العلمُ مليءٌ بالأشياء الغامضة، وهذا ما يجعله مثيرًا دائمًا. الطاقة المظلمة والمادة المظلمة من الأشياء الغريبة والغامضة في هذا الكون، ولا يزال علماء الفلك والفيزياء يبحثون عن معلوماتٍ واضحةٍ عنها، فرغم تيقن العلماء من وجود الطاقة المظلمة، إلا أنهم لا يعرفون تحديدًا ما هي أو مما تتكون، أو حتى كيف يمكن قياسها.

إذا نظرنا للفضاء، سوف نجد ظلامًا شاسعًا تسبح فيه النجوم والكواكب وباقي الأجرام السماوية، وإن تساءلنا عن كيفية استقرار هذه العناصر بهذا الشكل المنظم فسيكون الرد المتوقع هو الجاذبية، ولكن لا، ليست الجاذبية وحدها المسؤولة عن الأمر، بل إن هذا الظلام – الذي يعرف بالطاقة المظلمة – هو المسؤول عن هذا النظام الرائع، وإلا كانت تناثرت النجوم في أنحاء الفضاء الفسيح.

إذن، وقبل الدخول في التفاصيل الأكثر تعقيدًا، يمكننا القول بشكلٍ بسيطٍ، أن الطاقة المظلمة هي هذا الظلام الذي يربط الكون ببعضه، وله قوةٌ لا يضاهيها الكون كله ولو اجتمع.1

الطاقة المظلمة وعلاقتها بالتمدد الكوني

الطّاقة المظلمة هي ظاهرةٌ مبهمةٌ، تعاكس الجاذبية، وهي مسؤولةٌ عن تسريع التمدد الكوني، وتمثل 75% من كتلة الطاقة في الكون. لا توجد علاقةٌ حقيقيةٌ بين الطاقة المظلمة والمادة المظلمة، وليس لأنها تشترك في كلمةٍ مظلمةٍ سيعني أن بينها عاملًا ضمنيًّا مشتركًا، ولكن الأمر يرجع لأن العلماء لا يعرفون عنها شيئًا، لذلك وصفوها بهذه الصفة.

التمدد الكوني

تتحرك المجرات المحيطة بنا بعيدًا عنا باستمرارٍ، وكلما كانت المجرات بعيدةً أكثر كلما تحركت بسرعةٍ أكبر. وهذا لا يعني أنها تتحرك خارج الفضاء، بل أنها لا تزال داخل الفضاء، وذلك لأن الفضاء نفسه يتحرك، فالكون ليس له مركزٌ، لأنه في حركةٍ دائمةٍ، وكل شيءٍ فيه في حركةٍ مستمرةٍ بعيدًا عن بعض البعض، وإنّ هذا التمدد الكوني تتزايد سرعته من خلال الطاقة المظلمة.2

أول من اكتشف الطاقة المظلمة

يعود اكتشاف التمدد الكوني وعلاقة بعد المجرات بسرعة حركتها إلى عالم الفضاء الأمريكي إدوين هابل (Edwin Hubble)، والذي اكتشف ذلك عام 1929 م.3

خصائص الطاقة المظلمة

الطاقة المظلمة خاصية فضائية، ولذلك فهي لا تتخفف مع تمدد الكون، بل كلما تواجد الفضاء (طبقًا لنظرية ألبرت أينشتاين) كلما ازدات طاقة الفضاء. برغم من أن العلماء فشلوا فشلًا ذريعًا في قياس كمية الطاقة تلك، إلا أنهم عرفوا أنها شكلٌ من أشكال الطاقة الديناميكية، فهي شيءٌ يملأ الفراغ كله ولكن تأثيره يعاكس تأثير المادة أو الطاقة العادية.4

كلما عملت الطاقة المظلمة ضد الجاذبية، كلما سرعت من معدل التمدد الكوني، وكلما أخّرت معدل تكوين الأجسام الكبيرة كالمجرات.

إحدى تقنيات قياس الطّاقة المظلمة كانت عن طريق رصد السطوع الواضح للأشياء التي لها لمعانٌ معروفٌ، مثل السوبرنوفا (Supernova)، وتم اكتشافها بهذه الطريقة عام 1998 م بواسطة فريقين دوليين، من ضمنهم عالم الفضاء الأمريكي آدم ريس (Adam Riess).

خصائص الطاقة المظلمة

استدلال العلماء على وجود الطاقة المظلمة

لاحظ العلماء أن الكون يتمدد بمعدلاتٍ مختلفةٍ، ففي النصف الأول من حياة الكون، وتحديدًا بعد الانفجار العظيم، كان الكون يتمدد بمعدلٍ بطيءٍ، ولكن بعد 7 مليار سنة، ازدادت سرعة تمدد الكون، مما دل على وجود طاقةٍ تتزايد بزيادة وجود الفضاء الفارغ (كما قال أينشتاين). كما أدت هذه الملاحظة لاستنتاج أن هذه الطاقة بمثابة قوة خامسة في هذا الكون، نظرًا لقدرتها على حمل كل هذا الفضاء الفسيح بدون عشوائية.5

إذن، تمّ الاستدلال على الطاقة المظلمة من خلال معدل تأثيرها على التمدد الكوني، وعلى حركة الهياكل الفضائية الكبيرة كالمجرات وتكوينها أثناء عدم استقرار الجاذبية.6

قياس التمدد الكوني والطاقة المظلمة

حاول العلماء بطرقٍ عديدةٍ قياس حجم التمدد الكوني بالضبط، أو قياس الإزاحات الفضائية الناجمة عن الطاقة المظلمة، ولكنهم أحدثوا نسبةً عاليةً من الخطأ، وتوصلوا لبعض النتائج والملاحظات دون أرقام محددة، وما تيقن منه الفريقان الذين أجروا العملية هو أن الكون يزداد في التمدد، كما أن قياس الطّاقة المظلمة يتطلب التغلب على الجاذبية.

الطّاقة المظلمة والمادة المظلمة

المادة المظلمة كالطاقة المظلمة في غموضها، فقد حيرت العلماء بشأنها كثيرًا أيضًا؛ فإذا كانت الطّاقة المظلمة هي القوة المسؤولة عن التمدد الكوني، فإن المادة المظلمة هي التي توضح كيفية عمل مجموعات الأجسام الفضائية معا.7

المراجع