0

منذ نصف قرن، أرسل راي توملينسون Ray Tomlinson أول رسالة إلكترونية بين جهازي كمبيوتر، كانت هذه الرسالة هي البداية لما عرف لاحقًا باسم البريد الإلكتروني.

في ذلك الوقت، كانت أجهزة الكمبيوتر كبيرة الحجم وباهظة الثمن ومعزولة عن بعضها، وكانت عملية نقل الملفات بينها صعبة ومعقدة وتتطلب نقل قرص التخزين عبر شاحنة أو طائرة.

لهذا السبب، طور راي توملينسون -وهو أحد خريجي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا- طريقة لإرسال الملفات بين الأجهزة المتصلة بالشبكة دون الحاجة إلى نقل القرص نفسه، وقام بإرسال أول رسالة إلكترونية في شهر مارس عام 1971. حتى يومنا هذا، يستخدم مليارات المستخدمين خدمات البريد الإلكتروني لإرسال أو استقبال الملفات والرسائل وحتى الأموال!.

لم يكن توملينسون يتوقع أن تصبح التقنية التي طورها مهمة وضرورية لهذه الدرجة، حتى أن بعض الخبراء التقنيين في ذلك الوقت اعتبروا الرسائل الإلكترونية أمرًا غير ضروري وزائدًا عن الحاجة.

راي توملينسون Ray Tomlinson مخترع البريد الإلكتروني
راي توملينسون (مخترع البريد الإلكتروني)

خلال تسعينيات القرن الماضي وحتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان البريد الإلكتروني يشكل وسيلة تواصل رئيسية عبر الإنترنت، لكن فيما بعد، أصبحنا نبتعد عن استخدامه وتحولنا لاستخدام تقنيات جديدة أسهل وأسرع في التواصل مثل المراسلة الفورية ومواقع التواصل الاجتماعي واتصالات الفيديو.

لكن رغم ذلك، ما يزال امتلاك بريد إلكتروني خاص لكل شخص ضروريًا للتسجيل في معظم الخدمات على شبكة الإنترنت.

1971: اختراع البريد الإلكتروني

يحمل راي توملينسون لقب مخترع البريد الإلكتروني. فقد قام بتطوير هذه التقنية أثناء عمله في مشروع أربانت ARPANET، وهو أول شبكة لنقل البيانات بين أجهزة الكمبيوتر تطورت فيما بعد لتصبح شبكة الإنترنت التي نستخدمها اليوم.

خلال عمله في مشروع أربانت، كانت أجهزة الكمبيوتر بعيدة عن بعضها، ولم يكن الباحثون قادرين على نقل الملفات بينها، أنشأ توملينسون برنامجًا يمنح المستخدمين القدرة على إرسال الرسائل والملفات بين أجهزة الكمبيوتر المتصلة بشبكة أربانت.

توفي توملينسون في عام 2016، بعد أن رأى فكرته تستخدم على نطاقٍ واسع من قبل الملايين.

أول رسالة إلكترونية تم إرسالها بين جهازين متصلين بشبكة أربانت البريد الإلكتروني
أول رسالة إلكترونية تم إرسالها بين جهازين متصلين بشبكة أربانت

عنوان البريد الإلكتروني

كان راي توملينسون أول من استخدم الرمز @ في عناوين البريد الإلكتروني، وذلك لأن هذا الرمز مميز للغاية ولا يمكن الخلط بينه وبين أسماء المستخدمين الحقيقية.

يقول توملينسون عن تلك اللحظة:

“نظرت إلى لوحة المفاتيح وفكرت، ما الذي يمكنني إضافته للعنوان ولا يتم الخلط بينه وبين اسم مستخدم؟ كانت علامة @ منطقية للغاية”

لكن رغم ذلك، لم تكن هناك معايير محددة لتنسيق عناوين البريد الإلكتروني، وفي الثمانينيات، تم توحيد التنسيق رسميًا بفضل مجموعة مهندسي شبكة الإنترنت (IETF) وهي منظمة تعمل على وضع وتنظيم المعايير الخاصّة بشبكة الإنترنت.

1976: ملكة بريطانيا تستخدم البريد الإلكتروني

الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا هي أول زعيم سياسي في العالم يستخدم البريد الإلكتروني. وقد جربت برنامج البريد الإلكتروني خلال زيارتها لمؤسسة الإشارات والرادار الملكية في بلدة مالفيرن بإنجلترا. أعطوها اسم المستخدم HME2، وهي الأحرف الأولى من كلمات عبارة “Her Majesty Elizabeth II” والتي تعني “صاحبة الجلالة إليزابيث الثانية“.

في نفس السنة، قامت الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي جيمي كارتر باستخدام البريد الإلكتروني للترويج لانتخابه.

1978: أول بريد إلكتروني إعلاني مزعج

لم يمض الكثير من الوقت حتى فكر أحدهم باستخدام البريد الإلكتروني لكسب المال. حصل جاري ثويرك Gary Thurek على لقب “أبو البريد العشوائي” لأنه قام بإرسال رسالة تسويقية بشكلٍ عشوائي للمئات من مستخدمي شبكة أربانت. حيث كان يروج لأحد المنتجات الجديدة لشركة ديجيتال إكوبمينت.

جاري ثويرك (أبو البريد العشوائي) البريد الإلكتروني
جاري ثويرك (أبو البريد العشوائي)

في نفس العام، أدعى عالم أمريكي من أصول هندية يدعى شيفا أيادوراي Shiva Ayyadurai أنه مخترع البريد الإلكتروني، حيث طور الإصدار الأول من برنامج “EMail” في أواخر السبعينات. لكن خبراء أربانت أشاروا إلى أن البريد الإلكتروني تم تطويره في أوائل السبعينات.

1988: بريد مايكروسوفت

في نهاية عقد الثمانينات، قامت شركة مايكروسوفت بإطلاق أول خدمة بريد إلكتروني تجارية، هي خدمة MSMail. كانت الخدمة متاحة للعمل على كافة أجهزة الكمبيوتر بما في ذلك أجهزة ماكنتوش.

1991: البريد الإلكتروني وصل من الفضاء

في أوائل التسعينيات. قام طاقم مكوك الفضاء أتلانتس Atlantis باستخدام جهاز ماكنتوش بورتبل Macintosh Portable (أول حاسوب ماكنتوش محمول يعمل بالبطارية) وأرسلوا أول بريد إلكتروني من الفضاء.

جهاز ماكنتوش بورتبل استخدم لإرسال أو البريد الإلكتروني من الفضاء
جهاز ماكنتوش بورتبل استخدم لإرسال أول بريد إلكتروني من الفضاء

1992: البريد الإلكتروني أكثر من مجرد رسالة نصية

أدى تطوير امتدادات بريد الإنترنت متعددة الأغراض (MIME) إلى جعل المستخدمين قادرين على إضافة مرفقات مثل المستندات والوثائق والصور والمقاطع الصوتية ومقاطع الفيديو إلى الرسائل الإلكترونية.

1992: ما تراه هو ما تحصل عليه

قام مزود خدمة الإنترنت CompuServe بتطوير تقنية تساعد على تنسيق رسائل البريد الإلكتروني دون الحاجة إلى أي معرفة برمجية. عرفت هذه التقنية باسم WYSIWYG وهي الأحرف الأولى من عبارة إنجليزية تعني “ما تراه هو ما تحصل عليه”، مكنت هذه التقنية المستخدمين من تنسيق رسائل البريد الإلكتروني كما يحلو لهم، كما ساهمت بتطوير المنتديات عبر الإنترنت لتسمح بإرسال رسائل واستخدام خطوط وألوان ورموز متنوعة.

1993: ولادة بريد الويب

حتى عام 1993، كان من الضروري استخدام برنامج مخصص لإرسال واستقبال رسائل البريد الإلكتروني، قام فيليب هالام بيكر Phillip Hallam-Baker، وهو خبير في الأمن السيبراني يعمل في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية CERN بتطوير أول إصدار من بريد الويب، لكن هذا الإصدار كان تجريبيًا ولم يكن متاحًا للمستخدمين العاديين.

1996: ظهور شركات بريد الويب

ظهرت الشركات التي تقدم خدمة بريد الويب مجانًا في منتصف التسعينيات. أول هذه الشركات هي هوتميل Hotmail وروكيت ميل RocketMail، استحوذت مايكروسوفت على هوتميل وغيرت اسمها لاحقًا إلى أوتلوك، واستحوذت ياهو على روكيت ميل وغيرت اسمها إلى ياهو ميل Yahoo Mail.

1998: تبني مصطلح البريد العشوائي

كانت الرسائل الإلكترونية العشوائية إحدى مشكلات البريد الإلكتروني كونها طريقة غير مكلفة للوصول إلى الجمهور. ومع ازدياد أعداد مستخدمي البريد الإلكتروني، زاد عدد هذه الرسائل العشوائية. في عام 1998، تمت إضافة مصطلح spam إلى قاموس New Oxford، ليس لهذا المصطلح ترجمة واضحة للغة العربية، حيث يمكن أن يعني “عشوائي” أو “غير هام” أو “غير مرغوب به”.

2002: ظهور أول هاتف مزود بقدرات البريد الإلكتروني

كانت شركة بلاك بيري BlackBerry أول شركة هواتف محمولة اهتمت بخدمة البريد الإلكتروني. طرحت الشركة هاتفها BlackBerry 5810 في عام 2002، الذي يعتبر أول هاتف محمول يمكن من خلاله إرسال واستقبال الرسائل الإلكترونية.

2003: صدور قانون CAN-SPAM لتقنين السبام

تبنت الولايات المتحدة الأمريكية قانون CAN-SPAM رسميًا بعد توقيعه من قبل الرئيس جورج دبليو بوش، هذا القانون ينظم استخدام البريد الإلكتروني لأغراض التسويق التجارية.

ينص القانون على أن جميع رسائل البريد الإلكتروني التسويقية يجب أن تتضمن في أسفلها رابطًا يتيح للمستخدم إلغاء الاشتراك لمنع تلقي المزيد من الرسائل التسويقية إذا أراد ذلك، وفي حال اختار المستخدم إلغاء الاشتراك، يجب تلبية طلبه وإلغاء اشتراكه خلال 10 أيام عمل كحد أقصى.

إلغاء الاشتراك البريد الإلكتروني
ينص قانون CAN-SPAM على أن جميع الرسائل الإلكترونية التسويقية يجب أن تتضمن في أسفلها رابطًا يتيح للمستخدم إلغاء الاشتراك

2004: بريد جي ميل يغيّر قواعد اللعبة

قامت شركة غوغل بإطلاق خدمة البريد الإلكتروني جي ميل في عام 2004، تميزت هذه الخدمة عن الخدمات الأخرى في أنها تقدم مساحة تخزين مجانية تبلغ 1 جيجابايت، في يومنا هذا، لا تعد هذه المساحة كبيرة، لكنها في ذلك الوقت شكلت نقلة نوعية حيث أن أغلب خدمات البريد الإلكتروني الأخرى كانت تقدم 250 ميغابايت فأقل.

2012: نجاح حملة التسويق للرئيس أوباما

أشاد العديد من المسوقين باستخدام الرئيس باراك أوباما لوسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني من أجل تحفيز الناخبين على انتخابه وتحفيز المانحين على التبرع له.

استفاد الرئيس أوباما من حقيقة أن الحملات السياسية التي تستخدم البريد الإلكتروني لا تخضع للمعايير والشروط التي يفرضها قانون CAN-SPAM.

2014: البريد الوارد من جي ميل .. محاولة للتطوير

أطلق فريق جي ميل في شركة غوغل خدمة البريد الوارد Inbox، الهدف منها هو التركيز على الرسائل والأشياء المهمة. فهي تقوم بتجميع الرسائل الواردة المتشابهة في حزم للتعامل معها في مكان واحد. بالإضافة إلى ميزة إضافة تذكيرات للعودة إلى رسائل معينة فيما بعد.

الخدمة تعمل على الويب ومن خلال تطبيقات الأجهزة المحمولة لنظامي التشغيل أندرويد وآي أو إس، وقد تم إطلاقها رسميًا لجميع المستخدمين في 28 مايو 2015. ثم أعلنت غوغل عن إيقافها في 2 أبريل 2019.

سبب إيقاف الخدمة بحسب غوغل هو التركيز على خدمة واحدة للبريد الإلكتروني، وقالت الشركة إن الميزات التي تقدمها ستنتقل بشكلٍ رسمي إلى جي ميل. كانت هذه آخر خطوات جوجل لتطوير البريد الإلكتروني بإضافة مزايا جديدة له مثل تقنيات التنبؤ والذكاء الاصطناعي وحتى الواجهات، لكنها فشلت وحاولت الشركة أخذ بعض العناصر منها ودمجتها مع جي مايل.

2020: عام غير كل شيء

تغير كل شيء في العالم خلال عام 2020 بسبب انتشار وباء كوفيد 19، وبسبب الإغلاق الذي تم فرضه في معظم دول العالم، أصبح البريد الإلكتروني والرسائل الفورية ومكالمات واجتماعات الفيديو وسيلة تواصل ضرورية.

بعض الشركات قامت بتغييرات على خدمتها للبريد الإلكتروني وإضافة مزايا لها، على سبيل المثال، أضافت شركة غوغل إلى بريد جي ميل خدمة Google Meet التي تتيح عقد اجتماعات افتراضية عبر الفيديو مع عدد كبير من الأشخاص.

في يونيو 2020، تم إطلاق خدمة البريد الإلكتروني  Hey من قبل شركة Basecamp الأمريكية. الخدمة ليست مجانية وتكلف 99 دولارًا في السنة، ولا يمكن استخدامها مع أي خدمة بريد إلكتروني أخرى، كما لا يمكن استخدام عملاء البريد الإلكتروني الأخرى معها.

الميزة الرئيسية التي تقدمها خدمة Hey هي أنك حين تتلقى رسالة إلكترونية من عنوان لأول مرة، تستطيع اختيار ما إذا كانت هذه الرسالة تهمك أم لا، إذا كانت لا تهمك، يمكنك اختيار عدم تلقي أي رسالة من هذا العنوان في المستقبل.

هل سنتخلى عن استخدام البريد الإلكتروني في المستقبل؟

لا يستخدم الناس البريد الإلكتروني كما كانوا في الماضي. فالكثير من المحادثات التي نجريها والرسائل التي نرسلها ونستقبلها تعتمد على أدوات أسهل وأسرع. هذه الأدوات غيرت من طريقة التواصل كثيرًا، ومن المرجح أن تستمر في تغيير طريقتنا في التواصل خلال السنوات القادمة.

أكثر وسائل التواصل المستخدمة حاليًا هي التي تتيح الاتصال مع الأخرين في الوقت الفعلي مثل واتس أب وتلغرام وفيسبوك، والأدوات التي يمكن من خلالها تنسيق العمل مثل مايكروسوفت تيمز وسلاك وغيرها، وأدوات الاتصال عن طريق الفيديو مثل سكايب وزووم وغوغل ميت.

بفضل هذه الأدوات، أصبح اعتمادنا على البريد الإلكتروني أقل مما كان، لكن هل هذا يعني أنها ستؤدي إلى نهاية البريد الإلكتروني؟

على الأغلب لا.

البريد الإلكتروني هو عنصر أساسي لا يمكن الاستغناء عنه، ومن المرجح أن يكون مستقبله هو التكامل مع تلك الأدوات.

اقرأ أيضاً: ما الذي يجب عليك فعله إذا تلقيت رسالة تصيد احتيالي في بريدك الإلكتروني؟

 

0

شاركنا رأيك حول "بعد نصف قرن على اختراعه.. أبرز المراحل التي مرّت على البريد الإلكتروني منذ الرسالة الأولى حتى اليوم"