يَصِفُ معظم قرّاء الكاتب البريطاني جورج أورويل رواياته بالوضوح، ويمدحون فيها سهولة الفهم وبساطة الرموز التي يستخدمها لإيصال أفكاره وقابليتها للمقاربة والحل ببساطةٍ. لكن قد لا ينطبق ذلك تمامًا على روايته الشهيرة 1984، ولكن ما هي هذه الرواية، وما علاقتها بعنوان مقالنا اوراسيا (Eurasia).

اوراسيا في رواية 1984

تدور أحداث هذه الرواية في سياقٍ خياليٍّ في ثلاثة بلدانٍ تشكّل القوى الإمبريالية الرئيسية المسيطرة على العالم في الحقبة المُفتَرَضة، وتتلخّص هذه القوى في:

  • أوقيانوسيا (Oceania): تشمل القارتين الأمريكيتين، أوقيانوسيا والجزر البريطانية، وتشكل المقر الرئيسي لأحداث الرواية.
  • اوراسيا (Eurasia): تشمل أوروبا وجزءًا كبيرًا من آسيا.
  • إستازيا (Eastasia): تشمل اليابان، وكوريا، والصين وشمال الهند.

هذه القوى الثلاث في حربٍ مستمرةٍ ضد بعضها البعض دون أن يحدد الكاتب الأطراف المتصارعة بوضوحٍ، وانطلاقًا من هذه الرواية، كان أورويل أول من اقترح مصطلح اوراسيا الذي استُخدِم لاحقًا في سياقاتٍ متنوعةٍ.1

الجغرافيا الطبيعية لأوراسيا

تعد سلسلة جبال الأورال – الممتدة بطول 1500 ميل – الحد الفاصل الافتراضي وغير الرسمي بين آسيا وأوروبا، فقد شاع استخدامها منذ زمنٍ بعيدٍ لتمييز القارتين عن بعضهما دون أن يكون لذلك أساس طبيعي أو جغرافي صحيح. إضافةً لذلك، فهي لا تفصل القارتين تمامًا؛ حيث أن السلسلة تتوقف عند حدود بحر قزوين تاركةً منطقة القوقاز تحتها موضع تساؤل؛ فيما إذا كان يجب اعتبارها تابعةً لأوروبا أو لآسيا.

انطلاقًا من هنا جاءت تسمية اوراسيا كإجابةٍ على هذا التساؤل بوصفها القارّة التي تضم كلًّا من أوروبا وآسيا مع الحاجز الصغير الفاصل بينهما. بناءً على ما سبق؛ تمتد أوراسيا بين المحيط الأطلسي وإسبانيا والبرتغال غربًا، وحتى مضيق بيرينغ (بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الهادي) شرقًا.

أما الحدود الشمالية، فهي تتكون من روسيا، وفنلندا، والنرويج، إضافةً للمحيط المتجمد الشمالي. وأخيرًا الحدود الجنوبية التي تتضمن البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الهندي، وإسبانيا، وفلسطين، واليمن، والهند وماليزيا القارّية. يُضَمُّ إلى أوراسيا أيضًا جزر عديدة هي صقلية، وكريت، وقبرص، وسريلانكا، واليابان، والفلبين، وجزيرة ماليزيا وربما حتى إندونيسيا.

الجغرافيا الطبيعية لأوراسيا

سكّان اوراسيا وعواصمها

أشارت الإحصائيات المجراة عام 2012 إلى أن عدد سكّان اوراسيا يبلغ حوالي خمسة ملياراتٍ نسمة؛ منهم حوالي 4.2 مليار في آسيا و 740 مليون في أوروبا.

أما عن العواصم في هذه القارّة العملاقة، فمن الصعب جدًا حصرها، خاصّةً وأنها مكوّنةٌ من 93 دولةً مستقلّةً. مع ذلك، برزت في أوراسيا أربع عواصمَ رئيسيةٍ شكّلت دعائم القارّة لكونها مدنًا كبرى وأقوى من غيرها، وهي:

  • بكين: تعد بكين عاصمة الدولة الأكثر تعدادًا للسكان في اوراسيا إضافةً إلى مكانة الصين المتزايدة باضطراد كقوةٍ عالميةٍ كبيرةٍ.
  • موسكو: العاصمة القديمة لأوروبا الشرقية ولأكبر دول اوراسيا مساحةً وأقواها سياسيًّا. يمكن اعتبارها بكل ثقةٍ عاصمة أوراسيا.
  • لندن: لا يمكن التقليل من شأن المملكة المتحدة ومكانتها في التاريخ الحديث، فهي عضوٌ قويٌّ في مجلس الأمن وعاصمتها لندن من أقوى وأقدم عواصم العالم.
  • بروكسيل: بروكسيل هي عاصمة بلجيكا وعاصمة الاتحاد الأوروبي، أي أنها المركز لتجمع 28 بلد ذي قوّةٍ مهمةٍ في القارة الأوراسية.2

أوراسيا مركز ثقل الكوكب

تعد اوراسيا – بحسب رأي عالم السياسي البولندي الأمريكي Zbigniew Brzezinski – واحدةً من أهم المفاهيم الجيوسياسية على الكوكب. ذلك لأن حوالي 75% من سكان الكوكب يسكنون ضمن الأراضي التابعة للقارة، كذلك تمتلك ثلاثة أرباع موارد الطاقة في العالم. إضافةً لذلك، فعلى أرضها ثلاثة من أقوى الدول الاقتصادية في العالم، وقد تشكّلت عدة تحالفاتٍ بين دول القارة في السابق، وكان أهمها:

  • الاتفاق على التعاون المشترك لتجنب الازدواج الضريبي وضمان التعاون الدولي بين دول البيريكس.
  • تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون الأمني ​​والعسكري والاقتصادي والتعاون الثقافي.
  • إنشاء مجموعة G-20 كمنصةٍ لمناقشة القضايا الهامة المتعلقة بالاقتصاد.
  • تبني حركة دول عدم الانحياز التي تضم 120 عضوًا لتبني مواقف سياسية مشتركة.

أدى ظهور هذه التحالفات إلى طرح علماء السياسة حول العالم فيما إذا كان من الممكن توحيد بلدان القارة مع بعضها وفرضها كقوّةٍ عالميةٍ.3

التحديات التي تواجهها فكرة توحيد اوراسيا

يعتقد خبراء السياسة والاقتصاد أن وحدة قارة ممتدة على هكذا مساحة شاسعة لن تشكّل قوّةً معتبرةً إلا إذا اتحدت البلدان المكوّنة لها واتفقت فيما بينها على سياسةٍ مشتركةٍ. هذه الوحدة تواجه – من وجهة نظر الخبراء نفسهم – عدة تحدياتٍ لا بدّ من أخذها بعين الاعتبار، وأهمها:

  • انعدام الثقة: في منطقة تجذّر فيها الفكر السوفييتي السابق والذي اتخذ من التعاون والوحدة شعارًا له؛ سيكون صعبًا جدًا على واضعي السياسة المشتركة للمنطقة من إعادة طرح الفكر التعاوني لعدة أسباب.
    • أوّل الأسباب يكمن في صعوبة جعل الدول تؤمن بإمكانية نجاح هذا الفكر، خصوصًا وأن الاتحاد السوفييتي فشل فشلًا ذريعًا في السابق.
    • السبب الثاني يتجلى في شكّ البلدان بانحياز واضعي السياسة التعاونية للفكر السوفييتي وعدم حياديتهم ومراعاتهم لمصالح كل البلدان المشاركة؛ فقرارٌ بالوحدة يجب أن يتبنى أفكارًا مشتركةً حياديةً ورؤية مشتركة لطبيعة المشاكل وآليات حلها.
  • محدودية المقدرات الوطنية: إن تبني فكر توحيديّ بحجم الذي نتحدث عنه سيعني تضخيم مصادر الطاقة والموارد المتاحة وتوحيدها، وتوسيع أفق الاقتصاد في المجالات كافة إضافةً إلى ضرورة فرض القارّة كمركز ثقل سياسيًّا ودوليًّا.

بلغةٍ أبسط، السؤال هنا هو التالي، هل ستتمكن دول متفاوتة في إمكاناتها الاقتصادية والسياسية من الدخول في تجربة توحيد كانت قد طبقت سابقًا منذ زمنٍ طويلٍ وفشلت!؟4

يمكننا الاستنتاج كخلاصةٍ بأنه وعلى الرغم من كون اوراسيا قارة اصطلاحيّة، فهناك تحالفاتٌ سياسيةٌ واقتصادية حقيقية تجمع بين الدول الواقعة ضمنها. ويبقى السؤال الأهم كيف سيؤثر توحيد القارة على المجرى الاقتصادي والسياسي في العالم؟ وهل هذا التوحيد ممكنٌ فعلًا!؟

المراجع