دائمًا ما ارتبط مفهوم العلم في عقولنا بالنظام والتنظيم وترتيب المصطلحات والمفاهيم في الطبيعة بطريقةٍ منطقيةٍ ومتسلسلةٍ، ولكن هل يمكن أن ينظر العلماء لنظريةٍ يسمونها نظرية الفوضى بالفعل!؟

مفهوم نظرية الفوضى

نظرية الفوضى هي فرعٌ من فروع الرياضيات (وأحيانًا المكيانيك) تهتم بدراسة خصائص الأنظمة المحددة أو الحتمية (Deterministic Systems) التي تعتمد في سلوكها على مجموعةٍ من الشروط الابتدائية مما يجعل دراستها أمرًا معقدًا نوعًا باستخدام أدوات الرياضيات التقليدية.

يستخدم الرياضيايون نظرية الفوضى لنمذجة هذه الأنظمة بطرقٍ مختلفةٍ بهدف الوصول إلى توصيف رياضي محدد عنها وعن سلوكها اعتمادًا على كافة الشروط الابتدائية الممكنة.1

ولادة النظرية

في الحقيقة ليس من السهل نسبة النظرية لشخص أو عالم واحد؛ فالنظرية في وقتنا الحالي عبارةً عن عملٍ رياضيٍّ فيزيائيٍّ ضخمٍ ومعقدٍ، ولكن يمكن أن نبحث في أصل النظرية. تبدأ قصة نظرية الفوضى من معادلات إسحق نيوتن التي استنتجها عن حركة الكواكب ومداراتها في مجموعتنا الشمسية، حيث افترض نيوتن عند حله لمعادلاته التفاضلية لأول مرةٍ شروطًا ابتدائيةً معينةً للحل، فحصل على مجموعةٍ من الحلول والتوابع البيانية التي تصف حركة الكواكب ومداراتها.

في بدايات القرن العشرين 1900 قام عالم الرياضيات الفرنسي المشهور هنري بوانكاريه (Henri Poincare) بدراسة حركة الكواكب ومداراتها، ولكنه لم يستخدم نفس الشروط الابتدائية التي استخدمها نيوتن، بل قام بتغييرها بشكلٍ بسيطٍ، فكانت النتيجة المفاجئة إن قد توصل لنتائج مختلفة تمامًا عن نتائج نيوتن!

بعد عدة تغييرات في الشروط الابتدائية لحركة الكوكب وجد بوانكاريه أن كل تغييرٍ سيعطي نتيجةً جديدةً لا يمكن التنبؤ بها، لذلك عادةً ما تنسب ولادة نظرية الفوضى لهنري بوانكاريه. طبعًا تطورت النظرية بشكلٍس كبيرٍ بعد هنري بوانكاريه ولكنه لا يزال يعتبر مؤسس هذه النظرية أو مطلق شرارتها الأولى.2

لاحقًا وفي عام 1961 تحديدًا قام عالم المناخ إدوارد لورنز (Edward Lorenz) بصياغة مصطلح نظرية الفوضى لأول مرة ولكن هذه المرة لم يدرس لورنز الكواكب بل درس أنظمة الطقس والمناخ. لاحظ لورنز أن نتائج التنبؤات المتعلقة بالطقس تختلف بشكلٍ كبيرٍ عندما يستخدم رقمين بعد الفاصلة عن النتائج التي يحصل عليها عندما يستخدم أربعة أو ستة أرقام.

خلص لورنز من دراسته لنظرية الفوضى وأنظمة الطقس إلى جملته المشهورة “هل يمكن لحركة أجنحة فراشة في البرازيل أن تثير إعصار في ولاية تكساس؟”، وبالتالي عرفت نظرية الفوضى بين غير المختصين بمسمّى تأثير الفراشة (Butterfly Effect)..3

الفراشة ونظرية الفوضى

يبدو طرح فكرة أن الفراشة قد تسبب إعصارًا على بعد آلاف الكيلو مترات طرحًا سخيفًا وسطحيًا للوهلة الأولى، إلا أنه لم يقصد حرفيًا، حيث إنّ الهدف من هذا التعبير الذي أطلقه إدوارد لورنز كان أن يؤكد أن التغييرات البسيطة جدًا في بعض الحسابات والنماذج الرياضية قد تحدث تغييرات كبيرة وغير متوقعةٍ.4

تطبيقات نظرية الفوضى

رغم التعقيد الرياضي الذي يراه البعض في نظرية الفوضى إلا أنها تدخل في العديد من التطبيقات في الفيزياء والعلوم الاجتماعية والإدارية مثل السياسة والأعمال والاقتصاد، وعلى الرغم من أن تطبيق تلك النظرية في عالم الإدارة والأعمال لايزال في بداياته، إلا أن المختصين في هذه النظرية يحددون بعض القواعد لرجال الأعمال اعتمادًا على دراستهم للنظرية منها:

  • تؤكد نظرية الفوضى أنه من الأجدى للشركات أن تدرس وتتنبأ بالنتائج المتعددة الممكنة والتي تنتج من تغير شروط الأسواق بدلًا من التنبؤ بالنتائج المستقبلية على المدى البعيد والتي تتطلب دراسة مضنية لأنظمة لاخطية لمعرفة سلوكها المستقبلي.
  • تذكر النظرية المدراء وأصحاب الأعمال أن التغييرات الصغيرة في شروط البداية قد تؤدي إلى نتائجٍ مختلفةٍ بشكلٍ كبيرٍ في النهاية اعتمادًا على مبدأ حساسية النظم الاقتصادية لشروط البدء.
  • تفترض نظرية الفوضى وجود ترتيب ما للأحداث العشوائية، يمكن لدراسة هذا الترتيب أن يساعد الشركات باتخاذ بعض القرارات على المدى القصير.
  • نتيجة دراسة نظرية الفوضى للأنظمة المعقدة والغير قابلةٍ للتنبؤ بسهولة مثل أسواق المال مثلًا فقد تسمح لرجال الأعمال والمدراء بامتلاك رؤية عامة عن كيفية مواجهة التغيرات المستقبلية والتعامل معها بالطريق الأمثل.5

ختامًا فإن تناول موضوع معقد مثل نظرية الفوضى خلال مقالٍ قصيرٍ يسمح لنا بتسليط إضاءاتٍ بسيطةٍ ولمحاتٍ مختلفةٍ عن النظرية، ونرجو أن تكون مفيدة ومثمرة للقارئ.

المراجع