملة سيتضاعف كل عامين.

فسر مور توقعاته بأنّها مبنيّةٌ على رؤيةٍ اقتصاديّةٍ، حيث اخترع روبرت نويس (Robert Noyce) الدارات المتكاملة المؤلفة من رقائقَ من السيليكون، والتي تضم عددًا كبيرًا من الترانزستورات بالإضافة إلى بعض العناصر الإلكترونيّة الأخرى المتصلة فيما بينها بواسطة خطوط نقلٍ من الألمنيوم، ومنذ اختراع هذه الدارات أدرك مور أهميتها ومستقبلها الواعد الذي سيغيّر مسار تطوّر المعالجات إلى الأبد.§ §.

كتب مور:

“تتناسب تكلفة كل مكوّنٍ بشكلٍ عكسيٍّ مع عدد هذه المكونات”

غوردون مور (Gordon Moore)

بالتالي كلمّا أضفت المزيد من الترانزستورات كلمّا انخفضت تكلفة الترانزستور الواحد وحصلت على معالجٍ أقوى وبسعرٍ أرخص، وكتب مور أيضًا واصفًا المستقبل الكبير لتطوّر الدارات المتكاملة:

غوردون مور (Gordon Moore)

“ستؤدّي إلى اختراعاتٍ مدهشةٍ كأجهزة الكمبيوتر المنزليّة – أو في أدنى تقدير الأجهزة الطرفيّة التي توصل إلى الحواسيب المركزيّة – وأنظمة التحكّم الآلي بالسيارات وأجهزة الاتصال المحمولة”

غوردون مور (Gordon Moore)
رسم يوضّح مستقبل أجهزة الكمبيوتر والشعبيّة الكبيرة لها

أثر قانون مور على التطور التقنيّ

يعزو الخبراء الفضل الأكبر لما وصلنا إليه من تطورٍ تكنولوجيٍّ كبيرٍ إلى الدارات المتكاملة، والتي يمكن القول بأنّها بشكلٍ أو بآخر ليست إلا انعكاساتٍ مباشرة لتنبؤات مور وتوقعاته التي وضعها قبل أكثر من خمسة عقودٍ، والتي أحدثت ثورةً في عالم الحوسبة ومهدت الطريق أمام الاكتشافات والابتكارات اللامحدودة، والتي جعلت من التكنولوجيا التي تحيط بنا اليوم والتي أصبحت جزءًا من حياتنا اليوميّة ممكنة.

كان لقانون مور تأثيرٌ مباشرٌ وفضلٌ كبيرٌ في تطور أجهزة الكمبيوتر المحمولة وأجهزة الكمبيوتر الفائقة والهواتف الذكيّة، كما عزّز التقدّم في مجال الذكاء الاصطناعيّ والطب الجنينيّ، وأدى إلى التوصّل لتقنياتٍ جديدةٍ في مجالات الاتصالات والطب غيرها.§.

صورة توضح تقلص حجم رقائق المعالجات على مر السنوات
صورة توضح تقلص حجم رقائق المعالجات على مر السنوات

وصرّح ماركوس وينجارتنر (Markus Weingartner) المدير التسويقي لدى شركة انتل بأنّ:

“قانون مور هو قانونٌ اقتصاديٌّ وليس فيزيائيّ”

ماركوس وينجارتنر (Markus Weingartner)

“تخبرنا تنبؤات مور بأنّ كل شريحةٍ جديدةٍ ستحمل ضعف عدد الترانزستور القدرة الحسابية للجيل السابق بنفس تكلفة الإنتاج”

ماركوس وينجارتنر (Markus Weingartner)

حقائق حول قانون مور

  1. تم تسمية القانون نسبةً إلى جوردن مور أحد مؤسسي شركة انتل.
  2.  نُشرت تنبؤات مور – التي تحوّلت فيما بعد إلى قانون مور – في مقالٍ حصريٍّ لمجلة إلكترونكس بتاريخ 19 أبريل من عام 1965.
  3. منذ سبعينيات القرن الماضي، تضاعفت قدرات أجهزة الكمبيوتر كل عامٍ أو نصف عام.
  4. الكمبيوتر الذي كان يكلّف 3000 دولارٍ في عام 1990 أصبحت تكلفته 1500 دولار في عام 1992.
  5. رقائق الكمبيوتر التي احتوت على 2000 ترانزستور وكانت تكلف 1000 دولار في عام 1970، تكلفة تصنيعها اليوم أقل من 0.02 دولار.
  6. كل عامين من الزمن سنشهد أجهزة كمبيوتر وأجهزة إلكترونيّة جديدة قادرة على تقديم ضعف الأداء.
  7. تعتمد المعالجات على المكونات الصغيرة مثل الترانزستورات ودقة التصنيع المقاسة بالنانومتر، والتي لا يمكن أن تستمر بالتطور إلى الأبد بسبب خضوعها لقوانين الفيزياء.
  8. مشاكل التبريد ستقف عائقًا أمام زيادة عدد الترانزستورات على رقائق الكمبيوتر.
  9. ترتبط قدرات وإمكانيات الكثير من الأجهزة الرقميّة ارتباطًا وثيقًا بقانون مور.
  10. تخضع كلٌّ من سرعة المعالج وسعة الذاكرة وأجهزة الاستشعار إلى قانون مور.
  11. تتحسّن قدرات الأجهزة الإلكترونيّة الخاضعة لقانون مور بمعدلاتٍ أسيّةٍ.
  12. أدى التحسن الأسي في أداء الأجهزة الإلكترونيّة إلى تعزيز نتائجها الإيجابيّة في كل قطاعٍ من قطاعات الاقتصاد العالمي.§.
880 مشاهدة