لعلك سمعت بالاسم “خاتون” من قبل، بالرغم من أن كلمة خاتون ليست بمسمّى محدّد بل هو لقبٌ اشتُقّ من كلمة “خواتون” (xwāten) من اللغة السوقديانية (Sogdian) والتي تعني زوجة الأمير أو الملك، إلّا أن اسم خاتون على شهرته نُسب إلى زوجة  أشهر القادة المسلمين في القرن الثاني عشر، وذلك بسبب الانجازات الكبيرة التي ضجّت بها حياة هذه المرأة.

فمن هي خاتون بالضبط؟ وما هي تفاصيل حياة هذه الشخصية البارزة؟ في مقالنا هذا سنستعرض لمحةً ونسوق موجزًا عن حياة “خاتون” وكيفية نشأتها وأبرز الأحداث التي صبغت وقرنت شخصيّتها بأشهر الألقاب في عصرها.

التعريف بخاتون

ما هي إلا عصمة الدين خاتون ابنة الأمير المشهور معين الدين أنور حاكم دمشق بين عامي 1140 و1149م، وزوجة الملك العادل نور الدين الزنكي أمير حلب والقائد المسلم المشهور والذي تأسست على يديه ويدي والده عماد الدين الزنكي دولة الزنكيين الكبيرة. ولا بد أن نذكر أن زواج خاتون بنور الدين إنما كان زواجًا سياسيًا الهدف منه هو تحقيق التقارب بين حلب ودمشق بهدف توحيد القوة ولم الشمل لمواجهة الخطر الصليبي المتنامي في بيت المقدس بقيادة عموري الأول.1

وعند وفاة والدها أنور عام 1149م تولّى زوجها نور الدين مقاليد حكم كلٍ من دمشق وحلب، موحّدًا بذلك صفوف المسلمين في بلاد الشام. وبعد وفاة زوجها عام 1174م، تسلّمت أمور الإدارة بشكلٍ غير مباشرٍ كإحدى الأميرات الحاكمات في المنطقة.

نشأة خاتون وأبرز الأحداث السياسية في حياتها

نشأت عصمة الدين خاتون في بيتٍ مهمومٍ ومُفعمٍ بقضايا الأمة السياسية والعكسرية، فوالدها معين الدين أنور كان حاكمًا قائدًا ومدبّرًا للشؤوون السياسية والعسكرية في منطقة دمشق، هذه البيئة السياسية التي ضجّت بالأحداث والخطط والمُسايسات ساهمت في تكوين تلك الحنكة السياسية والعسكرية التي اشتُهرت بها خاتون.

فعند وفاة زوجها القائد نور الدين عام 1174م، استغلّ نوري الأول حاكم بيت المقدس نيابةً عن الصليبيين الارتباك الذي أصاب صفوف المسلمين في دمشق على وقع الموت المُفاجئ لقائدهم وتحرّك بجيوشه إلى بانياس في نفس العام، وحاصرها لمدة أسبوعين كاملين، أظهرت فيها المدينة صمودًا عجيبًا، حتى جاءت المُبادرة من أميرة دمشق خاتون نفسها، والتي عرضت على نوري الهدنة، إلا أن نوري رفضها حتى تنازلت خاتون عن مبلغٍ كبيرٍ تدفعه خزينة المسلمين بالإضافة إلى إطلاق صراح الأسرى النصارى في سجون المسلمين. ووافق نوري على ذلك وكانت الهُدنة وتراجع نوري بجيشه عن بانياس وعاد أدراجه إلى بيت المقدس.

ومع تمكّن صلاح الدين الأيوبي، القائد العسكري الأول لنور الدين الزنكي، من إرساء دعائم الاستقرار الاقتصادي والعسكري في مصر، اتجه مباشرةً إلى بلاد الشام لحل النزاعات والصراعات التي خلّفتها وفاة قائده نور الدين. وكانت أولى خطواته لنيل الشرعية والدعم المعنوي كخليفةٍ لنور الدين، زواجه من عصمة الدين خاتون، والتي وافقت مباشرةً على هذا الزواج في سبيل توحيد الجبهتين الشامية والمصرية وفض النزاعات القائمة في سدة الحكم.2

جهودها الاصلاحية

لم تقتصر الجهود التي بذلتها خاتون على النواحي السياسي والإدارية للدولة، بل تعدّتها لتصل إلى العديد من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي ساهمت فيها ودعمتها بشكلٍ كبيرٍ، وبذلت في سبيل ذلك أموالٌ طائلةٌ وجهودٌ حثيثةٌ، حتى عُرفت بين الناس بفضلها وكرمها ومسارعتها للإصلاح.

ولعل من أشهر ما ساهمت به خاتون في عهدها هو بناء المدرسة الخاتونية بحجر الذهب في دمشق، والتي غدت فيما بعد منصّةً فكريةً وعلميةً تخرّج منها مشاهير العلماء وكبار الفقهاء. كما يعود لها الفضل ببناء خانقاه (بناءٌ دينيٌّ قديمٌ ذو تصميمٍ مميّزٍ) مشهورة على نهر بانياس، بالإضافة إلى تأسيس تربةٍ بقاسيون عند نهر يزيد، دُفنت فيه خاتون بعد موتها.3

وفاتها

توفيت سنة 581هـ وذلك قبل تحرير بيت المقدس على يد زوجها صلاح الدين الأيوبي بسنتين، إلا أنها مع ذلك ساهمت في حملة التحرير تلك بأقصى طاقتها وخصّصت في سبيل ذلك الكثير من الجهد والأموال. دُفنت في التربة التي قامت بتأسيسها في قاسيون عند نهر يزيد.

ما قال فيها المؤرخون

كانت من أفضل نساء عصرها وأكثرهن خيرًا وأوسعهن نفقةً وأغدقهن كرمًا، لا ترد سائلًا ولا تخيب للطالب وسائلًا. قال عماد الدين الكاتب (مؤرّخٌ مشهورٌ عاصرالدولة الأيوبة والنورية): أعف النساء وأجلهن وأعصمهن في الصيانة، أمرها نافذ ورأيها فاضل، ساهمت في الكثير من الإصلاحات وأكثر من ذلك في بناية الدور التعليمية والدينية آنذاك. 4

المراجع