على مر الزمن، توالت مجموعات مختلفة من أشكال الحكم وتنوعت لتشكل في مجموعها العديد من الأنظمة المتشابهة والمختلفة، وانطلق كل من هذه الأشكال من معايير محددة ارتبطت بالفترة الزمنية الراهنة والمجتمع المحيط والشعب والجوانب المادية والفكرية وغيرها، وعلى الرغم من أن لكل منها إيجابيات وسلبيات معينة إلا أن قلة قليلة منها استطاعت الوصول إلى مرحلة متقدمة وسمو للبلاد. وفيما يتعلق بنظام الحكم الارستقراطي؛ فقد كان الوضع مختلفًا عن بقية الأنظمة من جميع النواحي، لذا استطاعت الارستقراطية التميز عن غيرها من الأنظمة، وتمكّنت من إثبات نجاحها في بعض النقاط المتفرقة.

تعريف الارستقراطية

جاء مصطلح الأرستقراطية من الكلمة اليونانية Aristokratia والتي تعني “حكم الأفضل” بشكله الحرفي، وتعبر عن أحد أشكال الحكومات التي تقوم على اختيار القادة من نخبة طبقات المجتمع استنادًا إلى بعض الفرضيات القائمة على أن الأشخاص الذين يتمتعون بأعلى المعايير الأخلاقية والفكرية وحدهم يستحقون الوصول إلى الحكم. فلا يمكن لأي شخص من عامة الشعب الوصول إلى هذا الاستحقاق؛ إذ لا يمتلك أحد الجماهير القدرة على إدارة الشؤون السياسية بشكل منضبط، هذا بالإضافة إلى التكهن بأن أعضاء الطبقات المتميزة يستبسلون في المعارك ولديهم القدرة على تقديم النصح والمشورة في جميع الشؤون.1

نشأة الارستقراطية

كانت الانطلاقة الأولى للأرستقراطية من حضارة بلاد اليونان القديمة، حيث كان معظم اليونانيين القدماء من السكان الأميين باستثناء بعض الجماعات السياسية والدينية، الأمر الذي جعل من الرجال المؤهلين تأهيلًا علميًا وثقافيًا عاليًا أشخاصًا قليلين متميزين بتفوقهم السياسي والديني والأخلاقي والفكري والعسكري، أو أن ما ميز بعضهم كان انحداره من إحدى الطبقات الثرية حينذاك.

فكانت تتشكل مجالس من كبار أعضاء المجتمع وطبقاته المتميزة لتحكم بنفسها أو تحت سلطة ملك يعين بطرق مختلفة، وعلى الرغم من وجود بعض الأرستقراطيين الذين حكموا بشكل مستقل عن الملك، إلا أن هذا النظام نما تحت وطأة الأنظمة الملكية، الأمر الذي أدى إلى ارتقاء طبقات نبيلة سلم الألقاب الرسمية كالبارون والدوق واللورد وغيرها.

اعتادت غالبية الطبقات الارستقراطية على تعيين ورثتها كخلفاء، واستند هذا النقل الوراثي للسلطة على الاعتقاد بأن الصفات القيادية الجيدة تنتقل عبر الأجيال، وهو ما عزّزنه بعض الأمثلة التاريخية القديمة، وفي القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، اعتمد استقرار الوضع الاجتماعي للأرستقراطيين على ملكيتهم الأراضي وعلى التجارة والسطو والقرصنة، فسيطروا على المجتمعات المحلية.

وهكذا حتى سقوط الحكم الارستقراطي في تلك الفترة نتيجة مجموعة من الأسباب، فأظهر مصير الطبقة الارستقراطية في اليونان القديمة المسار الذي ستتبعه العديد من الجماعات الحاكمة الأخرى من الهيمنة السياسية والاجتماعية حتى صعود جماعات متنافسة إلى السلطة.2

مزايا الأرستقراطية

  1. اختيار حكام أكفّاء حكماء: يعتمد نظام الحكم الأرستقراطي على اختيار حكام يمكنهم تولي شؤون الإدارة بشكل جيد وحكيم ولا يمكن لأي كان الوصول إلى السلطة.
  2. الحفاظ على التقاليد القديمة: حافظت الارستقراطية على مجموعة من التقاليد التي رأى فيها الحكام ضرورية للمحافظة على صلة الوصل بين الماضي والحاضر، على عكس بعض الأنظمة الديمقراطية التي أثرت القوانين في كثير من تقاليدها.
  3. الاستقرار: كون الإدارة تقع في أيدي حكام إداريين موهوبين وذوي خبرة، فقد سيطر الاستقرار في مختلف الشؤون على الحكم.
  4. الاستعانة باللوردات الإقطاعيين: لجأت الحكومات الارستقراطية للاستعانة بعدد من اللوردات الإقطاعيين لإدارة الحكومة وكسب المعارك والحفاظ على القانون والنظام في الدولة.

عيوب الارستقراطية

  1. تنمية شعور الأنانية: كون الإدارة تعتبر من حق فئة معينة من الأشخاص، حرك هذا الأمر الإحساس بالأحقية والأنانية لديهم ليصلوا إلى حدود إبرام المؤامرات والاتفاقيات لتغذية مكاسبهم الأنانية.
  2. حرمت الجماهير من المشاركة في الحكم: لم يكن للناس العاديين والجماهير أي مشاركة أو رأي في عمل الحكومة مما أدى إلى استيائهم بشكل كبير.3
  3. مشكلة انتخاب الأشخاص: كان هناك مشكلة متأصلة في اختيار القادة والحكام؛ فلا يمكن اختيار الأشخاص القادرين على تولي شؤون الحكم اعتمادًا على الأسرة والصحة والنسب وغيرها فقط بل يجب البحث في جوانب مختلفة.
  4. لا تدريب سياسي للشعب: لم توفَّر الارستقراطية لعامة الشعب أية تدريبات سياسية أو معرفة بالحكم السياسية وقوانينه.
  5. الحكم الوراثي: والذي يعتبر أكثر عيوب نظام الحكم الأرستقراطي.
  6. صراعات الطبقة الحاكمة: دائمًا ما توجد صراعات كبرى بين أفراد الطبقة الحاكمة على أحقية كل منهم في تولي شؤون الحكم وغيرها.
  7. التكلف والبذخ: اعتمدت هذه الحكومات على البذخ والترف والعناية بالمظاهر، وكان الإسراف فيها بدرجات عالية.4

المراجع