يُقال إن معظم الاكتشافات الكبيرة تأتي عن طريق الصدفة؛ هكذا كان وضع التجربة التي أجراها العالم الروسي إيفان بافلوف. فما هي تجربة بافلوف التي لعبت دورًا هامًا في اكتشاف أحد أبرز مفاهيم علم النفس في يومنا الحالي، وشكلت أحد أبرز المبادئ الفلسفية التي تُعنى بدراسة علم النفس، والتي جعلت من إدراك آلية عملية التعلم أمرًا غايةً في البساطة؟

ما هي تجربة بافلوف

إيفان بافلوف هو فيزيولوجيٌّ روسيٌّ حائز على جائزة نوبل، درس بافلوف دور اللعاب في عمليات الهضم بمجموعةٍ من الدراسات التي أجراها على الكلاب، ليصل في النتيجة إلى رسم ملامح ظاهرة أسماها التكيف الكلاسيكي.

تجربة بافلوف هي تجربةٌ أجراها على أحد الكلاب بهدف دراسة الاستجابة العصبية لعملية الهضم عندها، حيث قام من خلال تجربته بوضع هذا الكلب في غرفةٍ تجريبيةٍ خاصة وقام بمراقبته وإجراء بعض التجارب.

قام بافلوف بعملٍ جراحيٍّ وصل من خلاله جهازًا خاصًا إلى فم الكلب ليقيس معدل إفراز اللعاب لديه، وبدأ بعدها بمجموعةٍ من الاختبارات التحفيزية المتسلسلة.

لاحظ بدايةً أن الكلب يقوم بإفراز اللعاب ليس فقط عند وضع الطعام أو شم رائحته، بل أيضًا عندما يرى الشخص الذي يجلب له الطعام، ومنه استنتج ارتباط المحفزات البصرية برد الفعل العصبي (إفراز اللعاب).

لاحقًا بدأ بافلوف بتقديم الطعام للكلب مسبوقًا بقرع جرسٍ صغيرٍ بجانبه، واستمر في تكرار هذه العملية لعدة أيامٍ، ومع مرور الوقت وجد أن الكلب بدأ بإفراز اللعاب قبل أن يتم تقديم الطعام له أو حتى رؤية الشخص الذي يقدم له الطعام، بل بمجرد سماع صوت رنين الجرس. وبعد عدة تجاربَ وجد أن إفراز اللعاب أصبح مقرونًا برنين الجرس حتى لو لم يتم تقديم الطعام أيضًا.

ومنه استنتج بافلوف ارتباط المحفزات السمعية (كرنين الجرس) لدى الكلاب بإفرازها للعاب. وبعد عدة تجاربَ واختباراتٍ لعدة أيامٍ متواصلة توصل إلى تأكيد ارتباط مجموعةٍ من المحفزات المختلفة بالاستجابة العصبية (إفراز اللعاب في التجربة) لدى الكلاب، إذ يُعتبر كلًّا من الحارس الذي يقدم الطعام والجرس محفزاتٍ محايدةً، ومع ذلك استجاب الكلب لهذه المحفزات وأفرز اللعاب.

توصل بافلوف في النهاية إلى استنتاج نظريةٍ جديدةٍ أسماها نظرية التكيف الكلاسيكي. لكن وقبل تقديم شرحٍ أوفى عن هذه النظرية سنتعرف إلى مجموعةٍ من المصطلحات.1

أنواع المحفزات والاستجابة

لفهمٍ أوضح سنربط كلًا من المصطلحات التالية مع تجربة بافلوف نفسها.

  • المحفز غير المشروط UCS: يتمثل بتقديم الطعام إلى الكلاب لأن استجابة الكلاب للغذاء تحدث بشكلٍ طبيعيٍّ.
  • المحفز المشروط CS: صوت الجرس في التجربة يمثل المحفز المشروط، إذ يتوجب على الكلاب تعلم ربطه مع الاستجابة المطلوبة.
  • الاستجابة غير المشروطة UCR: عملية إفراز اللعاب، لأنها تمثل منعكسًا فطريًا.
  • الاستجابة المشروطة CR: إفراز اللعاب كاستجابةٍ لصوت قرع الجرس، حيث تعلمت الكلاب ربط هذه الاستجابة مع التحفيز المشروط.

ما هي نظرية التكيف الكلاسيكي التي توصلت إليها تجربة بافلوف

 نظرية سلوكية للتعلم تفترض أنه عند اقتران المحفز غير المشروط والمحفز المشروط بشكلٍ متكررٍ فإنه يصبح باستطاعة المحفز المشروط إثارة استجابة مماثلة للمحفز غير المشروط.

وبشكلٍ أدق يمثل مفهوم التكيف الكلاسيكي أحد مصطلحات علم النفس التي تنطوي على ردود فعلٍ تلقائية أو انعكاسية غير طوعيةٍ، بحيث يوجد محفزٌ محايدٌ- إلى جانب المحفز الأساسي (غير المشروط)- يؤدي إلى حدوث استجابةٍ طبيعيةٍ غير مشروطةٍ. ومع الوقت يصبح هذا المحفز محفزًا مشروطًا؛ فحالما يوجد تحدث الاستجابة بشكلٍ تلقائيٍّ، هكذا حتى يصل الأمر إلى حدوث الاستجابة دون وجود المحفز الأساسي. ولتقريب الأمر أكثر سنعود قليلًا إلى التجربة. بدأ بافلوف تقديم اللحم للكلب الأمر الذي أحدث استجابة إفراز اللعاب، ثم قرن تقديم الطعام بقرع جرسٍ صغيرٍ لفترةٍ من الزمن، ثم عمد إلى قرع الجرس دون تقديم الطعام فوجد أن الكلب قد بدأ بإفراز اللعاب أيضًا.2

مراحل نظام التكيف الكلاسيكي

تحدث عملية التكيف على ثلاث مراحلَ هي:

  • مرحلة ما قبل التكيف

تتطلب هذه المرحلة حدوث تحفيزٍ طبيعيٍّ من شأنه أن يثير استجابةً تلقائيةً، ولا يوجد أي علاقةٍ بين المحفز المشروط وغير المشروط؛ بل يثير المحفز غير المشروط الاستجابة غير المشروطة. ويمثل المحفز المشروط مجرد محفز محايد.

  • أثناء التكيف

في هذه المرحلة يقترن كل من المحفز المحايد (الذي يعرف الآن بالمحفز المشروط) وغير المشروط.

  • بعد التكيف

بمجرد اقتران المحفزين، يصبح المحفز المشروط قادرًا على إثارة الاستجابة دون الحاجة إلى تقديم المحفز غير المشروط. وهكذا يصبح بإمكان المحفز المشروط تحفيز الاستجابة المشروطة للظهور.3

أمثلة على عملية التكيف الكلاسيكي التي خلُصت إليها تجربة بافلوف

  1. عادةً ما يبدأ الأطفال بالبكاء خوفًا من عملية التطعيم وألم الإبرة. بدايةً يرتبط شعور الألم بوخز الإبرة فيبدأ الطفل بالبكاء، ثم ومع تكرار العملية يصبح من الطبيعي للأطفال البكاء حتى قبل رؤية الإبرة.
  2. عند تعرض أي طفلٍ للضرب أو العقاب أو المشاكل في المدرسة فإنه يبدأ بكره المدرسة ويرفض فكرة الذهاب إليها، ويستمر هذا الأمر مع جميع مراحل حياته الدراسية والأكاديمية.
  3. قام بعض العلماء في إحدى التجارب بحقن الأغنام بنوعٍ من أنواع السموم. عندما بدأت الذئاب بصيد هذه الأغنام والموت نتيجة السم، تسبب هذا الأمر في خفض معدل اصطياد الذئاب للأغنام، كما أصيبت بنفورٍ كبيرٍ وأصبحت تهرب بمجرد رؤيتها لأيٍّ من الأغنام أو شم رائحتها.4

.

المراجع