لا جدل إطلاقًا بأن التكنولوجيا قد غزت مجالات الحياة كلّها، فمع التطوّر الكبير الذي يشهده عالمنا اليوم، ومع الوتيرة المتسارعة للإبتكارات والاختراعات المتجدّدة في المجالات كلّها، ليس من الغريب أن نرى التكنولوجيا تبسط تفرّعاتها وأدواتها في شتّى جوانب النشاطات البشرية. وما سنخّصه في مقالنا هذا هو غزو التكنولوجيا للمجال الزراعي، فيما بات يُعرف الآن باسم التكنولوجيا الحيوية الزراعية (Agricultural Biotechnology).

فما هي التكنولوجيا الزراعية بالضبط؟ وما هي الميّزات التي قدّمتها التكنولوجيا الحديثة في مجال الزراعة؟ وكيف يتم توظيفها في ذلك المجال؟ وهل لتسخير التكنولوجيا في المجال الزراعي أي جوانبٍ ـ دعنا نقل ـ مظلمة!؟

سنتطرّق في مقالنا هذا إلى أجوبة كل هذه التسؤلات، ونستعرض مُقتطفاتٍ موجزةٍ عن التكنولوجيا الزراعية وبعض تطبيقاتها الحياتيّة في وقتنا الحاضر.

مفهوم التكنولوجيا الحيوية الزراعية

إن مفهوم التكنولوجيا الزراعية (أو التكنولوجيا الحيوية الزراعية Agricultural Biotechnology) يشتمل على تسخير وتوظيف آخر التكنولوجيا الحيوية الحديثة التي توصّل إليها العلم اعتمادًا على مفهوم الحمض الوراثي (DNA) من أجل تحسين وتطوير المنتجات والمحاصيل الزراعيّة.

حيث أصبح بإمكاننا بحث وتقصي الصفات والمزايا الجيّدة كالإنتاجيّة الكبيرة والجيّدة وتطويرها عن طريق عزل الجين المسؤول عنها واستزراعه. بالمقابل يمكن عزل أي صفةٍ أو ميّزةٍ سيّئةٍ كالمقاومة الضعيفة ضد الأمراض والأوبئة، وإبعادها عن نسل المحصول الزراعي بشكلٍ كاملٍ.1

ميزات التكنولوجيا الزراعية

الجدير بالذكر أن التكنولوجيا الحيوية الزراعية لم تُتح الفرصة لتطوير المحاصيل وزيادة إنتاجها فقط، بل ساهمت في تحسين نوعيّة المحاصيل بحد ذاتها. بمعنى آخر سمح لنا العلم بانتقاء الجين ذي الإنتاجية الأكبر والأفضل من بين سائر الجينات وعزله، ومن ثم استخدامه في تطعيم وتطوير باقي المحاصيل.

وأوّل المحاصيل التي خضعت للتجارب كان الأرزّ، أكثر المحاصيل إنتاجًا في العالم، حيث تمكّن العلماء بواسطة الهندسة الجينيّة من استنبات أرزٍ غنيٍّ بكميّاتٍ كبيرةٍ من الفيتامين A. لاحظ العلماء أنّ الأرز بطبيعته يمتلك الجينات القادرة على توليد الفيتامين A في حبّات الأرز، إلّا أنّ هذا الجين يتوقّف تلقائيًّا مع تطوّر نبات الأرز؛ وما فعله العلماء هنا هوعكس آليّة هذا الجين بحيث يكون متوقّفًا في أوّل مرحلة تطوّر الأرز، ثم يعمل تلقائيًّا عند بلوغ نبات الأرز درجةً معيّنةً من التطوّر.

بالإضافة إلى كل ما سبق فإن توظيف التكنولوجيا الحيوية الزراعية ضمن المحاصيل والإنتاج من شأنه تدعيم وتسهيل عملية الزراعة ككلٍ، حتى أنّه يخفّف من وطأة وتأثير العوامل البيئية على المحاصيل، وخير مثالٍ على ذلك هو المقاومة التي تُضفيها التعديلات الحيوية على المحاصيل تجاه فشل الاستنبات، وهذا في الواقع يُتيح للمزارعين إمكانيّة غرس البذور بدون الحاجة إلى حراثة الأراضي الزراعيّة.

وللعلم فإن عملية حراثة الأرض، رغم ضرورتها، فإنها تعرقل النشاط الحيوي للعضويات المفيدة في التربة، بتعريضها للمؤثّرات السطحية الخارجية، والتي تكون مسؤولةً عن تركيب العديد من العناصر الغذائية التي تمتّصها النباتات من التربة.2

توظيف التكنولوجيا الزراعية

هنالك طيفٌ واسعٌ من التقنيّات والمجالات العلميّة الحديثة التي وجدت طريقها في تحسين المجال الزراعي، نخصّ منها:

  • الهندسة الجينية:

الهندسة الجينيّة (الهندسة الوراثية)، أو التعديل الجيني، هي وببساطةٍ عمليّة نقل جينٍ معيّنٍ أو مورّثةٍ معيّنةٍ من كائنٍ عضويٍّ إلى آخر. وهي تساعدنا على انتقاء جينٍ معيّنٍ ذي مواصفاتٍ حسنةٍ مرغوبةٍ ونقله إلى فئةٍ عضويّةٍ لا تمتلك هذا الجين. وفي مجال التكنولوجيا الحيوية الزراعية فإن الهندسة الجينية فتحت الآفاق أمام انتاج محاصيل ذات انتاجيةٍ قويّةٍ من حيث الكمّ والنوع، بالإضافة إلى زيادة مقاومتها تجاه الأمراض والحشائش الضارّة.

  • الواسمات الجزيئيّة:

اقتصر تحسين النسل فيما مضى ـ سواءً للنباتات أم للحيوانات ـ على التعديل الفيزيائي غير المضبوط، كالتهجين للحيوانات أو التطعيم للنباتات. وعلى الرغم من أن الناتج حمل بعض الصفات المرغوبة، إلا أن العديد من الصفات غير المرغوبة بدأت بالظهور وسادت على الميّزات الأخرى.

 الأمر الذي دعا العلماء إلى البحث عن الواسمات الخاصّة بالصفات الجيّدة وعزلها، وظهر ما يُعرف بعلم الواسمات الجُزيئيّة. ساعد هذا المجال الواعد العلماء على عزل وتحديد الواسمات الجزيئية الخاصّة بصفةٍ محدّدةٍ عند نسلٍ معيّنٍ من النباتات ونقله إلى نسلٍ آخر، متفادين بذلك ظهور أي صفاتٍ جديدةٍ غير مرغوبةٍ عند النسل المحسّن في المستقبل.

  • استنبات الأنسجة:

تُستخدم هذه التقنيّة الحديثة للحصول على عيّناتٍ نباتيّةٍ خاليةٍ من الصفات غير المرغوبة، كالأمراض. يمكن استنبات هذه العيّنات النباتيّة في المختبرات للحصول على نباتاتٍ أخرى مشابهةٍ لها من حيث خلوّها من الأمراض، وفي وقتنا الحاضر؛ فإن المحاصيل التي يمكن تطبيق هذه التقنيّة عليها تتضمّن كلًّا من الموز والأفوكادو والمانجا والبابايا والعديد من الأنواع الأخرى.3

الانتقادات الموجّهة إلى التكنولوجيا الحيوية الزراعية

لا شكّ أن عمليّات التعديل والتحريف الجيني تواجه دائمًا قاعدة واسعة من الانتقادات والتخوّفات تجاه النتائج السيئة التي من شأنها أن تظهر على إثرها. وفيما يلي بعض الانتقادات الموجّهة إلى التكنولوجيا الزراعية الحديثة:

  • لا ضمان إطلاقًا على عدم حصول نتائجًا سلبيّةً تجاه النظام البيئي الطبيعي على المدى البعيد، فمثلًا ما الذي قد يحصل لو أن الجينات الخاصّة بالمحاصيل المعدّلة وراثيًّا وجدت طريقها إلى المحاصيل الطبيعية؟ سيكون من الصعب توّقع نتائج هذا الاختلاط، فقد تلتقط المحاصيل الطبيعية الجينات المعدّلة وتؤدي إلى نتائجٍ غير مرغوبةٍ أو حتى كارثيّةٍ في بعض الأحيان.
  • المحاصيل المعدّلة وفق التكنولوجيا الحيوية الزراعية قد تؤدي إلى تطوير مثيراتٍ حساسيّةٍ جديدةٍ، لذلك وضعت منظمّة الأغذية العالمية قوانين صارمة على المُنتجات الزراعيّة المعدّلة، تتضمّن اختبارات حساسيّةٍ دقيقةٍ وشاملةٍ.
  • هناك مخاوفٌ متزايدةٌ من قبل المزراعين تتمحور حول التنوّع الحيوي الطبيعي؛ فوجود نسلٍ معيّنٍ من المحاصيل ذات الميّزات “المثاليّة” يعني أن معظم المزارعين سيتّجهون نحو إنتاج هذا النوع بالتحديد دون سواه، الأمر الذي سيوجّه ضربةً قويّة إلى التنوّع الطبيعي لنوع النباتات نفسه. والجدير بالذكر أن تنوّع الأنماط والأنواع يساهم في المحافظة على صحّة التربة وخصوبتها ومقاومتها للمواد الكيميائية السامّة كالمبيدات.4

على الرغم من السلبيّات المحدودة للتكنولوجيا الزراعيّة، إلّا أنّها تشكّل مستقبلًا واعدًا في مجال تحسين المحاصيل الزراعيّة وتدعيم كميّة ونوعيّة الإنتاجية حول العالم، وقد تساهم مستقبلًا في حلّ الكثير من المشكلات التي يواجهها المجال الزراعي في وقتنا الحاضر.

المراجع