مملكة ماري هي واحدةٌ من الممالك السورية القديمة التي تقع في الضفة الغربية لنهر الفرات في سوريا وبالقرب من الحدود العراقية وتعود في التاريخ إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، فقد شكل اكتشافها عام 1933 حدثًا هامًا لفت أنظار علماء الآثار والباحثين وحثهم على دراسة تلك الحضارة ومعرفة الازدهار الذي كانت عليه تلك الفترة.

اكتشاف مدينة ماري

تقع مدينة ماري عاصمة المملكة بالقرب من نهر الفرات في منطقة بلاد ما بين النهرين سابقًا في موقعٍ ضمن الأراضي السورية حاليًا يدعى تل الحريري ويبعد حوالي 12 كيلومترًا عن مدينة البوكمال وجنوب مدينة دير الزور في قلب الصحراء.

كما معظم الآثار القديمة اكتُشفت مملكة ماري صدفةً في شهر مايو عام 1933 عندما عثر أحد الرعاة السوريين على تمثالٍ منحوتٍ دون رأسٍ في منطقةٍ صخريةٍ فسارع إلى إبلاغ الجهات المختصة بالآثار في مدينة دير الزور التي أرسلت بدورها لجنةً تابعةً لها إلى تلك المنطقة بدأت أعمال الحفر فيها فوجدت مزيدًا من القطع الأثرية وأحجار البناء القديمة التي تدل على وجود حضارةٍ عريقةٍ تعود لعام 3100 قبل الميلاد.1

حكام ماري عبر التاريخ

تعاقب على حكم مملكة ماري ملوكٌ ينتمون إلى السلالة العاشرة بعد الطوفان، كما سيطرت سلالاتٌ كثيرةٌ عبر التاريخ على المملكة فقد احتلها الأكاديون ثم جاء بعدهم السومريون حتى نهاية القرن التاسع عشر قبل الميلاد عندما بسط العموريون سيطرتهم على المملكة تحديدًا عام 1740 قبل الميلاد وعلى يد الملك العموري شمشي أدد الأول، وبقيت ماري مستقلةً حتى عام 1700 قبل الميلاد عندما غزاها حمورابي ودمرها مما أخفى هذه الحضارة عن الوجود حتى جاء عام 1933 إلا أن بعض المصادر الأخرى ترجح أن حمورابي دخلها دون مقاومةٍ.2

الحقبة العمورية

سيطر الحاكم العموري ياجيد ليم عام 1830 قبل الميلاد على مملكة ماري لتبدأ فترة السلالة العمورية وتستمر حتى عام 1761 قبل الميلاد، وإليها تعود الألواح الطينية المنقوشة والمكتشفة فيها، وبعد عشر سنواتٍ سيطر ملك مملكة إيكالاتوم على ماري وأسر ابن ياجيد ليم الذي توفي عام 1820 قبل الميلاد ليصبح فيما بعد ابنه ياكود ليم وليًا للعرش من بعده،

حيث عمل على زيادة نفوذ مملكة ماري من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية إضافةً لإيجاد أساليب ريٍّ جديدةٍ ومتطورةٍ وتقوية دفاعات المملكة أمام أي عدوانٍ. ومع كل هذه القوة خضعت مملكة ماري للسلطة الموجودة في حلب ثم أصبحت لاحقًا تابعةً لنارام سين الذي توفي عام 1811، فاستعادت استقلالها وبدأت ببسط سيطرتها مجددًا على أراضيها السابقة.

بعد أن غزا الملك شمشي أدد منطقة شمال بلاد ما بين النهرين وسيطر على مدينة آشور حيث اعتبره الكثيرون أنه أصبح أحد الملوك الآشوريين، اصطدم مع الملك العموري ياكود ليم الذي قتله ابنه سومو يامام وحكم ماري لمدة عامين قبل أن يهزمه شمشي أدد عام 1796 قبل الميلاد ويعين ابنه ياسمه أدد حاكمًا على ماري الذي كان ضعيفًا ودائم الحاجة لمساعدة والده. 3

نهاية مملكة ماري

بعد أن أصبح ياسمه أدد حاكمًا على ماري هاجمه حفيد ياكود ليم أو ابن أخيه زميري ليم وتمكن من هزيمته بدعمٍ من حاكم حلب عام 1776 قبل الميلاد وبذلك عادت ماري إلى سلطة العائلة العمورية، حيث عمل زميري ليم على استعادة أمجاد مملكة ماري وأمضى خمس سنوات في حل النزاعات القبلية وخاض حروبًا عديدةً ضد مملكة إشنونة إحدى ممالك الدولة السومرية مُصرًا على إبقاء التحالف مع حلب خاصةً بعد زواجه من ابنة ملكها.

تمكن التحالف بين ممالك بابل وماري وعيلام من الاستيلاء على مملكة إشنونة، قبل أن تنقلب مملكة عيلام لكنها لم تستطع الوقوف في وجهة بابل وماري، ليستمر ملك ماري زميري ليم وملك بابل حمورابي حروبهما معًا ضد العديد من الممالك القوية رغم الشعور بعدم الثقة بينهما،

واستمر ذلك التحالف حتى عام 1761 عندما سيطر حمورابي على مملكة ماري وبقي مصير زميري ليم مجهولًا ولم يتمكن أحدٌ من معرفة إذا ما كان حمورابي قد دخل ماري من خلال المعارك أم دونها، لكن الأكيد أنه قد دمرها بشكلٍ كاملٍ في فترة بين عام 1759 وعام 1757 قبل الميلاد. 4

أهم آثار مملكة ماري

أكثر الاكتشافات الأثرية الملفتة للانتباه هي قصر الملك زميري ليم المكون من قرابة 300 غرفةً تتضمن أهم المكاتب الإدارية الموجودة في تلك الفترة، كما وجد علماء الآثار عددًا كبيرًا من الجداريات ومئات من القطع الأثرية الصغيرة،

لكن كل ذلك لا يعني شيئًا مقارنةً مع آلاف السجلات المحفوظة في تلك الغرف فيها مراسلات وتقارير دبلوماسية متبادلة بين مختلف مناطق المملكة، إضافةً لسجلات ورسائل بين حاكم آشور شمشي أدد الأول وبين ولديه عام 1800 قبل الميلاد، كما وُجد كثيرًا من النصوص الاقتصادية والقانونية، وقد ساهمت كل تلك المكتشفات في التعرف على حضارة مملكة ماري من كافة النواحي.5

المراجع