مولود فرعون .. “ابن الفقير” الذي خلد القرية الجزائرية القديمة

الأديب الجزائري مولود فرعون
عليـاء طلعـت
عليـاء طلعـت

6 د

كانت بدايتي خاطئة مع الأدب الجزائري، فقد فقرأت روايتين لم تنالا إعجابي، ولكن التجربة الثالثة كانت هي البداية الحقيقة عندما أخذني من يدي “مولود فرعون” الأديب الجزائري العظيم، وجعلني أعيش لأيام في قريته الصغيرة وعرفني على عادتها وتاريخها، و”فيرولو” ابنها الصغير، وأردت هنا أن أريكم جانبًا من كل هذا.

وقد أهداني رواية “ابن الفقير” قارئ جزائري كريم، أراد أن يعرفني على أدب بلاده بالطريقة المثلى، وله أدين بهذا الفضل، فمن دونها كنت لا زلت جاهلة بعالم مولود فرعون الغني.


مولود فرعون..

2

وُلد مولود فرعون في 18 مارس عام 1913، في قرية تيزي وزو لعائلة فقيرة، وفرعون ليس اسم عائلته، بل كانت السلطات الفرنسية في هذه الفترة تقوم بتسمية العائلات الجزائرية في القرى وقررت إطلاق هذا الاسم على أسرته، بينما كان الاسم الأصلي هو شعبان.

ذو صلة

وعلى الرغم من فقره فقد استطاع مولود الالتحاق بالمدرسة الابتدائية في قرية “تاوريرت موسى”، ولم تردعه الظروف الصعبة عن إكمال دراسته الأولية، وبعدها خاض العديد من الصراعات ليلتحق بالمدرسة الثانوية، وقد كان المعتاد في تلك الفترة أن يترك الأطفال الدراسة بعد حصولهم على الشهادة الابتدائية، وبعد إنهائه الثانوية دخل مدرسة المعلمين بالجزائر العاصمة.

لم تكن مدرسة المعلمين لمولود فرعون مجرد مدرسة عليا يلتحق بها ليكمل تعليمه، بل هدفًا وضعه نصب عينيه منذ البداية.. أن يصبح معلمًا ويعود مرة أخرى إلى بلدته الصغيرة ليؤدي رسالته في تعليم صغارها.

وحقق مولود حلمه بحذافيره، فبعد تخرجه تم تعيينه عام 1935 في قريته مدرسًا، ثم التحق بعدها بمدرسته الابتدائية عام 1946 ليرد جميلها، وترقى في المناصب التعليمية حتى أصبح مديرًا لمدرسة “نادور” بالجزائر العاصمة عام 1957، وكان آخر مناصبه هو مفتش لمراكز اجتماعية عام 1960.


اغتياله..

في 15 مارس 1962 قبل أقل من أسبوع من قرار وقف إطلاق النار بين فرنسا والجزائر – 19 مارس – قامت مجموعة من الإرهابين أعضاء عصابة المنظمة السرية الإرهابية الفرنسية (OAS) باغتيال مولود فرعون بوضح النهار، حيث كان في اجتماع مع مجموعة من العاملين في قطاع التعليم، وقاموا بهذه الفعل بمنتهى الوحشية، حيث اقتادوا فرعون مع خمسة من زملائه خارج غرفة الاجتماعات، ثم أمروهم بوضع أيديهم اتجاه النهار وأطلقوا النار عليهم، لتضيف هذه الحادثة وصمة عار أخرى مع الكثير من الحوادث البشعة الأخرى التي اقترفها المستعمر الفرنسي ضد الشعب الجزائري.

لم يتم اغتيال مولود فرعون لكونه كاتب أو ناشط فقط، قتلوه لأن فعل قتل مواطن جزائري في ذلك الوقت كان يجري بدون تفكير بجريرة أو خوف من عقاب، كان فعلاً عادياً يحدث كل يوم.

وقد قال مولود فرعون عن قيمة حياة المسلم “كم تساوي حياة المسلم؟ إنها في هذه الحالة لا تساوي أكثر من طلقة مدفع رشاش، بل ربما تساوي أقل من ذلك” ربما كنبوءة مسبقة عما سيحدث له في المستقبل القريب.


حربه على الاستعمار..

4


“أكتب بالفرنسية، وأتكلم بالفرنسية، لأقول للفرنسيين، أني لست فرنسياً”

عبارة مولود فرعون الخالدة التي تلخص سيرته الذاتية ومسيرته في الحرب على الاستعمار، فهو لم يرفع السلاح أو يطلق النيران، لقد كتب ما يريد التعبير عنه بلغة عدوه ونشرها في بلاده، لتظل حتى اليوم يعاد نشرها باللغة الفرنسية كتذكرة لأحفاد المستعمرين بجرائم أجدادهم.

وجد فرعون أن الكتابة عن جرائم الاستعمار وإبرازها في رواياته ومقالاته هي وسيلته المثلى للحرب، بالإضافة إلى أعماله التي خلدت التقاليد والهوية الأمازيغية لتظل باقية حتى الآن، وساعده على ذلك عمله بمهنة التعليم التي جعلته يختلط بكل طبقات المجتمع ويعايش هموم الطبقات الدنيا والفقراء، ليصبح هو صوتهم بالمجتمع.

وكذلك كان لفرعون نشاط نقابي، حاول من خلاله مجابهة نظام التمييز العنصري والذي أدى إلى تجويع الجزائريين وإذلالهم، حيث قام المستعمر بمصادرة الأموال والأراضي، ما دفع الكثير من الرجال لهجر بلادهم للعمل في المنفى، كما فعل والد مولود نفسه ووالد فيرولو في رواية “ابن الفقير”.


مولود فرعون وألبير كامو..

درات الكثير من المراسلات بين مولود فرعون والكاتب والأديب الفرنسي الذي وُلد في الجزائر، كان الحوار على الأغلب حول الأعمال الأدبية لكل منهما، ولكن ذلك لم يُنسي فرعون قضيته الأساسية وهي تحرير بلاده من الاستعمار الفرنسي، وقد أرسل له بعد قراءته رواية الطاعون التي تدور أحداثها في الجزائر رسالة يعبر فيها عن أسفه لعدم ذكر أي شخصيات من أهالي البلاد في الرواية، وعدم القدرة على التواصل بين المستعمر والجزائريين على الرغم من السنوات الطويلة التي عاشوها سوياً على أرض واحدة.


ابن الفقير..

3

تمثل رواية ابن الفقير باكورة أعمال مولود فرعون الأدبية، والتي كتبها وأنهاها عام 1939، وطبعها على حسابه الخاص، وقال عنها كتبت رواية ابن الفقير إبان الحرب على ضوء شمعة ووضعت فيها قطعة من ذاتي” ثم أردف: “أنا متعلق بشكل كبير بهذا الكتاب، أولاً لأنني لم أكن آكل كل يوم رغم الجوع في حين كان الكتاب يولد من قلمي، وثانياً لأنني بدأت أتعرف على قدراتي“.

وهي خليط من الرواية والسيرة الذاتية، حيث تتبع فيها مولود حياته وطفولته في القرية الصغيرة تيزي، ثم كفاحه بالدراسة حتى وصوله لما يريد، لكنه لم يكن بطل الأحداث، بل كانت قريته بكل تفاصيلها وتقاليدها وعالمها الفريد.عرّف القارئ من خلالها على الأوضاع الاجتماعية في المجتمع بذلك الوقت، ومكانة المرأة والفتاة، التقاليد المتبعة، والظروف الاقتصادية الطاحنة التي دفعت الأب إلى الهجرة إلى دولة مستعمرة حتى يستطيع إعالة عائلته، ومن خلال رسائل الأب مع ابنه تعرفنا على حياة المهاجرين في غربتهم الإجبارية، والمعاملة السيئة والمهينة.

“ابن الفقير” شاهدة على عصر وحقبة شديدة التوتر والحساسية في تاريخ الجزائر، وكما يحدث دوماً كان فن الرواية هو الوسيلة المثلى لسرد التاريخ، ليظل حياً كقطع من واقع مضى تم نقلها دون أن تبرد أو تذبل مشاعر أشخاصها بعد.


مؤلفاته..

ترك مولود فرعون العديد من المؤلفات الأدبية بالإضافة لعشرات المقالات، ومن كتبه:

  • ابن الفقير: رواية 1940.
  • الأرض الدم: رواية طُبعت عام 1953، وتتناول موضوع المنفى وصعوباته ونتائجه على شخصية المنفي، وكذلك قضايا الهوية والشرف.
  • أيام قبائلية: وهو كتاب يتناول عادات وتقاليد منطقته ومشاهد يومية من القرى الأمازيغية، وتم إصداره عام 1954.
  • الدروب الوعرة: رواية تم نشرها عام 1957، وتتناول صدام الثقافات من خلال قصة حب.
  • أشعار سي محند: تم إصداره عام 1960، وهو ترجمة لعدد كبير من قصائد الشاعر الأمازيغي “سي محند” واستخلاص سيرة حياته من خلال كتاباته، وكذلك تقديم المقاومة الأمازيغية بواسطة الشعر التقليدي.
  • رسائل إلى الأصدقاء: تم طبعه عام 1969، وهو يتناول المعاناة الجزائرية في ظل الاستعمار الفرنسي ومحاولات طمس الهوية، وذلك من خلال مرسلاته مع أساتذة وأدباء وناشرين مثل إيمانويل رويليس وألبير كامو.
  • الذكرى: تم إصداره عام 1972، وهو نصوص متفرقة.
  • مدينة الورود: وهي رواية لم يتمكن من إنهائها قبل اغتياله، وتم نشرها عام 2007.
  • اليوميات 1955-1962: هو شهادة هامة من الكاتب عن تلك الفترة من التاريخ الجزائري حيث كانت يكتب مولود فرعون مذكراته بصورة منتظمة.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.